من نوادر العرب في كتاب “المستطرف”

0

 

 أحضر رجل ولده الى القاضي ، فقال: يامولانا إن ولدي هذا يشرب الخَمر، ولايُصلي ، فأنكر ولده ذلك ، فقال أبوه : ياسيدي ، أفتكون صلاة بغير قراءة ؟

فقال الولد : إني أقرأ القرآن ، فقال له القاضي : اقرأ حتى أسمع ،فقال :

علــق القلــب الـربـابـا ……. بعدمـا شـابت وشـابـا
إن ديــــن الله حــــق …….. لا أرى فيــه ارتيـابـا

فقال أبوه : إنه لم يتعلم هذا إلا البارحة ، سرق مصحف الجيران ، وحفظ هذا منه ، فقال القاضي : وأنا الآخر أحفظ آية منها ، وهي :

فارحمي مُضنى ً كئيبا ً ……. قد رأى الهجر عذابا
ثم قال القاضي : قاتلكم الله ، يتعلم أحدكم القرآن ولايعمل به .

* وقال رجل لولده وهو في المكتب : في أي سورة أنت ؟ قال : لا أقسم بهذا البلد ، ووالدي بلا ولد ، فقال : لعمري من كنت أنت ولده ، فهو بلا ولد .

* وكان لرجل من الأعراب ولد اسمه حمزة، فبينما هو يوما ً يمشي مع أبيه إذ برجل يصيح بشاب : يا عبدالله ، فلم يجبه ذلك الشاب ، فقال : ألا تسمع ؟ فقال : ياعم، كلنا عبيد الله ، فأي عبد تعني ؟ فالتفت أبو حمزة إليه وقال : ياحمزة ، الا تنظر الى بلاغة هذا الشاب ؟ فلما كان من الغد إذا برجل ينادي شابا ً : يا حمزة ، فقال حمزة ابن الأعرابي : كلنا حماميز الله ، فأي حمزة تعني ، فقال له أبوه : ليس يعنيك ، يا من أخمد الله به ذكر أبيه .

* سلم أعرابي ولده الى المعلم ، فغاب عنه مدة ثم قال له : في أي سورة أنت ؟ فقال : في يا أيها الكافرون ، فقال : بئس العصابة أنت فيهم ، ثم تركه مدة ، وقال : في أي سورة أنت ؟ فقال : في إذا جاءك المنافقون ، فقال : والله ما تتقلب إلا على أوتاد الكفر، عليك بغنمك فارعها .

* وجاء نحوي يعود مريضا ً ، فطرق بابه ، فخرج إليه ولده ، فقال : كيف وجدت أباك ؟ قال : ياعم ورمت رجليه قال : لاتلحن ، قل : رجلاه ، ثم ماذا ؟ قال : وصل الورم الى ركبتاه ، قال : لاتلحن ، قل : الى ركبتيه ، ثم ماذا ؟ قال : مات ، وأدخله الله في بظر عيالك وعيال سيبويه ونفطويه وجحشويه .

* قال الجاحظ : مررت على خربة ، فاذا بها معلم وهو ينبح نبيح الكلاب ، فوقفت أنظر إليه ، وإذا بصبي قد خرج من دار ، فقبض عليه المعلم ، وجعل يلطمه ويسبه ، فقلت : عرفني خبره ، فقال : هذا صبي لئيم ، يكره التعليم ، ويهرب ويدخل الدار، ولا يخرج ، وله كلب يلعب به ، فإذا سمع صوتي ظن أنه صوت الكلب ، فيخرج فأمسكه .

* وقال بعضهم : رأيت معلما ً وقد جاء صغيران يتماسكان ، فقال أحدهما : هذا عض أذني ، فقال الآخر: لا والله يا سيدنا ،هو الذي عض أذن نفسه ، فقال المعلم : يا ابن الزانية ، هو جملا ً يعض أذن نفسه .

