التعليم العالي وسُوق الشُّغل في العالَم العربي

0

 

يُواجِهُ سوقُ الشُّغلِ في الوطن العربي إكراهاتٍ جمة ومشاكلَ متتالية، يتمثل بعضُها في ضُعف تكوين اليد العاملة الخبيرة، وبعضُها يتمثَّل في غيابِ بعض التخصصات الدقيقة المطلوبة بِشكلٍ مُلِحٍّ في سوق الشغل، وبعضُها الآخر يتمثل في حالة الانفصال شبه التام بين مُخرجات مُؤسسات ومراكز التكوين وعلى رأسهِم الجامعات، وبين مُتطلبات سوق الشغل في الوطن العربي.  

  • الجامعة والمُجتمع العربي

سُمِّيتِ الجامعةُ جامعةً؛ لأنها مَجْمَعٌ للعلومِ والمعارفِ والآدابِ والقيّم والأخلاق. والمجتمعُ هو الانعكاس الأولُ لِمخرَجات الجامعة، فإذا كانت هذه الـمُخرَجاتُ جيدةً وممتازة، كان المجتمع على نفسِ الدرجة من النمو والتطور والجودة في الخدمات الأساسية مِن صحة وتعليم واقتصاد …

لقد صارت غالبية الجامعات العربية اليوم متخلفة من حيث المناهج المعتمدة في التدريس، فمعظم المقررات والمحاضرات والمعارف والعلوم التي يتم نقلها للطالب يَرجع أغلبُها لفترة الستينيات والسبعينيات، في حين أن نفس هذه المعارف حَقَّقَتْ نقلةً علمية نوعية، بل وأن كثيرا من الحقائق العلمية ربما تم دحضها، ولا زالت تُلقن للطالب العربي على أنها مُسلّمات علمية. فانعكس هذا التخلف في المناهج؛ سلبا على الجامعة والطالب والأستاذ على حد سواء، وصارت بعض الجامعات العربية مهداً ومرتعا للفقر العلمي والمعرفي، وكُشْكاً كبيرا لتوزيع شواهد النجاح، ومصنعاً ضخما لتخريج جُيوشٍ مِن الـمُعطَّلين والبِطاليّين الذين لم ينتفعوا بتكويناتهم الـمُتقادمة والعتيقة في سوق الشغل الذي تطور بشكل هائل؛ تَبَعا للتطور العلمي والمعرفي والتقني (في الجامعات الغربية).

المناهج والمقرّرات العتيقة في الجامعات العربية أغْنَتْ الطالب بالثقافة العامة وأفْقَرَتْهُ في سوق الشغل.

يعيش المجتمع العربي أزماتٍ ومشاكلَ مرُكَّبة ومتوالية، هي في نهاية المطاف نِتاجٌ حتميٌّ ومباشرٌ للأوضاع الـمـُزرية التي تعيشها الجامعات في غالبية الدول العربية. وإذا أردتَ أن تعرفَ واقعَ أيِّ مجتمعٍ، فانظر إلى مستوى تعليمِه وجامعاتِه؛ والـمُخصصات المالية المرصودة للبحث العلمي.

  • التعليم العالي في العالَم العربي

تَعيشُ وزاراتُ التعليم العالي والبحث العلمي في وطنِنا العربي شِبهَ عُزلة عن مُحيطِها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وتَـقْصِر دورَها على تَسْيِـير الجامعة بعقلية مركزية أحادية الاقتراح والقرار، فمُعظم وزارات التعليم العالي والبحث العلمي في الدول العربية؛ ليست لها أدنى فكرة عن مُتطلبات سوق الشغل، ولا عن نوعية الطلبة التي يحتاجها هذا السوق. هذه الحالة السلبية خلقتْ نوعا مِن الانفصام الحاد، والتناقض الواضح بين مُخرجات الجامعة (العربية) وحاجاتِ ومُـتطلبات المجتمع العربي. بالإضافة إلى حالة من التيّه والضياع لشريحة كبيرة من الطلبة الجَيِّدِين والمتميِّزين الـمُتفوقين، مما دفعَ كثيراً منهم (ممن توفرتْ له الإمكانية) إلى البحث عن ملاذاتٍ أخرى أكثرَ ملاءمةً وأكثرَ استقرارا وأمنا، فاتسع الرتق وزاد الرّقعُ وانفتح لِـمزيدٍ مِن تسريب الأدمغة والكفاءات والعقول العربية التي صُرِفتْ لقاءَ إعدادِها وتكوينِها مبالغُ طائلة، وأُنْفِقَتْ في سبيل إنشائِها سنواتٍ طويلةٍ من التعليم والتكوين والتأهيل، واليوم نجد مَن يَعْتَبِرُ هذا التسرُّب المستمر للكفاءات العربية، نوعا مِن تنفيس الضغط والاحتقان في المجتمع، ووسيلةً ناجعة لمحاربة البطالة وتقليل عدد الـمُعطلين في البلاد، وإحدى أسهل الطرق وأكثرِها عَمَليةً لـِجلبِ العملة الصعبة.

