جابر عثرات اللئام

0

تقول حكاية من تراثنا العربي إن رجلاً مجهولاً حيّر أهل زمانه لأنه كان يطرق باب كل محتاج، ويقدم له العون قائلاً له : هذا من جابر عثرات الكرام.

وتقول الحكاية أيضاً إن جابر عثرات الكرام ظل مجهولاً، ولكنه لو كان اليوم حياً لطالب بإقامة تمثال له لقاء كل ربع قرش يدفعه، ولما طرق أبواب الكرام، واكتفى بطرق أبواب اللئام.

سيطرق باب كل حاكم يكره شعبه وشعبه يكرهه، ويقدم إليه صكاً يتنازل فيه الشعب عن كل ما له من حقوق مدى الحياة، ويتعهد بأداء ما عليه من واجبات.

سيطرق أبواب سياسيين وردهم للأجنبي وشوكهم لشعوبهم، ويقدم إليهم خرائط للشوارع المسماة بأسمائهم تخليداً لمآثرهم الوطنية والقومية والإنسانية.

سيطرق أبواب قادة لم يربحوا طوال حياتهم سوى حرب واحدة شنوها على شعوبهم، ويقدم إليهم شكر الوطن وتقديره.

سيطرق أبواب مفكرين لم يربحهم ميدان الفكر وخسرتهم ميادين الاحتيال، ويقدم إليهم اعتراف الأمة بأنهم منقذيها من الضلال المبين.

سيطرق أبواب أدباء يملكون من المواهب غبارها، ويقدم إليهم أكاليل المجد وقوائم بأسماء آلاف المعجبين وأرقام هواتفهم ومقاييس أحذيتهم.

سيطرق أبواب صحافيين يعتقدون أن الكلمة هي إما عصا، وإما غرسون، وإما دليل أعمى، ويقدم إليهم تبجيل التاريخ وتقريظه.

سيطرق أبواب فنانين فاشلين، ويقدم إليهم وثائق تثبت أنهم مالكو القصور الشاهقة في ممالك الخالدين.

سيطرق أبواب مغنين نباحين نهاقين، ويقدم إليهم جثث بلابل انتحرت غيرةً وحسداً واحتجاجاً مغرضاً.

سيطرق أبواب كتّاب عقدوا حلفاً أبدياً مع الجهل والغرور والصفاقة والتفاهة والبلادة والغباوة، ويقدم إليهم جوائز المبدعين الخلاقين.

سيطرق أبواب الأغنياء، ويقدم إليه مجاناً الأدوية المضادة للتخمة.

سيطرق أبواب الذين ما زالوا يؤمنون بأن الإنسان لم يخلق إلا ليعيش مرفوع الرأس، ويقدم إليهم الأكفان.

زكريا تامر.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.