* وجاءت امرأة الى المعلم بولدها تشكوه ، فقال له : إما تنتهي ، وإلا فعلت بأمك، فقالت : يامعلم ، هذا صبي ما ينفع فيه الكلام ، فافعل ماشئت لعله ينظر بعينه ويتوب، فقام وفعل بها أمام ولدها .

* قال عثمان بن دراج الطفيلي: مرت بنا جنازة يوما ً ، ومعي ابني ، ومع الجنازة امرأة تبكي ، وتقول : الآن يذهبون بك الى بيت لا فراش فيه ، ولاغطاء ، ولا وطاء ، ولا خبز ، ولا ماء ، فقال : يا أبت الى بيتنا والله يذهبون .

* وقال الجاحظ : مررت بمعلم صبيان ، وعنده عصا طويلة وعصا قصيرة وصولجان وكرة وطبل وبوق ، فقلت : ماهذه ؟ فقال : عندي صغار أوباش ، فأقول لأحدهم : اقرأ لوحك ، فيصفر لي بضرطة ، فأضربه بالعصا القصيرة ، فيتأخر ، فأضربه بالعصا الطويلة ، فيفر من بين يدي ، فأضع الكرة في الصولجان وأضربه فأشجه ، فتقوم إلي الصغار كلهم بالألواح ، فأجعل الطبل في عنقي ، والبوق في فمي ، وأضرب الطبل وأنفخ في البوق ، فيسمع أهل الدرب ذلك ، فيسارعون إلي ويخلصوني منهم .

* اجتمع نصراني ومحدث في سفينة ، فصب النصراني خمرا ًمن زق كان معه في شربة وشرب ، ثم صب فيها وعرض على المحدث ، فتناولها من غير فكر ولا مبالاة ، فقال النصراني :جعلت فداك ، إنما هي خمرة ، قال : من أين علمت أنها خمرة ؟ قال : اشتراها غلامي من يهودي ، وحلف أنها خمرة ، فشربها المحدث على عجل ، وقال للنصراني : يا أحمق ، نحن أصحاب الحديث نضعفُ مثل سفيان بن عيينة ، ويزيد بن هارون ، أفنصدق نصرانيا ً عن غلامه عن يهودي ! والله ما شربتها إلا لضعف الاسناد ! .

* وكان رجل يسمى تاج الوعظ ،يعظ الناس ويقص عليهم حتى يبكيهم ، ثم لم يقم حتى يضحكهم ويبسط آمالهم . فمن لطائفه : أنه حكى يوما ً بعدما فرغ من ميعاده ، قال: سمعت الناس يتكلمون في التصحيف ، وكنت لا أعرفه ، فوقع في قلبي أن أتعلمه ، فدخلت في سوق الكتبيين ،واشتريت كتابا ً في التصحيف ، فأول ما تصفحته وجدت فيه : سكباج، تصحيفه نيك تاج، فرميت الكتاب من يدي ، وحلفت أني لاأشتغل به أبدا ً، فضحك الناس حتى غُشيَ عليهم .

* ورفعت امرأة زوجها الى القاضي تبغي الفرقة ، وزعمت أنه يبول في الفراش كل ليلة ، فقال الرجل للقاضي: ياسيدي ، لاتعجل علي حتى أقص عليك قصتي،إني أرى في منامي كأني في جزيرة في البحر ، وفيها قصر عال ٍ ، وفوق القصر قبة عالية ، وفوق القبة جمل ، وأنا على ظهر الجمل ، وإن الجمل يطأطئ برأسه ليشرب من البحر،فإذا رأيت ُ ذلك بُلتُ من شدة الخوف ، فلما سمع القاضي ذلك بال في فراشه وثيابه ،وقال : ياهذه أنا قد أخذني البول من هول حديثه ، فكيف بمن يرى الأمرعيانا ً.

*وحكى الأصمعي أن عجوزا ً من الأعراب ،جلست في طريق مكة إلى فتيان يشربون نبيذا ً ، فسقوها قدحا ً ، فطابت نفسها ، فتبسمت ، فسقوها قدحا ً آخر ، فاحمروجهها وضحكت ، فسقوها ثالثا ً ، فقالت : خبروني عن نسائكم بالعراق ، أيشربن النبيذ ؟ قالوا: نعم ، قالت : زَنيَنَ ورب الكعبة ، والله ان صدقتم ما فيكم من يعرف أباه .