  • تحييد وإقصاءُ القطاع الخاص

هناك فجوة كبيرة جدا وبونٌ شاسعٌ بين القطاع الخاص ومؤسسات التعليم العالي في العالم العربي، حيث يغيب التواصل بشكل شبه تام مع هذا القطاع المُهم من طرف وزارات التعليم العالي، لذلك لا نجد أي شراكة أو استثمار أو حتى تبادل للأفكار والخِبرات في مجال البحث العلمي، بما يعود بالنفع على المجتمع العربي في خَلقِ مناصب العمل للخرِّيجين والاستفادة من الإمكانيات الكبيرة التي يُوفرها القطاع الخاص.

اعتمدتْ غالبية الدول ذات الاقتصاد الصاعد (خصوصا في آسيا وأمريكا الجنوبية) دمْجَ مُتطلبات سوق الشغل في تخصصات الجامعة، وتوقيع اتفاقيات تمويلٍ وعقدِ شراكاتٍ ومذكرات تفاهم مع المؤسسات الإنتاجية الوطنية والخاصة، وتَهُمُّ نوعية الطلبة التي يحتاجهم سوق الشغل، كما أن بعض القطاعات الاقتصادية تَرفع مشاكلَها الفنية والتقنية للجامعات لكيْ يبحثَ لها الدكاترة والطلبة عن حلولٌ وبدائِل للحد من هذه المشاكل، أو لابتكار طرق عملية ناجِعة لرفع ومضاعفة الإنتاج. فأصبحتْ وزارات التعليم العالي والجامعات والمؤسسات الإنتاجية المختلفة، عبارةً عن دائرة إنتاجية متكاملة بثلاثة أقطاب رئيسية هي:

 (الوزارة: التي تبحث وتستقطب شُركاء اقتصاديين – الجامعة: والتي تُنَزِّل البرامجَ وتفتح تخصصات مُوائِمة ومماثلة لمتطلبات سوق الشغل – الشركاء الاقتصاديون: بنوعيْهم الخصوصي والعمومي الذين يستقطبون ويتنافسون على الطلبة المتخرجين.

 فأصبحتْ الجامعات في هذه الدول الناهضة اقتصاديا، أصبحتْ مَراكِـزَ علميةٍ وفكريةٍ وثقافيةٍ واقتصاديةٍ نشيطة جدا، ومنفتحةٍ على كل الشركاء والفاعلين المهتمين سواء في المجال العلمي أو الفكري أو في المجالات الاقتصادية المختلفة مِن صناعة وتجارة وخدمات، كما أن الجامعات في هذه الدول تَعرفُ تعاوُنا وتفاعلاً بَيْنِيَّا نشيطا جدا وعلى جميع المستويات.

وزارات التعليم العالي في بعض الدول العربية؛ ليست عندها أدنى فكرة عن مُتطلبات سوق الشغل، وتشتغل في معزل تام عن المؤسسات والقطاعات المَعْنِية بمُخرجات الجامعة، وليس لها دراية كافية عن نوعية الطلبة التي يحتاجُها سوق الشغل.

  • مُخرجات التعليم العالي وسوقُ الشغل في العالَم العربي

لو نظرنا إلى المناهج المعتمَدة في الجامعات العربية والتخصصات المفتوحة فيها، فسنجد أن كثيرا من هذه المناهجِ موادٌّ قديمةٌ وعتيقة جدا، أكل عليها الدهر وشرب، وتم تجاوزُها بآلاف السنوات الضوئية، في الـمُقابل سنجدُ بعض هذه الجامعات تُدرِّس تخصصاتٍ دقيقة جدا ليس لها وُجود في البيئة الاقتصادية العربية، (استقطاب بعض الجامعات العالمية لإنشاء فروع لها في بعض الدول العربية) وتنتمي إلى جيل تخصصات المعرفة، خصوصا التخصصات الدقيقة في الفيزياء والكيمياء والتكنولوجية الرقمية عالية الدقة في مجال الطيران والأجهزة الذكية. في حين ما يحتاجُه المجتمع العربي من الجامعات؛ هي التخصصات التطبيقية. كما أن عدم تشبيب الأطر الإدارية في مؤسسات التعليم العالي في العالَم العربي، وجعل الجامعات عبارة عن مُلحقات لوزارة الداخلية، والتمديد والاعتماد على الأطر الـمُسيِّرة القديمة، يؤدي إلى محاربة التطور داخل مؤسسات التعليم العالي، واستنساخ الأفكار والبرامج والمشاريع والمناهج البائدة والعتيقة والـمُتجاوَزة.

