علوم سياسية

“الدولة المستحيلة” و”الدولة الممكنة”

-مشروع نهوض أو مشروع نكوص-

لا جدال في أن كتاب “الدولة المستحيلة” للكاتب الفلسطيني وائل حلاق، قد خلق حدثا كما نقول مجازا، فتحول إلى ظاهرة يلهج بذكرها الناس في وطننا العربي والإسلامي، في زمن قَلّ فيه الاهتمام بالحديث عن مشروعات النهوض الفكرية، وخفَّتْ فيه حدة الاستقطاب “الإيديولوجي“.


ويرجح عندنا أن فهم الظاهرة يستدعي الوقوف عند السياق الثقافي والسياسي، أكثر من وقوفنا عند الكتاب. فالكتاب في حد ذاته متواضع، لا يستوقف القارئ بعمق أفكاره وتماسك منطقه؛ فهو إن لم يَخْلُ من إشراقات، لا يخلو كذلك من شطحات، كما أنه وإن لم يخل من إيجابيات، لا يخلو من سلبيات.


حين نقارن ما يرد في هذا الكتاب من نقد للحداثة وللتقدم وللغرب، نجده نسخة باهتة من الكتابات التي شهدها السياق الأوروبي، خاصة السياق الألماني والفرنسي، على امتداد القرن العشرين، هذه الكتابات التي بلغت المنتهى في تفكيك الخطاب الحداثي، والتنبيه إلى مخاطر الانجرار وراء قيمه.


فكيف يشيح القارئ عن هذه الكتابات التي كانت مصدر إلهام لنقاد الغرب في السياق الأميركي، من أمثال: إدوارد سعيد، ليقف عند نقد وائل حلاق للحداثة اليوم؟ وهل من جدوى من وراء هذا النقد في سياقنا الجديد الذي يشهد تحديات أخرى؟


قد يقول قائل، إن لنقد وائل حلاق للحداثة قيمة مضافة، لأنه يصدر في هذا النقد عن خلفية تضع الشريعة الإسلامية في مقابل الدولة الحديثة. وهذا قول صحيح، لولا أنه يُحمَل على وجوه كثيرة يجب ألا نغفلها.


فجوهر فكرة وائل حلاق هو استحالة الجمع بين الشريعة بوصفها نسقا روحيا ربانيا متعاليا عن الزمن، وبين الدولة الحديثة بوصفها منظومة قيم نفعية تدعو إلى تأليه الإنسان.


ويدعونا القول بهذه الاستحالة إلى استخلاص نتائج لها انعكاسات كبرى على واقع المسلمين اليوم، سواء في عالمهم العربي والإسلامي، أو في الغرب.


  • رؤية تعزز الصراع والانفصام

مع إثبات استحالة الجمع بين الشريعة والدولة الحديثة تَثْبُت ضرورة الفصل الجغرافي المادي بين فضاءين: الفضاء الإسلامي وفضاء الحداثة. وإلا فكيف لمسلم يعيش في الغرب الحديث -مثلا- أن يبقى مسلما مع استحالة التعايش بين قيم الشريعة وقيم الدولة الحديثة! لعل الخروج من هذا المأزق يستدعي خطابا مزدوجا:


الأول موجّه لمسلمي الخارج، والآخر موجه لمسلمي الداخل. فللمسلم الذي يريد أن يواصل العيش في فضاء الدولة الحديثة نقول بضرورة اعتماد موقف يدعو إلى تخليق الحداثة، وذلك بضخ جرعات من قيم الشريعة فيها.


وأما مسلم الداخل فندعوه إلى تأسيس دولة ليس من جنس الدولة الحديثة، دولة تتأسس على أصول الفقه، وترتبط بأخلاق الشريعة.


إن هذا الكلام، فضلا عن أنه يفضي بالضرورة إلى نوع من الانفصام الذي يجعلنا نفكر في قضايا العالم الحديث من منطلق الداخل والخارج، فهو كلام يصب في تعزيز نظرية الصراع الحضاري، كما جاء بها صامويل هنتنغتون.