*ود خلت أعرابية على قوم يصلون ، فقرأ الإمامُ ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء ) /النساء: 3/ وجعل يرددها ، فجعلت الأعرابية تعدو وهي هاربة ،حتى جاءت لأختها فقالت : يا أختاه ، مازال الإمام ُ يأمرهم أن ينكحونا ، حتى خشيت أن يقعوا علي َ.

* وقدم تاجر الى المدينة يحمل من خُمُر العراق، فباع الجميع إلا السود ، فشكا الى الدارمي ذلك ، وكان الدارمي قد نسك وتعبد ، فعمل بيتين ، وأمر من يغني بهما في المدينة ، وهما هذان البيتان :
قل للمليحة في الخمار الأسود …… ماذا فعلت بزاهد متعبد
قد كان شمر للصلاة إزاره ……. حتى قعدت له بباب المسجد
قال : فشاع الخبر في المدينة : إن الدارمي رجع عن زهده ، وتعشق صاحبة الخِمار الأسود ، فلم يبق في المدينة مليحة إلا اشترت خِمارا ً أسود ، فلما أنفذ التاجرما كان معه رجع الدارمي الى تعبده ، وعمد الى ثباب نسكه فلبسها .

* وجاء رجل الى بعض الفقهاء، فقال له : أنا أعبد الله على مذهب ابن حنبل ، وإني توضأت وصليت ، فبينما أنا في الصلاة ، إذ أحسست ببلل في سروالي يتلزق، فشممته فإذا رائحته كريهة خبيثة ، فقال الفقيه : عافاك الله ، خريت بإجماع المذاهب .

*وأتى بعض المجان لبعض القضاة ، فقال : ياسيدي ، إن امرأتي قحبانا ، فقال له القاضي : طلقهانا ، فقال : عشقانا ، فقال : قودانا .

*ووقف سائل على باب ، فقالوا : يفتح الله عليك ، فقال كسرة ، فقالوا : مانقدر عليها ، قال : فقليل من بُر(حب القمح) أو فول أو شعير ، قالوا :لانقدر عليه ، قال : فقطعة دهن ،أو قليل زيت أولبن ، قالوا : لانجده ،قال: فشربة ماء ، قالوا : وليس عندنا ماء ، قال : فما جلوسكم ههنا ؟ قوموا فاسألوا ، فأنتم أحق مني بالسؤال .

* وسمع مؤذن حمص يقول في سحور رمضان : تسحروا فقد أمرتكم ، وعجلوا في أكلكم ، قبل أن أؤذن فيسخم الله وجوهكم .

*وشوهد مؤذن يؤذن من رقعة، فقيل له :ماتحفظ الأذان؟ فقال: سلوا القاضي، فأتوه ، فقالوا :السلام عليكم ، فأخرج دفترا ً وتصفحه ، وقال : وعليكم السلام ، فعذروا المؤذن .

*وتنبأ رجل في زمن المتوكل ، فلما حضر بين يديه ، قال له : أنت نبي ؟ قال : نعم ، قال : فما الدليل على صحة نبوتك ؟ قال :القرآن العزيز يشهد بنبوتي ،في قوله تعالى: (إذا جاء نصرالله والفتح ) / النصر :1/ وأنا اسمي نصرالله ، قال : فما معجزتك ؟ قال : ائتوني بامرأة عاقر ، أنكحها ، تحمل بولد يتكلم في الساعة ، ويؤمن بي ، فقال المتوكل لوزيره الحسن بن عيسى : أعطه زوجتك حتى تبصر كرامته ، فقال الوزير: أما أنا ، فأشهد أنه نبي الله ، وإنما يعطي زوجته من لايؤمن به، فضحك المتوكل وأطلقه.


( المستطرف في كل فن مستظرف : بهاء الدين أبي الفتح الأبشيهي )

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.