رجلٌ لم يَعرف الناسُ أبخلَ منه !!

0

 

كان في مَن أعرفُ مِن الناس ، رجلٌ لا يعرف الناس أبخل منه . كان هذا الرجل إذا اشتهت نفسه الشيء مما تشتهيه الأنفس من طيبات المأكل والملبس ، أخرج القرش من كيسه ، فنظر إليه نظرة العاشق المدنف إلى معشوقته ، ثم رده إلى الكيس وقال : هذا القرش ، لو أضيف إليه تسعة وتسعون مثله ، لصار جنيها ، والجنيه بعد الجنيه يجلب الثروة العريضة ، ويجمع المال الخير .

وهبْني تهاونت بإنفاقه اليوم ، وسمحت نفسي به ، فلا آمن أن تسخو بغيره غدا ؛ فإنما القروش كلها واحدة في القيمة ، وليس بقرش أغلى من قرش ، والشهوات حاضرة في كل وقت .

فكأنني اليوم بإنفاقي هذا القرش ، أنفقت جميع ما سوف أملكه وأذّخره من المال ، وفتحت على نفسي باب الفاقة الدائمة والعرى المستمر ، مطاوعة الشهوة حمقاء : إن أنا قوَّمتُها الآن ، ماتت واسترحت منها ، وإن آتيتها بما تدعوني إليه كل ساعة ، كنت كمن يرمي الوقود في النار ليخمدها ؛ وكنت كمن يشتهي الفقر ، ويتمنى الإعدام . وتلك والله ! ، الحماقة بعينها .

تشييع الجنيه إلى لحده
وكان إذا تم عنده الجنيه على هذه الكيفية ، أسقطه في صندوق ثقب له ثقبا في غطائه ولم يجعل له مفتاحا ، لئلا يتعود الفتح والإقفال ، ويجرأ على ذلك الذخر بالكشف والابتذال ، وخوفا من أن تراوده نفسه – لفرط شغفه بالذهب – على مس جنيه من تلك الجنيهات ، فيجر المس إلى التحريك ، ويجر التحريك إلى الأخذ فالإخراج : وهناك الطامة العظمى ، والداهية الشؤمى !

فإذا سقط الجنيه في ذلك الصندوق ، كانت السقطة آخر عهده بالهواء والنور ، وآخر عهده بالهبات والبيوع ، وآخر عهده بالأنامل والكفوف ، وهوى من ذلك الصندوق في منجم كالمنجم الذي كان فيه ، وشتان المهد واللحد ! ومات موتة لا تنشره منها إلا يد الوارث ، إن شاء الله ! وقد فعل !


محمود العقاد

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.