ابن المقفع: الفيلسوف والمترجم الذي دفع حياته ثمنا لآرائه
Ibn al-Muqaffa
يعد عبد الله بن المقفع أحد أبرز المفكرين والمترجمين في العصر العباسي، وهو شخصية أدبية وسياسية أثارت الجدل في زمانها، حتى انتهى به الأمر إلى مصير مأساوي بسبب اتهامات بالزندقة والخيانة السياسية. كان ابن المقفع مثقفًا واسع الاطلاع، ترك بصمته في الفكر العربي من خلال ترجماته وأعماله الأدبية، إلا أن آرائه لم تكن مستساغة لدى السلطة السياسية والدينية، مما أدى إلى مقتله بوحشية.
- ابن المقفع: نشأة ومسيرة فكرية حافلة
وُلد عبد الله بن المقفع في بلاد فارس حوالي عام 720م، واسمه الأصلي روزبه بن داذويه قبل أن يعتنق الإسلام ويتخذ اسم عبد الله. نشأ في بيئة متعددة الثقافات، حيث أتقن الفارسية والعربية، وبرز في مجالات الكتابة والترجمة والسياسة. يعد من أوائل المفكرين الذين نقلوا الفكر الفارسي إلى العربية، وأسهم بشكل كبير في إثراء المكتبة العربية من خلال ترجماته عن الفارسية والهندية واليونانية.
أشهر أعماله هي “كليلة ودمنة“، التي ترجمها عن الفارسية وأضاف إليها أسلوبه الأدبي المميز. كما كتب في السياسة والإدارة، مثل كتاب “الأدب الكبير“ و”الأدب الصغير“، اللذين يتناولان القيم الأخلاقية وأصول الحكم الرشيد.
- الاتهام بالزندقة والصراع مع السلطة
كانت آراء ابن المقفع الإصلاحية وانتقاداته اللاذعة للسلطة سببًا رئيسيًا في تحوله إلى شخصية غير مرغوب فيها لدى الحكام. قيل إنه كان يدعو إلى إصلاح الحكم وتخفيف الاستبداد، وهي أفكار لم تكن تلقى قبولًا لدى رجال الدولة في عصره.
كما نُسبت إليه آراء زُعم أنها تدعو إلى الزندقة والتشكيك في بعض العقائد الدينية، وهو ما جعله في مواجهة مباشرة مع القوى الدينية والسياسية. إلا أن المؤرخين يختلفون في حقيقة هذه الاتهامات، حيث يعتقد بعضهم أنها كانت مجرد وسيلة للتخلص منه بسبب آرائه السياسية وجرأته في انتقاد الحكام.
- نهاية مأساوية: القتل بأبشع الطرق
انتهت حياة ابن المقفع على يد سفيان بن معاوية، والي البصرة، الذي اتهمه بالزندقة وأمر بقتله بطريقة وحشية. يروي ابن كثير في كتابه “البداية والنهاية“ وصفًا مروعًا لطريقة قتله، حيث يقول:
“اتهم بالزندقة وقُتل بعدَها على يد سفيان بن معاوية، حيث قام بصلبه وتقطيع لحمِه قطعة قطعة؛ وشيِّها في النار أمام ناظريه حتى مات”.
[البداية والنهاية، ابن كثير (96/10)].
كانت هذه الجريمة واحدة من أبشع الاغتيالات الفكرية في التاريخ الإسلامي، إذ لم يكن الهدف مجرد القضاء على شخص ابن المقفع، بل كان تحذيرًا لكل من يجرؤ على انتقاد السلطة أو تقديم رؤى إصلاحية قد تهدد النظام الحاكم.
- إرث ابن المقفع وتأثيره المستمر
على الرغم من موته المأساوي، فإن فكر ابن المقفع ظل خالدًا، إذ أثرت كتاباته في أجيال من الأدباء والمفكرين العرب. لا يزال كتاب “كليلة ودمنة” مرجعًا أدبيًا وثقافيًا يُدرس في مختلف أنحاء العالم، كما تُعد مؤلفاته في السياسة والأخلاق من بين الأعمال التي أسهمت في تشكيل الفكر العربي والإسلامي في العصور اللاحقة.
- الخلاصة:
كان ابن المقفع ضحية لصراع الفكر والسياسة، حيث دفع حياته ثمنًا لأفكاره الجريئة ومحاولته الإصلاحية. ورغم محاولات طمس أثره، بقي اسمه خالدًا في تاريخ الأدب والفكر، ليكون شاهدًا على المعركة الأزلية بين الفكر الحر والسلطة المستبدة.