التداوليات – خلاصات مركزة

يُعدّ مصطلح التداوليات (Pragmatics) من المصطلحات اللسانية الحديثة التي شهدت تأصيلاً مفهوميًا مبكرًا في الفكر العربي المعاصر، حيث قام الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن سنة 1970 بصياغته بوصفه مقابلاً عربيًا دقيقًا للمصطلح الغربي Pragmatics (براغماتيقا)، في سياق السعي إلى توطين المفاهيم اللسانية ضمن النسق التداولي العربي.

وقد حدّد طه عبد الرحمن التداوليات بوصفها مجالًا معرفيًا يختص بـ وصف العلاقات – وإن أمكن تفسيرها – التي تقوم بين الدوال الطبيعية ومدلولاتها من جهة، وبين المتكلمين الذين يستعملون هذه الدوال من جهة أخرى. ويكشف هذا التعريف عن انتقال التداوليات من مجرد تحليل بنيوي للغة إلى دراسة اللغة باعتبارها فعلًا تواصليًا مؤطرًا بالاستعمال.

وفي السياق نفسه، يؤكد اللساني الفرنسي أوزفالد ديكرو (Oswald Ducrot) أن التداوليات تهتم بكل ما يتصل بـ معنى القول في مقام استعماله، أي أنها لا تقتصر على البنية اللغوية للجملة، بل تنفتح على شروط إنتاجها وسياق تداولها، وما يحيط بها من معطيات مقامية وتواصلية.

غير أن التداوليات لا تقف عند حدود دراسة تأثير السياق في الخطاب فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى تحليل أثر الخطاب ذاته في المقام، أي الكيفية التي يعيد بها القول تشكيل السياق التواصلي، وتوجيه أفعال المتخاطبين، وتعديل مواقفهم وتمثلاتهم. ومن ثمّ، فإن موضوع التداوليات يتمثل في العلاقات التفاعلية المتبادلة بين التعبير اللغوي والتأثير غير اللغوي داخل سياق التخاطب الإنساني.

وعليه، يمكن القول إن التداوليات تمثل علمًا يدرس اللغة في حالتها الاستعمالية الحية، بوصفها ممارسة اجتماعية وتواصلية، تتشابك فيها الدلالة اللغوية مع المقاصد، والسياق، وأفعال الكلام، والتأثيرات التداولية التي تنتج عن الاستعمال الفعلي للغة بين متداوليها.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى