عُنف اللّسانِ وانكسارُ البنية القِيمية اللّغوية في الإعلام

0

 

  • سطوة الإعلام

استقطبت الظاهرة الإعلامية اهتمام الباحثين والمفكرين، وشكّلت لديهم هجسا معرفيا، إذ أضحى الإعلام بمختلف وسائطه يعمل على تشكيل التمثلات بمخلتف مستوياتها، وبات من الواضح استكناه قوة ودور وسائل الإعلام في إحداث التأثير إما بالتعزيز أو التغيير أو التعديل في السلوكيات والاتجاهات والمعارف، وهذا من خلال المحتويات التي تقدمها والموجهة إلى الجمهور العريض.

إن التأثيرات المتزايدة لمضامين وسائل الإعلام عامة طرحت إشكالات عديدة تناولها الباحثون في سياق دراسات الجمهور مع الباحثين الأوائل كدراسات” باين فايند” (payne fund syudies) في ثلاثينيات القرن العشرين بأمريكا التي خصّت دراسة أثر الأفلام على مختلف جوانب الأطفال النفسية والعاطفية والاجتماعية والصحية، وقد أحدثت نتائجها شعورا بالخوف من الأفلام في الأوساط الاجتماعية والسياسية، إضافة الى دراسات الباحثين من أمثال لازرسفيلد، كاتز، برلسون، كوديت، دفلور..إلخ.

كما أولت الدراسات البحثية اهتماما لمضامين وسائل الإعلام وهذا ما ظهر في دراسات الأمريكي هارولد لاسويل في دراسته لظاهرة الدعاية باستعمال أسلوب تحليل المضمون الذي يقوم على الوصف الكمي المتسق والموضوعي للمحتوى الظاهري للاتصال للوصول الى الدلالات العميقة التي تشتغل عليها تلك المضامين.
اللغة وعنف اللسان وانكسار البنية القيمية اللغوية:

إن الأصل في اللغة احتواء القيمة، هذا ما أشار إليه المفكر الجزائري “عبد الرحمان عزي” في نظريته الموسومة بالحتمية القيمية، القائمة على افتراض أساسي من أن أثر وسائل الاعلام يكون إيجابيا كلما ارتبطت المضامين بقيم وثقافة المجتمع، وعلى العكس من ذلك يكون الأثر سلبيا كلما تناقضت وابتعدت المضامين عن قيم وثقافة المجتمع. إن هذا الطرح المعرفي يحيلنا إلى إمكانية دراسة المضامين الاعلامية من منظور قيمي ارتباطا باللغة التي ترتكز حولها تلك المضامين.

إن اللغة كمؤسسة بنيوية اهتم بها الدارسون الألسنيون أمثال ” فيرديناند دوسوسير”، الذي ميز بين اللغة (la langue) والكلام (la parole )، فاللغة ترتبط بما هو ثابت من تراكيب نحوية وبلاغية وصرفية، أما الكلام فيمثل استخدام الفرد للغة وذلك يختلف من متكلم لآخر.

والحاصل أن العنف اللساني يقع على مستوى الكلام وليس اللغة، فالعنف اللساني مرده الى انكسار في البنية القيمية اللغوية اذا اعتبرنا اللغة ترتبط بالقيمة وتتناقل القيم بين الناس، والعنف اللساني هو كل منبوذ سواء في الكلام المباشر أو المكتوب، وما نقصده في هذه الورقة البحثية هو استعمال الألفاظ الشنيعة والمنبوذة واستقطابها في مضامين وسائل الاعلام.

إن عنف الاعلام ارتبط بالأفلام والمسلسلات كأفلام العنف مثلا، وقد أشارت بعض الدراسات من أن العنف المشاهد في وسائل الاعلام يساهم في إحداث العنف الواقعي وهذا ما فسرته العديد من النظريات العلمية مثل نظريات التعلم ونظرية الغرس الثقافي ونظريات التأثير المباشر أو الطلقة السحرية.

فالملاحظ اليوم في محتويات وسائل الإعلام عنف لساني خطير قد تكون له انعكاسات على البنية الادراكية للمتلقين حيث باتت هذه الظاهرة تشتمل العديد من الأساليب العنفية المستدرجة في بعض الألفاظ المتوجهة الى مختلف الفئات كأن يُنهى الأطفال عن استخدام كلمات ‘الدم’ و ‘السكين’ و’الذبح’ و’القتل’ و’الاغتصاب”، إضافة الى طغيان العنف اللغوي في الصحافة المكتوبة وفي كثير من العناوين الرئيسية في أولى الصفحات مثل “الخيانة”، “الصدمة”، “الجريمة”، “النصب”، “الاحتيال”، “السرقة”، “الحبس”، “القتل” ، “الإرهاب”، “الانتحار”، “الجثث..إلخ، من الكلمات اللفظية العنيفة والتي تستقر في البنية الإدراكية للمتلقي، إضافة إلى إدخال العامية (الدارجة) في الاعلام والذي من شأنه التأثير على لغة الصحافة، كما يشمل عنف الإعلام أيضا الإشهار من خلال توظيف المرأة وتسويق بعض التمظهرات حول مكانتها في المجتمع؛ والتي تعتمد المرأة كجسد أو سلعة واقصاء دورها الريادي في المجتمع.

نافلة القول أن عنف اللسان والإعلام يتطلب الإصلاح والربط مع القيمة، والعمل على إحياء البنية القيمية للغة من خلال الركون الى المرجعية القيمية والنظام القيمي في المجتمع تربويا وأسريا، وإعلاميا من خلال استحضار روح المسؤولية الاجتماعية.


 

حامدي ياسين: باحث دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال، جامعة سطيف 02_ الجزائر

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.