جميلٌ أن تكونَ الجامعات رافدا من روافد التعليم والتثقيف والمعرفة، ولكنَّ دورَ الجامعةِ الحقيقي والأساسي والجوهري؛ يتمثل في توفير متطلباتِ وحاجياتِ المجتمع المختلفة، وحلِّ مشاكلِه والسعي في تطويرِه وتقدُّمِه، وعندما لا تضطلع الجامعاتُ بهذا الدور، فإن المجتمع يبحث عن تلبية حاجاتِه ومتطلباتِه في أماكن أخرى وبوسائل أخرى، فيكون الاستهلاك بالاستيراد، وهذا هو ما يحصل بالضبط في الدول العربية، فبعض دول الخليج مثلا، تعتمد على تصدير الثروات الطاقية كمصدر واحد ووحيد في اقتصادِها، دون أن تدعم هذا التوجه بمشاريع تؤسس لاقتصاد المعرفة، ونفس المشكل يتكرر مع دول شمال إفريقيا؛ حيث يعتمد اقتصاد هذه الدول بشكل كبير على التساقطات المطرية وبعض القطاعات المتقلبة والهشة كالسياحة، مما يجعل غالبية هذه البلدان تكاد لا تُصَنّعُ شيئا، وبالتالي فهي تستورد كلَّ شيء تقريبا، في حين أن الاقتصاد الحقيقي يقوم بشكل أساسي على الصناعة، ولا شيء غيرَ الصناعة[i]، تليها الفلاحة والخدمات والسياحة… وغيرها من القطاعات الأخرى الموازية.

نحن أمة لا تُنتج العلوم ولا المعرفة (في مرحلة الضعف والتخلف هاته)، كما أننا لا نُحسن استهلاك العلوم الوافدة علينا مِن أقطار العالِم المختلِفة.

في بعض الدول العربية (قطر/السعودية/ الإمارات / لبنان) يتطور التعليم دون أن يواكبَ هذا التطورُ تطورٌ في المنظومة الاقتصادية، فعندما يتم جلب واستقطاب جامعات عالمية (الجامعات البريطانية والأمريكية) لإنشاء فروع لها في هذه البلدان، لا يتم تعزيز هذه الخطوة بإنشاء لبنات وأساسات اقتصادية متينة تتماشى مع مُخرجات هذه الجامعات، مما يؤدي إما لهجرة تلك الدُّفُعات الطلابية التي تتخرج من هذه الجامعات الوافدة، أو يتم إقحام هؤلاء الطلبة المتخرجون في تخصصات أخرى قريبةٍ أو بعيدةٍ مِن تكوينهم. مما يؤدي إلى عدم الاستفادة من مهاراتِهِم وخبراتهم وتكوينِهِم الجيد استفادةً كاملة.

  • الكَمّ على حسابِ الكيْف

تتوفر دولة الجزائر (مثلا) على أكبر عددٍ من الجامعات في الوطن العربي (حوالي مئة جامعة ومؤسسة أكاديمية ومعهد للتعليم العالي)، وأكبر عددٍ من الطلبة كذلك؛ حيث يُناهز عددُهُم المليون طالبا، ولكننا لا نجد كثيرا من التخصصات الـمُهمة في هذه الجامعات فمَعَ هذا الكم الكبير مِن الطلاب ومِن الجامعات، مازال المجتمع الجزائري يعاني من مشاكله القديمة والمزمنة والتي تتفاقم يوما بعد يوم، في حين أن دولة ماليزيا؛ كانت إلى الأمس القريب مُتخلفة وأسوءَ حالاً من الجزائر ومِن كثيرٍ مِن الدول العربية إلى حدود فترة السبعينيات، ثم حققتْ قفزة هائلة تخطتْ بها الدول العربية. وتعتبر ماليزيا اليوم مِن بين الدول المتقدمة في العلوم والتكنولوجيا، كما تحتوي على العديد من الجامعات والمعاهد البحثية المرموقة. الشيء الذي يَدلُّ على أن مخرجات كثير من الجامعات العربية لا يُرى لها أثرٌ على حياة المجتمع العربي، فالجامعات في وادٍ والمجتمع في وادٍ آخـــر.

