الرُّتْبَة في اللّغة العربيّة

0

 

يقوم الكلامُ في أية لغة كيفما كانت على مبدإ الرتبة، وهو مبدأ صوري ذهنيٌّ مكتسب، إذ ينتقي المتكلم ألفاظه ويرتِّبها من خلال عملية ذهنية متناهية السرعة، ف

يظهر هذا الترتيب في الكلام المتفوَّه به، ويَحكم هذه التراتبية التي تخرج بها الألفاظ بحسب أسبقية بعضها وتأخير بعضها؛ بناءً على قاعدة ذهنية أيضا، هي وطيدة الصلة بالعرف والممارسة، أي بالقواعد الثاوية في اللغة المنطوقة، وهي قواعدُ مكتسبة يتم توارُثها في البيئات اللغوية، واللغة العربية لا تخرج عن هذا الإطار، إلا أن الرتبة فيها (العربية) ذات بعد أعمق وأشد تعقيدا وأشد انضباطا أيضا،

فاللغة العربية لها نظامٌ وقانون نحوي ولساني وتخاطبي صارم، ومساقات تعبيرية كثيرة جدا ومقامات وسياقات تفرض مقالات وترفض أخرى. وكل هذا يمكن أن ندركه ونميّزه ونفهمَه من خلال رصد وتتبُّع حركة الرتبة التي تخضع لنظام نحويّ صارم جدا، تعمل بواستطِه على تنظيم وترتيب ومناوَبة الألفاظ والكلمات في تراكيب جُملية وخطابية مختلفة.

  • المعنى اللغوي للفظة الرتبة:

 تحتمل الرتبة عدَّة دلالاتٍ ومعانٍ؛ فقد جاءَ في لسان العرب أن الرتبة هي: “المنزلة عند الملوك ونحوِهم، وفي الحديث: من مات على مرتبةٍ من هذه المراتب بعث عليها، والمرتبة؛ المنزلة الرفيعة أراد بها الغزو والحج، ونحوِها من العبادات الشاقة، وهي مَفٍعَلَةٌ من رَتَبَ إذا انتصب قائما. والمراتب جمعُها، قال الأصمعي؛ والمرتبة المرقبة؛ وهي أعلى الجبل، وقال الخليل؛ المراتب في الجبل والصحاري هي الأعلام التي نرتب فيها العيون والرقباء[1].

  • المعنى الاصطلاحي للفظة الرتبة:

الرتبة؛ وصفٌ لمواقعِ الكلمات في التركيب. وقد عدَّها “تمَّام حسان” قرينةً من القرائن اللفظية في السياق، تكون جنباً إلى جنبٍ مع قرائنَ أخرى من قبيل:  – العلامة الإعرابية، – الصيغة، – الربط، – الأداة، – المطابَقة، – التضام، والنغمة[2].

وعرَّفَها تمام حسَّان كذلك بكونها؛ قرينةً لفظية وعلاقةً بين جُزأين مُرتَّبين من أجزاءِ السياق؛ يدلُّ موقعُ كلٍّ منهما مِن الآخرِ على معناه[3].

ونجد صيغة أخرى لمفهوم الرتبة؛ جاء بها “الجرجاني” وهي؛ “مفهوم الترتيب” وأراد به أمريْن[4]:

  • ما يَدرسُه النحاة تحت عنوانِ الرتبة.
  • ما يَدرسه البلاغيون تحت عنوان التَّقديم والتأخير.

وعموما فإن لمفهوم الرتبة دلالات عديدة بحسب الاستخدام، إذ يختف تعريف واستعمال هذا المفهوم بحسب المشتغلين به، فالرتبة عند النحويين غيرُ الرتبة عند البلاغيين، والرتبة عموما نوعان:

1رتبة محفوظة: وهو موقع الكلمة الثابت في التركيب؛ نحو (تقديم الصلة على الموصول) و(الموصوف على الصفة)، حيث لو اختلت هذه الرتبة لاختل التركيب كلُّه باختلالها. وهي قرينة لفظية تُحدد معنى الأبواب المرتَّبة بحسبِها. فهي تساعد على رفع اللُّبس عن المعنى بوضعٍ وترتيبٍ مخصوصٍ، فإن بُدِّل ذلك الوضع وذاك الترتيب زالت تلك الدلالة.

