يُعد ابن النديم (توفي عام 990م)؛ واحدا من أبرز أعلام الفكر العربي الإسلامي، فهو ليس مجرد مؤرخ أو كاتب، بل يُعتبر أول من وضع تصنيفا شاملا للكتب والمصنفات في العالم الإسلامي، من خلال كتابه الشهير “الفهرست”.
لكنه، ورغم إسهاماته الجليلة، تعرض لاتهامات فكرية ودينية من قبل خصومه، الذين وصفوه بـالمعتزلي الرافضي، وأثاروا الجدل حول منهجه ومعتقداته.
- ابن النديم وكتابه الفريد “الفهرست”
يُعد “كتاب الفهرست“، الذي نشره ابن النديم عام 938م، من أهم المصنفات العربية التي تؤرخ للحياة الفكرية والثقافية في عصره. فقد كتب في مقدمته:
“كتاب الفهرست، جامع لكل ما صدر من الكتب العربية وغير العربية، وما يتصل بها من علوم ومعارف”.
أهم محتويات الكتاب:
- يتناول جميع العلوم التي كانت معروفة في عصره، بما فيها الطب، الفلك، الفقه، الفلسفة، الأدب، واللغويات.
- يذكر تراجم العلماء والمفكرين، ويصنف أعمالهم ضمن منهجية دقيقة غير مسبوقة.
- يُعتبر أول مؤلف عربي استخدم مصطلح “الفهرست”، والذي استمده من اللغة الفارسية، ليصبح جزءا من المعجم العربي.
الاتهامات الفكرية والمذهبية
لم يكن ابن النديم مجرد كاتب محايد، فقد عُرف عنه ميوله المعتزلية وآراؤه القريبة من الشيعة، مما جعله هدفا لخصومه. وقد وصفه ابن حجر العسقلاني قائلا:
“إن لابن النديم مُصنفا اسمُه؛ “فهرست العلماء” ينادي بالاعتزال والزيغ.” (لسان الميزان 83/5).
ويعكس هذا الاتهام موقف بعض العلماء المحافظين من ابن النديم، بسبب انفتاحه الفكري وتعامله مع مختلف الثقافات والأديان، بما في ذلك اليونانية والفارسية والهندية، حيث كان مهتما بترجمة الكتب ونقل المعرفة دون قيود مذهبية.
إسهاماته في حفظ التراث العربي والإسلامي
- يُعد ابن النديم من أوائل من وثّق التراث العربي والإسلامي بطريقة منهجية.
- قدم موسوعة معرفية متكاملة، ما جعل كتابه مرجعا أساسيا للباحثين في التاريخ والعلوم.
- ساهم في الحفاظ على الكثير من النصوص النادرة، التي كان يمكن أن تضيع مع مرور الزمن.
كان ابن النديم عالما موسوعيا ومؤرخا للمعرفة، ورغم الاتهامات التي وُجهت إليه، إلا أن إرثه العلمي يبقى خالدا. فكتابه “الفهرست” يُعد حتى اليوم أحد أهم المراجع في تاريخ الفكر العربي والإسلامي، وشهادة على ثراء الثقافة الإسلامية وانفتاحها على مختلف العلوم.