الجامعات التي تَرْفُضُ التطور والانخراط في الحراك العلمي العالمي سَيَطويها النّسْيَان.

عند إجرائنا لمقارنة ثانية بسيطة بين عدد الجامعات في دولة مصر (على سبيل الـمِثال لا الحصْر) التي تبلغ ما مجمُوعُهُ (63 جامعة وأكاديمية)، ونظيرتِها في إسرائيل التي لا تتعدى عددُ جامعاتِها (8 جامعات)، أيْ حوال ثمانية أضعاف، سنجد أن مصر تتفوق في الكم فقط، في حين أن الجامعات الإسرائيلية الثمانية نجدُها ممثلة كلَّها ضمن أفضل مئة جامعة في العالم، كما أن مخرجات هذه الجامعات سواءً الطلاب أو البحوث أو الابتكارات العلمية وبراءات الاختراع، هي من بين المخرجات الأكثر نوعية والأعلى جودة في العالم.

يمكننا أن نقول (وبلا حرج) أننا نحن العرب (في وضعنا الحالي) صِرنا لا مُنتجين للعلوم ولا مُستهليكن لها ولا حتى مواكبين للحَراك العلمي والمعرفي الذي يجوب العالَم طولاً وعرضاً شمالاً وجنوباً. والتميز الذي نعاينُه بين الحين ولآخر هو اجتهادٌ وتكوينٌ شخصي وليس مؤسساتي.

  • بعض الحلول المقترحة

 

  • تطوير المنظومة التعليمية العربية والتخلص من النمط القديم في المناهج والتسيير.
  • تشبيب إدارة التعليم العالي في الوطن العربي، والسماح للكوادر الشابة بأخذ زمام التسيير.
  • إنهاء تدخل وتحكّم أجهزة الداخلية في لجامعات، وتَحْكِيم مبدأ فصل السلط.
  • إطلاق مشاريع إصلاح التعليم والتعليم العالي وربطِه بمتطلبات سوق الشغل.
  • إطلاق وتعزيز مشاريع التكوين والتدريب المهني للطلاب في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
  • اشراك القطاع الخاص في مشاريع الإصلاح، وعقد شراكات تكاملية معه.
  • إنشاء جهار رقابة لمواكبة مشاريع إصلاح وتطوير قطاع التعليم والتعليم العالي والبحث العلمي، ومتابعة صرف الميزانية والمنح المرصودة للجامعات وحمايتُها من النهب والسرقة.
  • زيادة حجم المخصصات المالية للتعليم العالي والبحث العلمي في الدول العربية.
  • إنشاء صناديق خاصة لتمويل الجامعات والمعاهد والمؤسسات الأكاديمية في أوضاع غير مستقرة وفي البلدان التي تعرف حروبا ونزاعات وصراعات قبَلِيَّة وطائفية.
  • التعجيل بإيقاف نزيف الكفاءات الوطنية نحو الخارج، واستقطاب الكفاءات العربية المهاجرة، وذلك عن طريق توفير الظروف الصحية والمثالية والبنيات الأساسية لاستقبال وإدماج هذه الكفاءات في تخصصاتِها.
  • إنشاء وتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة للحد من تبذير الميزانيات ونهب الـمُـخصصات المالية المرصودة للتعليم العالي والبحث العلمي بمشاريع وخطط وهمية.
  • خلاصة

لقد أصبحتْ سوق الشغل اليوم سُوقا مُعولمة بفعل الاستثمارات الخارجية وتوسُّع وهيمنة الشركات العنكبوتية الكبرى، وترابُط اقتصادات الدول وتداخل مصالح الشركات. ولأن الدول العربية جزءٌ من هذا العالَم الـمُعولم؛ وجبَ عليها تحديث نُظمِها الاقتصادية وتطوير مؤسساتِها ومراكزِها التكوينية، وتجديد منهجية التكوين والتشغيل القديمة والبدائية، لتحقيق تكاملٍ وانسجامٍ اقتصادي بين مخرجات الجامعات ومُتطلبات سوق الشغل. بما يضمن تخريج يد عاملة عربية على مستوىً عالٍ من الخِبرة والتَّمَكُّن؛ قادرةٍ على الانخراط في سياسة التشغيل الحديثة المتطورة والـمُعولَمة.


[i]  في فترة السبعينيات كانت هناك محاولات جادة في العراق وسوريا لتحويل اقتصادات هاتين الدولتين إلى اقتصادات صناعية حقيقية، ولكن الخلافات السياسية والتجاذبات الإقليمية أجهضتْ هذه التجربة الواعدة.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.