فوائل حلاق وهنتنغتون يشتركان في القول بوجود اختلاف في الجوهر بين الإسلام والغرب الحديث، شريعة وحضارة وثقافة وفكرا وقيما. وكلاهما يدعونا إلى النكوص والتراجع إلى مواقع الدفاع عن الذات الطاهرة المطهرة من دنس الآخر.


فبينما يدعونا حلاق إلى إعادة اكتشاف الذات الإسلامية والمفاهيم الأصيلة المرتبطة بالشريعة قبل الغزو الفكري الذي رافق الاستعمار الغربي؛ يدعونا هنتنغتون إلى تخليص الغرب من الوجود الإسلامي، وما يعلق بهذا الوجود من قيم ثقافية تتنافى والقيم الغربية الأصيلة.


كما أن كتاب الدولة الحديثة يصب، من حيث يدري صاحبه أو لا يدري، في تعزيز الفكرة الأساس التي يدور حولها كتاب برنارد لويس عن العلاقة المتوترة بين الإسلام والحداثة (?What Went Wrong). فمعلوم أن لويس يذهب في كتابه هذا إلى القول بوجود موانع ثقافية دينية تحول دون دخول المسلمين زمن الحداثة.


وهو ما يجعلهم يغرقون في التخلف، الأمر الذي يورثهم حالة نفسية تسوغ لجوءهم للإرهاب، لتقويض العالم الحديث الذي يعجزون عن اللحاق به، حسب قوله.


يخلص لويس بعد ذلك إلى تخيير المسلمين بين أمرين: إما الدخول في المنظومة الحديثة والقبول بقيمها العلمية العملية، وإما التهيؤ لاستقبال استعمار جديد تُناط به مهمة تحرير الفرد في العالم الإسلامي من ثقافة ما قبل حداثية.


  • أسئلة معقدة

هل فات وائل حلاق إدراك أن القول بتخلف المسلمين عن قيم الحداثة والدولة الحديثة في السياق الغربي عامة، والأميركي خاصة، يستبطن مُسوِّغا للتصارع مع منظومتهم القيمية وغزو فضاءاتهم الثقافية؟ أو أن وائل حلاق واقع تحت تأثير تيارات دينية مسيحية تسعى من وراء الحديث عن خصوصية التجربة العقدية الدينية الإسلامية.


إلى رد الاعتبار إلى الديني في سياق علماني تجد فيه الكنيسة نفسها مفتقرة إلى بلاغة احتجاج ضد الدولة الحديثة؟ أو أن القبول بتخلف العالم الإسلامي عن قيم الحداثة أصبح جزءا من إستراتيجية جديدة في مرحلة ما بعد الربيع العربي؟


كلما حسب القارئ أنه اقترب من فهم ما يدعونا إليه وائل حلاق، لاحت له في الأفق أسئلة أكثر تعقيدا.


فكتاب “الدولة الحديثة” يتقاطع في أكثر من وجه مع كتاب برنارد لويس عن الإيمان والسلطة (Faith and Power)، الكتاب الذي سبق الربيع العربي بقليل.


يرى لويس في هذا الكتاب أن التصالح مع الإسلام لن يتم إلا عبر تخليص العالم العربي من الدول التي تأسست خلال القرن العشرين على قواعد “إيديولوجية” معادية للغرب الديموقراطي، إما دولا قامت على مبادئ فاشية نازية، وإما دولا قامت على مبادئ شيوعية شمولية؛ ثم عبر التحالف مع الأنظمة التي تستمد شرعيتها الدينية من التاريخ.


يقفز حلاق من جانبه على كل المساعي لبناء الدولة في العالم العربي في زمن الحداثة، ليعود بنا إلى تاريخ شهد التجسيد الأمثل لدولة الشريعة. فحلاق لا يدعو إلى تخليص مفهوم الدولة في العالم العربي من عوالق “الإيديولوجيات” الفاشية والنازية والشيوعية فحسب، كما يدعو إلى ذلك لويس.


