تاريخ التطبيل في مصر – حين تهتز الأرض فرحا
تبدو بعض الأبيات الشعرية وكأنها تلتقط نبض الزمن، وتحوّل لحظات الخوف إلى حكمة، والاهتزاز إلى معنى. من هذه الأبيات الخالدة ما أنشده الشاعر محمد بن عاصم في مصر حين كثرت الزلازل في عهد الحاكم كافور الإخشيدي، فقال:
ما زُلزلتْ مصرُ من سوءٍ يُرادُ بها
لكنّها رقصتْ من عدلِهِ فرحاً
بيت صغير في حجمه، لكنه يحمل دهشة شعرية وفلسفة سياسية عميقة: الزلزال، الذي يُرى عادة نذير خراب، يصبح هنا احتفالاً، واهتزاز الأرض يُفسّر بوصفه فرحاً بعدل الحاكم.
1. كافور الإخشيدي: عبدٌ صار حاكماً:
ولد كافور الإخشيدي عبدًا حبشيًا اشتراه محمد بن طغج الإخشيد بثلاثة دنانير فقط. لكن ذكاءه وحنكته جعلاه يرتقي حتى أصبح حاكم مصر والشام. حكم مصر بين 966-968م، وأشتهر بأنه:
- أقام نظام حكم قائم على العدل والصرامة وضبط الأسواق،
- دعم العلماء والشعراء، ومنهم المتنبي الذي مدحه ثم هجاه،
- حافظ على استقرار مصر في زمن اضطرابات خارجية وداخلية.
في هذا الجو، حين وقعت الزلازل، كان الشعب يرى عدل الحاكم نعمة تستحق الاحتفال، لا البلاء.
2. الزلزال: خوف الناس وشجاعة الخيال:
الزلازل كانت دائمًا تُقرأ بوصفها رسائل غامضة من السماء. لكن ماذا يحدث حين يتحوّل الخوف إلى لغة فرح؟
محمد بن عاصم لم يقل إن الزلزال عقاب أو إنذار، بل جعله “رقصة” فَرَحٍ بعدل الحاكم. وهذا التحويل في المعنى هو ذروة الشعر السياسي الذكي.
3. مشاهد مشابهة في التاريخ الإسلامي والعربي:
هذا الموقف ليس وحيدًا. عبر التاريخ، ظهرت مواقف مشابهة ربط فيها الناس بين الظواهر الطبيعية وعدل أو ظلم الحكّام:
| الحدث | القصة | الدلالة |
|---|---|---|
| المدينة المنورة – عهد عمر بن الخطاب | لما اهتزت الأرض، ضربها عمر برجله وقال: “اسكني، ما عدلتُ عليكِ!” | ربط بين العدل السياسي واستقرار الطبيعة. |
| زلزال دمشق – عهد نور الدين زنكي | بعد وقوع زلزال قوي، قال الناس: “لو لا عدله لهلكنا.” | ثقة الشعب بعدالة الحاكم حوّلت الكوارث لصبر. |
| الأندلس – عهد عبد الرحمن الناصر | حين غرقت قرطبة بالسيول، كتب شاعر: “لو لا عدل الناصر لغرقت البلاد في الفتن، لا المطر.” | الطبيعة تصبح انعكاسا للحكم. |
4. الشعر كسلاح سياسي:
بيت محمد بن عاصم ليس مجرد وصف شعري بل هو:
- دعاية سياسية إيجابية للحاكم،
- تهدئة لمخاوف الناس من الزلازل،
- رسالة غير مباشرة للمعارضين: أن العدل يجلب البركة حتى في غضب الطبيعة.
بل إن المتنبي نفسه، الذي هجا كافور، قال في مدحه قبل الهجاء:
“لو لم تكن في كفّه يوم الوغى ** ما سلّ سيفًا للعدى من غمدهِ”
5. هل كانت مصر فعلًا تهتز فرحًا؟
من منظور ديني وعلمي، الزلازل ظاهرة طبيعية. لكن الشعراء استطاعوا تحويلها إلى لغة رمزية تعبر عن علاقة الشعب بالحاكم.
فالأرض، في خيال الشاعر، كائن حي يشعر بالعدل والظلم، ويهتز حين تسعد.
6. أثر البيت في كتب التراث:
هذا البيت لم يمر مرورًا عابرًا، فتجده محفوظًا في:
- وفيات الأعيان – ابن خلكان
- صبح الأعشى – القلقشندي
- المستطرف – الإبشيهي
مما يؤكد أن الشعر الجيد لا يُخلَّد فقط لجماله، بل لما يحمله من روح زمن بأكمله.
- خلاصة:
ربما لم ترقص مصر فعلاً، لكن محمد بن عاصم جعلها ترقص في الذاكرة. فلا عجب أن يخلَّد هذا البيت، لأنه جعل العدالة تُترجم على الأرض، لا في القوانين فقط.
مصادر ومراجع:
- الثعالبي، يتيمة الدهر
- ترجم لمحمد بن عاصم، وأثبت هذا البيت ضمن شعره.
- الشابشتي، الديارات
- ذكر الشاعر ضمن شعراء مصر، وإن كان معظم شعره في وصف الأديرة.
- المقريزي، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار
- ذكر أخبار محمد بن عاصم وأشار إلى هذه الواقعة.













اين بقية المقال