تعريف التداولية

0

 

ورد في معجم أساس البلاغة للزمخشري “دول”: دالت له الدولة، ودالت الأيام، وأدال الله بني فلان من عدوهم، جعل الكثرة لهم عليه… وأديل المؤمنون على المشركين يوم بدر، وأديل المشركون على المسلمين يوم أحد… والله يداول الأيام بين الناس مرة لهم ومرة عليهم. وتداولوا الشيء بينهم، والماشي يداول بين قدميه، يراوح بينهما.


واتى في لسان العرب لابن منظور: تداولنا الأمر، أخذناه بالدول ونطقوا دواليك أي مداولة على الأمر، ودالت الأيام أي دارت، والله يداولها بين الناس، وتداولته الأيدي أخذته هذه مرة وهذه مرة، وتداولنا العمل والأمر بيننا، بمعنى تعاورناه فعمل هذا مرة وهذا مرة.


فالملاحظ على معاجم العربية أنها لا تكاد تخرج في دلالاتها للجذر “دول” على معاني: التحول والتبدل والانتنطق، سواء من مكان إلى آخر أم من حال إلى آخرى، مما يقتضي وجود أكثر من طرف واحد يشهجر في عمل التحول والتغير والتبدل والتناقل وتلك حال اللغة متحولة من حال لدى المتحدث، إلى حال أخرى لدى السامع، ومتنقلة بين الناس، يتداولونها بينهم، ولذلك كان مصطلح “تداولية” أكثر ثبوتا بهذه الدلالة من المصطلحات الأخرى الذارئعية، النفعية، السياقية.


ولعل هذا الثبوت لمصطلح التداولية هوالذي جعل الباحث المغربي طه عبد الرحمان يستحدث مفهوم “المجال التداولي” في ترجمته لمصطلح pragmatique، يقول في توصيفه للعمل” تداول”: تداول الناس كذا بينهم يفيد معنى تناقله الناس ولفوه بينهم ومن المعروف أيضا حتى مفهوم النقل والدوران مستعملان في نطاق اللغة الملفوظة كما هما مستعملان في نطاق التجربة المحسوسة، فينطق: “نقل الكلام عن قائليه” بمعنى رواه عنه، وينطق دار على الألسن بمعنى جرى عليها، فالنقل والدوران يدلان في استخدامهما اللغوي على معنى التواصل وفي استخدامهما التجريبي على معنى الحركة بين الفاعلين، فيكون التداول جامعا بين اثنين هما: التواصل والتفاعل.


  • تعريف التداولية اصطلاحا

ويحسن التنبية إلى أمرين مهمين قبل الدخول في التعريف بالتداولية، وهما:

الأمر الأول: وجوب التفريق بين المصطلحين “براجماتكس” و”براجماتيزم”؛ لأن الأول يستخدم بكثرة في المجال اللغوي، ويستخدم الثاني بكثرة في مجال الفلسفة والثقافة الأمريكية خصوصا، ويترجم الأول إلى العربية بالتداولية غالبا، ويترجم الثاني بالذرائعية أوالنفعية غالبا.

الأمر الثاني: هوكثرة اللقاءات التي قدمت بإزاء المصطلح الإنجليزى “براجماتكس”، ترجمة أوتعريبا بالتداولية، والمقاماتية، والمقامية، وفهم المقاصد، والبراجماتية، والبراغماتية.إلخ، لكن المصطلح الأشهر في الاستعمال هوالتداولية. ويوضح محمود نحلة بعض الأسباب التي أدت إلى صعوبة وضع تعريف جامع مانع للتداولية ألا وهي:

  1. أن نشأتها لم تكن لغوية محضة، بل كان لفلاسفة اللغة دور ملحوظ في النشأة والتطور.
  2. أنها ليست فرعا أومستوى تحليليا من مستويات التحليل اللغوي.
  3. قد لا تنضوي التداولية تحت فهم من العلوم التي لها علاقة باللغة على الرغم من تداخلها مع هذه العلوم في بعض الجوانب.

وقد أشار د. عيد بلبع إلى حتى كنت باش قام بحصر إحصائي لتعريفات التداولية ومفاهيمها ووجد أنها تدور حول فكرة الاستعمال التي ترددت في أكثر التعريفات. كما ذكر د. نعمان بوفرة عدة تعريفات للتداولية قدمها فهماء عديدون تدور كلها حول الاستعمال والتلفظ وشروط الصحة، والالتفات إلى الجانب التواصلي للغة واستعمالها في الخطاب. ويمكن هنا عرض بعض تعريفات التداولية التي وردت عند الفهماء والدارسين على النحوالتالي:

  1. هي دراسة الأسس التي نستطيع بها حتى نعهد لم تكون مجموعة من الجمل شاذة تداوليا أوتعد في الكلام المحال كأن ينطق مثلا: أرسطويوناني لكنى لا أعتقد ذلك. وعلى الرغم من حتى إيضاح الشذوذ في هذه الجمل قد يحدث سبيلا جيدا للوصول إلى نوع من الأسس التي تقوم عليها التداولية فهولا يعد تعريفا شاملا لكل مجالاتها.
  2. هي دراسة جميع جوانب المعنى التي تهملها النظريات الدلالية، فإذا اقتصر فهم الدلالة على دراسة الأقوال التي تنطبق شروط الصدق فإن التداولية تعنى بما وراء ذلك مما لا تنطبق عليه هذه الشروط.
  3. هي دراسة اللغة في الاستعمال أوفي التواصل؛ لأنها تشير إلى حتى المعنى ليس شيئا متصلا في الحدثات وحدها، ولا يرتبط بالمتحدث وحده، ولا المتلقي وحده فصناعة المعنى تتمثل في تداول اللغة بين المتحدث والمتلقي في سياق محدد (مادي، واجتماعي، ولغوي) وصولا إلى المعنى الكامن في كلام ما.
  4. هي دراسة جوانب السياق تشفر شكليا في تراكيب اللغة، وهي عندئذ جزء من مقدرة المستعمل.
  5. هي الفهم الذي يعنى بالشروط اللازمة لكى تكون الأقوال اللغوية مقبولة وناجحة وملائمة في الموقف التواصلي الذي يتحدث فيه المتحدث.
  6. هي دراسة السياقات المتنوعة والوسائل المستخدمة لغويا للتعبير عن عمل معين.
  7. هي مجال استعمال اللغة في التواصل والفهم.
  8. ممضى لسانى يفهم علاقة النشاط اللغوي بمستعمليه، وطرق وكيفيات استخدام العلامات اللغوية بنجاح، والسياقات والطبقات المقامية المتنوعة التي ينجز ضمنها الخطاب، والبحث عن العوامل التي تجعل من الخطاب رسالة تواصلية واضحة والبحث في مسببات الفشل في التواصل باللغات إلخ..

نخلص مما تجاوز حتى التداولية هي “دراسة اللغة في الاستعمال أوالتواصل “.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.