بل يذهب أبعد من ذلك فيدعو إلى تخليص هذا المفهوم من عوالق الدولة الحديثة الديموقراطية الغربية كذلك. وبهذه الدعوة يقدم خدمة كبيرة لبرنارد لويس، الذي يسعى في كتابه عن الإيمان والسلطة إلى تنبيه الغربيين إلى خطورة استغلال المسلمين الموجودين في الغرب للهياكل الديموقراطية، التي تمنحهم إياها الدولة الحديثة بغرض تسريب الشريعة إلى المجتمعات الغربية، والتمكين للمسلمين في هذه المجتمعات.


عند التأمل تبدو لنا الشريعة، في أبهى صورها، وسيلة للتوفيق بين المطلق والمغلق، وليس كما نفهم من كتاب حلاق، مطلقا دينيا يعلو على التاريخ الإنساني

إلا أن حلاق، على خلاف برنارد لويس، يظل مفتقرا إلى الوضوح حين يتعلق الأمر بتعيين الجهة التي تجسد قيم الإسلام والشريعة في واقعنا التاريخي اليوم.


ففي حين يقول لويس، إن هذه القيم تتجسد في الأنظمة التي تستمد شرعيتها الدينية من التاريخ الإسلامي، يقف حلاق حائرا ماذا يقول، مكتفيا بالإشارة إلى عالم شبه طوبوي. فهل الدولة القائمة على الشرعية الدينية في العالم العربي اليوم مقبولة، أو دولة مخفقة يجب المزايدة عليها.


لأنها اصطبغت بدورها بصبغة الدولة الحديثة؟ يبدو للمتأمل في كتاب وائل حلاق أننا أمام مغامرة فكرية يشوبها نوع من التخليط، تعلو علوّا رفيعا حين يتعلق الأمر بفك الارتباط بالدولة الحديثة، وتسقط سقوطا قبيحا حين يتعلق الأمر بتعيين المقصود بدولة الشريعة.


أقل ما يمكن أن يقال عن “الدولة المستحيلة” إنه كتاب يصدر فيه صاحبه عن جهاز مفاهيمي قد استنفد أغراضه في سياقنا اليوم.


لقد اجتهد وائل حلاق كي يبعث النقاش من جديد حول العلاقة بين الديني والسياسي في تاريخ المسلمين، إلا أن اجتهاده أوصله إلى نتائج تنمّ عن سذاجة في الطرح. وهل هناك سذاجة أكثر من تقسيم العالم إلى قسمين متباينين: قسم المطلق الديني، وقسم المغلق الإنساني!


يجابهنا كتاب وائل حلاق بسؤال محوري: هل نستطيع بناء دولة الشريعة، أو إحلال الشريعة، في عالمنا اليوم بمعزل عن تأثيرات موازين القوى، كما ترسيها الدولة الحديثة القائمة المتمكنة المتحكمة في صناعة التاريخ؟ أو أن المقصود من الحديث عن الشريعة هو الحديث عن منظومة أخلاقية، هي أقرب إلى الدعوة والتزكية الروحية منها إلى منطق الدولة؟


عند التأمل تبدو لنا الشريعة، في أبهى صورها، وسيلة للتوفيق بين المطلق والمغلق، وليس كما نفهم من كتاب حلاق، مطلقا دينيا يعلو على التاريخ الإنساني.


كثيرا ما نقف عند قوله -تعالى-: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}، وقليلا ما نعبأ بما جاء بعدها: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. نفيد من هذه الآية أن مع تمام الدين والتشريع الإلهي، هناك سياقات اضطرار.


والدولة في نظرنا من جنس هذا الاضطرار، نحتاج إليها للبقاء على الحياة، حتى وإن لم ترق، ولن ترقى، إلى مستوى التشريع الرباني. الدولة اجتهاد إنساني يرسم أفقا منظورا لطموحات الإنسان في الوجود، أفقا يُمَكِّن من المقارنة بين الدول في التاريخ.


وبهذا الاعتبار لا يجوز وضع الشريعة بوصفها مطلقا ربانيا في مقابل الدولة بوصفها معطى إنسانيًا، كما نفهم من كتاب وائل حلاق عن “الدولة المستحيلة”.

وللحديث بقية…


بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى