“الأفعال الكلامية” في التداولية: من الفعل اللغوي إلى الإنجاز
Speech acts
يُعدّ العمل الكلامي أو الفعل الكلامي (Speech Act)؛ من المفاهيم المركزية في التداولية المعاصرة، إذ لا يُنظر إلى الملفوظ اللغوي بوصفه بنية لغوية صورية فحسب، بل باعتباره فعلا اجتماعيا وإنجازيا يحقق مقاصد محددة داخل سياق تواصلي معين. فالقول، في هذا المنظور، ليس وصفا للواقع فقط، بل وسيلة لصنعه وتغييره.
- 1- مفهوم العمل الكلامي:
العمل الكلامي؛ هو كل ملفوظ يقوم على نظام شكلي–دلالي–إنجازي–تأثيري، ويتحقق عبر نشاط لغوي منظم، يستخدم فيه المتكلم أفعالا قولية (Locutionary) لتحقيق أغراض إنجازية (Illocutionary) مثل الأمر، الطلب، الوعد، التحذير، ويهدف في الوقت ذاته إلى إحداث آثار تأثيرية (Perlocutionary) في المتلقي، كالقبول أو الرفض أو الامتثال.
وعليه، فالعمل الكلامي ليس مجرد إنتاج لغوي، بل فعل اجتماعي أو مؤسساتي يُنجز به المتكلم شيئا ما داخل العالم الواقعي.
- 2- تقسيم أوستن للعمل الكلامي:
وضع الفيلسوف اللغوي جون لانغشو أوستن (J. L. Austin) الأساس النظري لتحليل الأفعال الكلامية، وقسّم ما أسماه بـ العمل الكلامي الكامل إلى ثلاثة أفعال مترابطة:
1.1: العمل اللفظي (Locutionary Act)
وهو إنتاج أصوات لغوية منتظمة في بنية نحوية سليمة، تؤدي إلى معنى معجمي وتركيبي محدد. ويُعد هذا المستوى هو المعنى الأصلي الظاهر للملفوظ.
1.2: العمل الإنجازي (Illocutionary Act)
ويمثل القوة الكامنة خلف القول، أي الفعل الذي يُنجز عبر النطق نفسه، كالأمر، أو الوعد، أو السؤال، أو التحذير. وهو جوهر الفعل الكلامي وأساس التداولية.
2.2: العمل التأثيري (Perlocutionary Act)
ويتمثل في الأثر الفعلي الذي يُحدثه القول في السامع، كالإقناع، أو التخويف، أو الاستمالة، أو دفع المتلقي إلى سلوك معين.
وقد رأى أوستن أن العمل اللفظي شرط ضروري لانعقاد الكلام، بينما العمل التأثيري ليس ملازما لكل الأفعال، لذلك انصبّ اهتمامه الأساسي على العمل الإنجازي، مما أدى إلى نشوء النظرية الإنجازية.
- 3- تصنيف أوستن للأفعال الكلامية:
صنّف أوستن الأفعال الكلامية اعتمادا على قوتها الإنجازية إلى خمسة أنواع رئيسة:
- أفعال الأحكام: كإصدار حكم قضائي أو تقويمي.
- أفعال القرارات: مثل الطرد، أو الحرمان، أو الإقرار الإداري.
- أفعال التعهّد: كالوعد، والقسم، والضمان.
- أفعال السلوك: مثل الاعتذار، والشكر، والمواساة.
- أفعال الإيضاح: كالتفسير، والاعتراف، والتشكيك، والموافقة.
غير أن هذا التصنيف، على أهميته، ظلّ غير كافٍ لبناء نظرية تداولية متكاملة.
- 4- تطوير سيرل لنظرية الأفعال الكلامية:
جاء جون سيرل (John Searle) ليطوّر تصور أوستن، مركزا على مفهوم القوة الإنجازية بوصفها الوحدة الصغرى للاتصال اللغوي، ومؤكدا أن العمل الكلامي لا يُفهم بمعزل عن العهد اللغوي والاجتماعي الذي ينتجه.
شروط الملاءمة عند سيرل:
حدد سيرل أربعة شروط لنجاح الفعل الإنجازي:
- شرط المحتوى القضوي: ويتحقق في الأفعال التي تتضمن مضمونا محددا (كالوعود).
- الشرط التمهيدي: ويشترط قدرة المتكلم على إنجاز الفعل.
- شرط الإخلاص: ويقتضي صدق نية المتكلم وتطابق قوله مع اعتقاده.
- الشرط الأساسي: ويتمثل في سعي المتكلم إلى التأثير في المتلقي لإنجاز الفعل.
5- تصنيف سيرل للأفعال الكلامية:
قدّم سيرل تصنيفا بديلا، أكثر تجريدا ودقة، اعتمادا على ثلاثة معايير:
- الغرض الإنجازي (Illocutionary Point)
- اتجاه المطابقة بين القول والعالم (Direction of Fit)
- شرط الإخلاص (Sincerity Condition)
وقسّم الأفعال الكلامية إلى خمسة أصناف:
- الإخباريات (Assertives)
- التوجيهات (Directives)
- الالتزاميات (Commissives)
- التعبيرات (Expressives)
- الإعلانيات (Declaratives)
كما ميّز بين:
- الأفعال الإنجازية المباشرة: حيث تتطابق القوة الإنجازية مع قصد المتكلم.
- الأفعال الإنجازية غير المباشرة: حيث يُفهم القصد الحقيقي من السياق لا من الصيغة الظاهرة.
خلاصة:
بهذا التطوير، تجاوزت نظرية الأفعال الكلامية الفهم التقليدي للغة بوصفها أداة نقل للمعلومات، لتغدو وسيلة لصنع الأفعال، وتغيير الوقائع، وبناء العلاقات الاجتماعية والمؤسساتية. فاللغة، في التصور التداولي، ليست انعكاسا للعالم، بل فاعلا أساسيا في تشكيله.