2- رتبة غير محفوظة: وهي رتبة في النظام، والعدُول عنها موضوعٌ من موضوعات البلاغة يُسمى “التقديم والتأخير”.

وبهذا تكون الرتبة إحدى الوسائل المهمة التي تُسهم في ترابط أجزاء الجملة وتماسكها[5].

وهذه بعض النماذج من الرُّتب المحفوظة في التركيب العربي الفصيح التي وقف عندها النحاة[6]:

  • أن يَتقدم الموصول على الصلة.
  • أن يتقدم الموصوف على الصفة.
  • صدارة الأدوات في: أساليب الشَّرط – أساليب الاستفهام – أساليب العرْض- أساليب التحضيض. (وذلك لأنه لا يَعمل ما بعدَها فيما قبلها).
  • أن يتقدم حرف الجر على المجرور.
  • أن يتقدم حرف العطف على المعطوف.
  • أن يتقدم واو المعية على المفعول معه.
  • أن يتقدم المضاف على المضاف إليه.
  • أن يتقدم الفعل على الفاعل أو نائب الفاعل.
  • أن يتقدم فعل الشرط على جوابه.
  • أن يتأخر البيان عن المبين.
  • أن يتأخر المعطوف بالنسق عن المعطوف عليه.
  • أن يتأخر التوكيد عن المؤكد.
  • أن يتأخر البدل عن المبدل.
  • أن يتأخر التمييز عن الفعل.

ومن النماذج على الرتب غير المحفوظة نذكر:

  • رتبة المبتدأ والخبر.
  • رتبة الفاعل والمفعول به.
  • رتبة الضمير والمرجع.
  • رتبة الفاعل والتمييز بعد نعم.
  • رتبة الحال والفعل المتصرف.
  • رتبة المفعول به والفعل.

فالرتبة غير المحفوظة؛ أحيانا يَستوجب حفظُها لضمان الأمن من اللبس في المواقع التي تغيب فيها الحركة الإعرابية، ومثالُه:

1- ضرب موسى عيسى

 2- أخي صديقي.

فموسى في المثال الأول؛ هو بالضرورة فاعل، وأخي في المثال الثاني مبتدأ[7].

هذا في حال غياب الحركة الإعرابية لتجنب اللبس، وفيما سواها فإنه يجوز تبادل الرتبة أو العدول عنها بين الفعل والفاعل والمفعول[8].

إن قضية الرتبة تتجاذب مع البناء أكثر مما تتجاذب مع الإعراب، لأن هذا الأخير لا يَخلق أيَّ إشكال، لأن العلامة الإعرابية تكون ظاهرة في التركيب. أما عدم وجود قرينة العلامة الإعرابية في المبنيات؛ فقد جنح بنا إلى قرينة الرتبة، وجعل الرتبة عوضا لها من العلامة الإعرابية. ويمكن عدُّ الرتبة فرعا على التضام بمعناه العام، إذ لا رتبة لغير مُتَضَامَّيْن.

والتَّضَامُّ: هو الطرق الممكنة في رصف جملة ما، وتختلف طريقة هذا التضام من جملة إلى أخرى تقديما وتأخيرا وفصلا ووصلا. ويسمى التوارد[9]. وذلك بأن يستلزم أحد العنصرين النحويين عنصرا آخر ويسمى التلازم[10].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

– ابن منظور: لسان العرب، ص 104-105.[1]

–  حسان، تمام: اللغة العربية معناها ومبناها، ص 205.[2]

– نفسه، ص 209.[3]

– نفسه، ص205.[4]

– باقر جبارة، أمل: فرينة الرتبة في اللغة العربية، 2011م/ 1432هـ، ص 5.[5]

– حسان، تمام: المرجع السابق، ص 207.[6]

– حسان، تمام: المرجع السابق، ص 208.[7]

– عطية، أسامة: قرينة الرتبة ومكونات الجملة، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة قناة السويس، الإسماعلية، سنة2010، ع1،ص231.[8]

– حسان، تمام: المرجع السابق، ص 216.[9]

– نفسه، ص 217.[10]

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.