تربية وتعليم
أخر الأخبار

“باولو فريري”: من معلم المقهورين إلى مهندس التربية التحررية في القرن 20

يُعدّ “باولو فريري” أحد أهم المفكرين التربويين في القرن العشرين، وأبرز من نظّر لفلسفة التعليم النقدي والتحرر الاجتماعي. فقد كرّس حياته الفكرية والعملية لمواجهة أنماط القهر التي تطال الفئات الفقيرة والمهمَّشة، مُدشّنا مشروعا تربويا يقوم على الوعي، والكرامة الإنسانية، والمشاركة المجتمعية الهادفة.

وقد تحوّل كتابه الأشهر “تعليم المقهورين” (Pedagogy of the Oppressed) إلى أحد أهم النصوص المرجعية في علوم التربية الحديثة، وأحد أكثر الكتب تأثيرا في برامج تعليم الكبار والتعليم النقدي عبر العالم.

  • جذور المشروع الفكري لفريري – التعليم بوصفه ممارسة للحرية:

استوعب فريري مبكرا درس ابن خلدون حول تبعية المغلوب للغالب، كما تفاعل بعمق مع مقولة تولستوي الشهيرة: “الحرية شرط كل تعليم حقيقي”. وقد دفعه هذا الوعي إلى اعتبار التعليم ممارسة سياسية، وجزءا من صراع طويل ضد القهر البنيوي المرتبط بالفقر والاستغلال والتبعية.

منذ ستينيات القرن الماضي برز اسم فريري في الأوساط الأكاديمية العالمية بفضل تجربته الرائدة في تعليم البالغين ومحو الأمية الوظيفية في البرازيل. كانت فلسفته تتميز بربط مهارات القراءة والكتابة بالوعي النقدي، بدل الاقتصار على تلقين مهارات ميكانيكية لا تُحدث تحولا اجتماعيا حقيقيا. ومن هنا اكتسب مشروعه بعدا أمميا غيّر مسار التربية الحديثة في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا.

  • نقد التعليم البنكي وبناء الوعي التحرري:

طوّر فريري عددا من المفاهيم المركزية التي أصبحت جزءا من القاموس العالمي لعلوم التربية، من أهمها:

1. ثقافة الصمت:

يشير هذا المفهوم إلى حالة الخضوع الرمزي التي يعيشها المقهورون، حيث يُقبل الظلم بوصفه قدرا حتميا، وتتراكم ثقافة السلبية، والانسحاب، والتسليم بالأوضاع القائمة. ويرى فريري أن كسر هذا الصمت يقتضي وعيا نقديا قادرا على قراءة الواقع وتفكيك آليات السلطة.

2. التعليم البنكي:

أحد أكثر مفاهيمه شهرة وانتشارا؛ وهو نموذج تعليمي يرى فيه المعلم نفسه مالكا للمعرفة، والمتعلم متلقيا سلبيا. ووفقا لفريري، يُحوّل هذا الأسلوب التعليم إلى عملية “إيداع” معرفي، تُغيب الحوار، وتقتل روح المبادرة، وتُعيد إنتاج منظومة القهر بشكل خفي.

3. التعليم الحواري (Dialogical Education):

يقترح فريري بديلا يقوم على الحوار، والمشاركة، وإعادة توزيع السلطة داخل الفصل الدراسي. فالمتعلم ليس متلقيا، بل شريكا في بناء المعرفة، وتتحول المعرفة من “محتوى جاهز” إلى “عملية نقدية مستمرة”.

  • المنفى… وصناعة الأسطورة التربوية العالمية:

خسر فريري حريته سنة 1964 بعد الانقلاب العسكري في البرازيل، فتعطلت برامجه التربوية، وسُجن لمدة شهرين ونصف بتهمة نشر “أفكار تخريبية”. ثم اضطر إلى اللجوء خارج البلاد، ليقضي قرابة 15 عاما متنقلا بين دول عديدة مثل بوليفيا، تشيلي، تنزانيا، غينيا بيساو، وزامبيا، حيث شارك في وضع برامج وطنية لمحو الأمية والتنمية التربوية.

خلال هذه الفترة، عمل أستاذا زائرا بجامعة هارفارد سنة 1969، وهي محطة حاسمة عززت انفتاح أفكاره على المدارس النقدية الغربية، وسمحت له بالتواصل مع كبار التربويين مثل جوناثان كوزول وإيفان إيليش.

عاد فريري إلى البرازيل في الثمانينيات بعد سقوط الدكتاتورية، ليصبح مديرا عاما للتربية في ساو باولو، ويطبق رؤيته على نطاق مؤسسي واسع.

  • رؤية فلسفية للإنسان… بين الحرية والأنسنة:

انتصرت كتابات فريري لقيم الحرية، والكرامة، والنقد، والإنسانية. وقد لخّص نظرته إلى الإنسان من خلال مقارنة شهيرة يقول فيها إن أذكى نحلة تبني أفضل خلية دون أن تتخيل مسبقا ما تفعل، بينما يمتلك الإنسان القدرة على التخيل، والمساءلة، وبناء المعنى، ولذلك فهو وحده قادر على أنسنة العالم بدل الاكتفاء بالتكرار البيولوجي.

وبذلك، فإن مشروع فريري ليس تربويا فقط، بل فلسفة إنسانية كاملة ترى أن المعرفة ليست محايدة، وأن كل ممارسة تعليمية تحمل في جوهرها توجها سياسيا، إما للقهر أو للتحرر.

  • أثر فريري عالميا – من أمريكا اللاتينية إلى العالم العربي:

اليوم، تُدرّس أفكار فريري في آلاف الجامعات حول العالم، ويُعتمد منهجه في:

وفي العالم العربي، أثّرت كتبه في برامج محو الأمية ووعي المواطنة، كما استُثمرت مفاهيمه في دراسات التربية المقارنة، والتعليم النقدي، والتربية الشعبية.

  • خلاصة:

يشكّل باولو فريري أحد أهم الأسماء التي أعادت صياغة العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين المتعلم والواقع الاجتماعي. فمشروعه قائم على فكرة بسيطة وعميقة:
لا يمكن لأي مجتمع أن يتحرر دون وعي نقدي، ولا يمكن لأي وعي أن يتشكل دون تعليم يضع الإنسان في مركز العملية التربوية.

ولذلك سيظل فريري “شعلة مضيئة” – كما وصفه التربوي الأمريكي باتريك كلارك – في وجه الحتميات الإيديولوجية والظلام المعرفي.

المزيد من المقالات عن  باولو فريري:

باولو فريري

باولو فريري

اظهر المزيد

محمد طيفوري

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى