الاكتساب اللُّغوي.. المبادئ والوسائط

1

شكلَ البحث في ملَكة اللغة قاسما مشتركا بين العديد من الباحثين بمختلف تخصصاتهم، ذلك أن مقاربة هذه الملكة تستدعي تضافر حقول معرفية متنوعة بما في ذلك علوم اللغة والانثروبولوجيا والبيولوجيا وعلم النفس وعلم الاجتماع، فالظاهرة معقدة، كما يشير إلى ذلك تشومسكي (1975 :4). والإلمام بها يقتضي استحضار أبعاد متباينة ومترابطة في الآن نفسه.

  • 1 – تحديد ملكة اللغة

إن أهم ركيزة من ركائز النحو التوليدي التحديد الذي قدمه تشومسكي (1975) للملكة اللغوية إذ قرنها بالبنية الفطرية مؤكدا أنها العضو الذهني أو المكون الداخلي للدماغ-الذهن .إنها مهارة معرفية متميزة عن باقي المهارات المعرفية الأخرى تبنينها مجموعة من المبادئ العامة يسميها تشومسكي في العديد من كتاباته ب”الكليات اللغوية”.
لضبط ملكة اللغة يميز هاوسر (هاوسر و آخرون2002) بين مستويين:

– ملكة اللغة بالمعنى الواسع (م ل و): يتمثل هذا المستوى في النسق الحاسوبي الداخلي المتعالق مع المحرك الحسي sensori- motor و البعد المفهومي القصدي . تستعمل ملكة اللغة بهذا المعنى للإشارة إلى القدرة البيولوجية التي تخول للإنسان التواصل لغويا.

– ملكة اللغة بالمعنى الضيق (م ل ض): تنحصر في النسق الحاسوبي اللساني المجرد معزولا عن مختلف الأنسقة الأخرى المرشحة للتعالق معه. توازي ملكة اللغة في هذا المستوى ما ينعت ب ” التركيب الضيق narrow syntax الذي يختص بتوليد التمثيلات الداخلية موظفا في ذلك نسقين:

– النسق الفونولوجي: الذي يخول له وضع التمثيلات الداخلية في تفاعل مع المحرك الحسي.

– نسق الدلالة الصورية : يمكنه من وضع هذه التمثيلات في تفاعل مع المفهومي القصدي.
تقترن ملكة اللغة بهذا المعنى، على نحو معين بخاصية الاطراد recursion و هي خاصية تجعلها تكييفا adaptation مقتصرا على الإنسان وحده، إذ الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك قدرة لغوية خاصة ، و بالتالي الوحيد المؤهل لأن يعبر عن أفكاره بواسطة اللغة.
يقودنا هذا القول إلى طرح إشكال جوهري يتلخص في كيف تتم عملية الاكتساب اللغوي؟
نقرن هذا الإشكال بجملة من الأسئلة الفرعية نسوقها كالتالي:

– لماذا تظهر المعرفة اللغوية في الطفولة المبكرة؟

– ما هي المراحل التي يمر منها الطفل في سيرورة اكتسابه للغة؟

– ما هو نمط المعرفة الخاص بكل مرحلة ؟


2 – الاكتساب اللغوي:

يكتسب الطفل اللغة في ظرف وجيز فيبدي مهارة لغوية توازي مهارة أفراد عشيرته اللغوية إذ يصبح قادرا على إنتاج جمل لم يسبق له أن سمعها و استيعاب العلاقات القائمة بينها. تعتبر نظرية التعلم أن الاكتساب اللغوي يستدعي أربعة أجزاء متكاملة هي:

– مجموعة من اللغات تشكل إحداها هدفا يروم المتكلم بلوغه. إن اللغة الهدف في هذا الإطار هي اللغة التي تتحدث بها العشيرة اللغوية

– المحيط: يختزل المعلومة الخارجية التي ينطلق منها الطفل في محاولته اكتساب اللغة (لغة المحيط الأسري).

– استراتيجية التعلم : هي مجموع الفرضيات التي يبنيها الطفل بخصوص اللغة الهدف و هي عبارة عن حساب خوارزمي له وظيفتين: خلق فرضيات من جهة و تحديد أي من هذه الفرضيات توافق المعلومة المدخل من جهة أخرى.. تشكل هذه الاستراتيجية بالنسبة للطفلميكانيزما لتكوين النحو في الدماغ. إنها بتعبير تشومسكي جهاز الاكتساب اللغوي.

3 – معيار الوصول:

يشير هذا المعيار إلى أن الطفل قد حقق مقصوده بحكم أن الفرضيات التي انطلق منها ليست اعتباطية و إنما هي مرتبطة نسقيا باللغة الهدف.
يعد معيار الوصول معيارا مؤشرا على أن الطفل قد اكتسب – على الأقل- ثلاثة مستويات من اللغة:

1 – المستوى الصوتي: أي مجموع الأصوات الأولية المستعملة في اللغة الأم.

2- المستوى الفونولوجي:أي مجموع القواعد المحددة للمقاطع و النبر و التنغيم.

3 – المستوى التركيبي: أي مجموع القواعد المحددة للصورة المنطقية للجمل و رتب الكلمات.

4- مراحل الاكتساب اللغوي:

إن نضج المدار اللغوي هو الموجب الضامن لتعلم اللغة ، فقبل ميلاد الطفل تكون كل الخلايا العصبية قد تشكلت لديه و أخذت مكانها في الدماغ ، بعد الولادة تستمر في النمو و التغير. نود أن نشير هنا إلى أن الطفل ، انطلاقا من أيامه الأولى يكون قادرا على ملاحظة و تمييز الاختلافات الصوتية للغة معينة مرجع ذلك امتلاكه شبكة متخصصة في تحليل المؤثرات السمعية. يشير ميلر و جيمس (1996) إلى أن الطفل – على النقيض من البالغ- يتأثر بأي مثير صوتي له قيمة فونولوجية ، سواء في لغته الأم أو في أي لغة أخرى، و هذا ما يمكنه من التمييز بين التقابلات الصوتية بوجه عام حتى تلك غير المستعملة في لغته الأم .

إن البالغ الياباني مثلا يجد صعوبة في التمييز بين -L-و -r-، في حين أن الطفل الياباني لا يجد أدنى صعوبة في ذلك . علة ذلك أن الطفل متكلم ممكن لأي لغة إنسانية . إنه يبدأ متعلما كليا universal learner و ينتهي بأن يصبح متعلما للغة واحدة (أو أكثر)، و ذلك باستخدام إجراء انتقاء selective process . إن الربط بين هذا الإجراء و التجربة يكون من نتائجه تضييق الإدراك التصوري perceptual sensitivity فيتاح للطفل اختيار النسق الفونولوجي الخاص بلغته الأم.

يتم القسم الأكبر من الاكتساب اللغوي من الولادة إلى بلوغ الطفل خمس سنوات ، و ذلك وفق أربعة مراحل أساسية هي:

– مرحلة ما قبل لغوية: تتضمن هذه المرحلة مرحلتين اثنين:

أ – مرحلة الثغثغة: تمتد من أربعة أشهر إلى اثني عشر شهرا، يشرع الطفل خلال هذه المرحلة في إدراك الفونيمات الموجودة في لغته الأم مغفلا في الوقت ذاته الفونيمات التي ليس لها وجود في هذه اللغة. يسوق هذا الإغفال إلى نكوص في ضبطه للأصوات لكن هذا النكوص هو تطور هام و خطوة ضرورية في طريق اكتسابه للغته الأم.

ب – مرحلة الكلمة المفردة: تمتد من أربعة أو ستة أشهر إلى حدود ثمانية عشر شهرا. يحاول الطفل في هذه المرحلة تشغيل جهازه الصوتي بغرض تنويع إنتاجاته الصوتية ، مع التركيز على الأصوات الحاضرة في لغته الأم و يبدأ بوضع أقسام من الأصوات الخاصة بهذه اللغة.

تعد هذه المرحلة مهمة في التطور اللغوي للطفل ، إذ أثناءها ينجز كشفا في غاية الأهمية : إنه التعرف على الكلمات . هنا يطرح التساؤل التالي: كيف يتوصل الطفل إلى التعرف على الكلمات مفردة خاصة و أنها لا تنطق بشكل معزول، إذ الإنجاز اللغوي اتصالات صوتية لا تتخللها انقطاعات بين الكلمة و الأخرى؟

يبدأ الطفل بتقطيع الكلام إلى وحدات لغوية ، ثم إنه ما بين ستة أشهر إلى تسعة أشهر ينمي معرفته بالصور السمعية للكلمات، و من ثمة بمتواليات الفونيمات المسموح بهاداخل الكلمات . يكتشف الطفل أيضا في المرحلة نفسها قائمة الكلمات التي تميز بداية كل مقطع جملي .

إن أهم ما يستند إليه الطفل ،في هذه المرحلة، هو التنغيم، فقد بينت أبحاث تجريبية عديدة أن التنغيم يساعد الطفل على التقطيع ، حيث إنه يعكس الخصائص الفونولوجية و التركيبية للغة . إن الطفل قادر على تمييز المؤشرات التنغيمية التي توضح الحدود بين الكلمات و بما أن البنية التنغيمية للغة لها ارتباط وثيق بالبنية التركيبية ، فإن هذه المسالة ستيسر له اكتساب المعجم، ثم بعد ذلك اكتساب التركيب.

يشير هاليداي (2003) إلى أن الطفل في هذه المرحلة لا يستطيع بناء نحو لغته الأم لأن دماغه لم يتطور بعد بشكل يمكنه من نسج أنسقة صورية محضة.

2 – مرحلة الكلمة-الجملة: تمتد من ثمانية عشر شهرا إلى سنتين . تتسم هذه المرحلة بشروع الطفل بالنطق بكلمات معزولة نتيجة إجراء بدأ في الشهر السادس . يلاحظ بنكر(1994) أن الطفل في هذه المرحلة يقيم جملة من التعالقات المكثفة و يحدد المواقع التي تظهر فيها الكلمات . إنه يكتشف أن مجموعة معينة من الخصائص تتعالق فيما بينها في مجموعة أكبر من الكلمات ، بموجب ذلك تبدأ المقولات التركيبية بالظهور.

3- المرحلة التركيبية: تمتد من سنتين إلى خمس سنوات تتميز هذه المرحلة بشروع الطفل في أنتاج جمل تامة تقريبا و حينما يبلغ الثالثة من عمره يكون حديثه كحديث البالغ رغم بعض العيوب في النطق.

4- المرحلة المتقدمة: تمتد من خمس سنوات إلى ما فوق . يكتسب الطفل في هذه المرحلة وظائف اللغة الأكثر دقة و يستأنف تعلم بنيات تركيبية جديدة كالجمل الاستفهامية و البناء لغير الفاعل كما يتعلن ملاءمة ما يقوله للسياق التخاطبي . يرجع بودان (1998) هذا الأمر إلى كونه يبتعد عن تصوره الخاص لكي يتوصل إلى معرفة أن الآخرين لا يرون الواقع بالطريقة نفسها.
تلك إذن هي المراحل التي يخضع لها الطفل في صسرورة اكتسابه للغة الأم و قد دلت الأبحاث التي قيم بها في إطار علم النفس اللغوي منذ منتصف القرن العشرين أن عملية الاكتساب اللغوي تتم عامة وفق المراحل نفسهاو بتتبع الخطاطة نفسها.

4- المبادئ و الوسائط: حظيت ظاهرة الاكتساب اللغوي باهتمام و عناية العلوم المعرفية التي جعلتها محور انشغالاتها. لقد تزامن ميلاد العلوم المعرفية مع ميلاد النظرية العلمية للغة حيث أحدث تشومسكي (1959) قطيعة مع تصور سكينر حول السلوك اللغوي.

لقد كان نموذج سكينر الذي صيغ في إطار علم النفس السلوكي يختزل اكتساب اللغة في ثنائية منبه-استجابة ، فالطفل حسب المقاربة السلوكية يكتسب اللغة نتيجة مجموعة من العادات المشروطة بهذه الثنائية التي تسوقه للتذكر. إنه يولد صفحة بيضاء و هو سلبي أمام محيطه، و بالتالي فإن كل فعل كلامي يكون حصيلة فعل تكرار أو فعل مماثلة أو تقليد. يقول تشومسكي(1959 :36):

“يبدو من المؤكد أن الأطفال يكتسبون الكثير من السلوك اللغوي و غير اللغوي بواسطة الملاحظة العرضية و تقليد البالغين والأطفال الآخرين . ليس من الصحيح مطلقا أن الأطفال يمكن أن يتعلموا اللغة عبر الملاحظة الدقيقة لمشاركة البالغين.”


استدل تشومسكي (1959) على أن هناك خطائص في اللغة الطبيعية لا يوجد لها أي منبه في مجموع المعطيات التي يتعرض لها الطفل أثناء اكتسابه للغة أفضى به ذلك إلى رفض ثنائية منبه استجابة ليؤسس تصوره الخاص بالاكتساب اللغوي باعتماد الفكرة التي صاغها همبولدت :”استعمال غير محدود لمجموعة محدودة من الوسائل”.
إن أساس تصور تشومسكي القول بفطرية الملكة اللغوية و بأن الطفل يبني النحو الخاص بلغته الأم مرتكزا على هذه الملكة.

صاغ تشومسكي تصوره هذا في إطار ما يعرف ب” النحو الكلي” الذي هو نظرية للملكة اللغوية . يتضمن النحو الكلي مبادئ كلية تابثة و وسائط محددة لها عدد معين من القيم الممكنة. إن أنحاء مختلف اللغات تشتق من مختلف اختيارات تخصيص هذه الوسائط. ترتبط نظرية النحو الكلي بنظرؤية الميكانيزمات الذهنية التي يشغلها الطفل لاكتساب اللغة. فالنحوكما يشير إلى ذلك بنكر ليس ركاما من القواعد، بل هو خاضع لمبادئ دقيقة تربط أجزاءه المختلفة و تفاصيله المتعددة و ما على الطفل إلا أن يوظف هذه المبادئ لكي يتوصل إلى اكتشاف أي جزء من المعرفة يؤثر في الجزء الآخر.

يرى تشومسكي أن اللغات الطبيعية تتأسس بالطريقة نفسها. يوجب هذا الأمر اعتبار الاختلافات القائمة بين اللغات مجرد أوضاع متمايزة لوسائط قليلة و كحدودة تسمح للغات بالتنوع . يفضي ذلك إلى القول إن الطفل يضع توابث معينة بالانطلاق من معطيات قليلة فينتج عن ذلك اكتسابه للغة في ظرف وجيز بل أكثر من ذلك هذا يمكنه من أن يبدع لغة إذا لم تكم موجودة إن اقتضت الظروف ذلك .

إن للغة أساسا معرفيا مشتركا( كما يشير إلى ذلك هاين(1997 : 21) و هي منظمة حسب تصور تشومسكي (1980) بشكل مسبق في البنية العصبية للدماغ لذلك نرى الطفل يتبع أثناء اكتسابه للغة الخطوات نفسها التي يتبعها طفل آخر في عشيرة لغوية مغايرة و ما المحيط اللغوي إلا عنصر مساعد يتلخص دوره في نحت تقاطيع هذه الشبكة ليكون الخرج لغة خاصة . وفق هذا المنظور لا يحتاج الطفل في اكتسابه للغة سوى اكتساب رموز معجمية و تحديد أوضاع الوسيط المناسب . من هنا نفهم السبب الذي جعل نظرية النحو التوليدي تولي اهتمامها لدراسة الجوانب المحددة لملكة اللغة. يقول تشومسكي(2004 :17):

” تحصر نظرية النحو التوليدي نفسها في مظاهر الصورة و المعنى تلك التي تحددها ملكة اللغة.”
كان أثر ذلك أن أسقط الاهتمام بالبعد التداولي نافيا أن تكون اللغة أداة تواصل . يقول تشومسكي(2000ب:75):
“إن اللغة لا تعد نسقا تواصليا .إنها بخلاف ذلك نسق معبر عن الأفكار.
يمكن بالطبع أن تستعمل للتواصل لكن التواصل ليس وظيفة للغة.”

نخلص إلى القول إن الطفل يكتشف نسق المعرفة اللغوية – حسب هذا التصور- بفضل عاملين حاسمين هما:

أ – مبادئ الملكة اللغوية المحددة جينيا.

ب – المبادئ العامة للاكتساب اللغوي المحددة جينيا. وعامل مصاحب يتمثل في التجربة اللغوية للطفل المستخلصة من العشيرة اللغوية أما مساهمة المحيط فلا تعدو أن تكون عاملا مساعدا و ليس عليا. إذن يكتسب الطفل معرفته بلغته الأم في ظرف وجيز بدون تعليم واضح أو تمرين خاص و رغم التعرض الجزئي للمتغيرات التركيبية كل هذه عوامل قادت تشومسكي إلى صياغة دليل فقر المنبه poverty of stimulus الذي قدمه انطلاقا من التمييز بين نوعين من البديهيات.

– البديهية الايجابية positive evidence يقصد بها مجموع التلفظات التي يسمعها الطفل و هي متاحة في محيطهالتواصلي.

– البدهية السلبية negative evidence يقصد بها مجموع التصحيحات و التصويبات التي تقدم للطفل و هي من شأنها أن تُعْلمُه بالجمل غير المقبولة نحويا.

يلاحظ تشومسكي أن المحيط اللغوي للطفل لا يمده بالبدهية السلبية و بالتالي لا يرشده نحو شروط التكوين الجيد للجمل و حتى في حال إخبار الطفل بأن تلفظا ما غير نحوي أو غير مناسب فإن المعلومة المتعلقة بكيفية تعديل هذا التلفظ تبقى غائبة فلا يكون للتصحيح أو التعليم الظاهر إلا أثر ضئيل جدا في الاكتساب اللغوي . إن ما هو متوفر للطفل إذن هو المسلمة الايجابية . يقول كراستي(2004 :4):

” إن البدهية السلبية ليست مصدرا للمعلومة موثوقا بها. للطفل الحظ الوافر في تحقيق الاكتساب اللغوي باعتماد المسلمة الايجابية.”

يدعم هذا الاعتبار دليلَفقر المنبه و في الآن نفسه يدعم القول بوجود بيانات معرفية فطرية أي النحو الكلي الذي يخول للطفل في كل مرحلة من مراحل اكتسابه القيام باستخلاص جملة من المعطيات المتوفرة في محيطه و لو في غياب البدهية السلبية.

أيد العديد من الباحثين تصور تشومسكي ، فحاولوا تعزيز موقفه بالاستناد إلى حجج و براهين ؤمختلفة، من ضمنهم نجد بولوم (1996) الذي سعى إلى تعزيز دليل فقر المنثير باعتماد افتراضين أساسيين يسوقهما كالآتي:

1- يتعلم الطفل اللغة باعتماد المعطيات المؤدية إلى التعلم data driving learning باعتماد التعلم المعد فطريا innately – primed learning.

2- إذا كان الطفل ينطلق في تعلمه للغته الأم من المعطيات المؤدية للتعلم، فإننا لن نصادف أبدا التوليد الزائد في هذا المجال، و الحال أنه وارد في الواقع .إذن لا يكتسب الطفل لغته الأم انطلاقا من المعطيات المؤدية للتعلم و إنما انطلاقا من التعلم المعد فطريا.

من الملاحظ أن مسار الاكتساب اللغوي يؤدي بالفعل إلى التوليد الزائد overgenerationو ذلك ناتج عن بعض التعميمات الخاطئة التي يقوم بها الطفل انطلاقا من المعطيات اللغوية المتاحة له في عشيرته اللغوية قبل أن يبلغ المرحلة الثابتة .يشير بنكر(1994) إلى أن مبادئ النحو الكلي تساعد الطفل على تجنب هذه المسألة فمثلا إذا وجد الطفل مبدأ ينص على أن “أ” و “ب” لا يتواجدان في اللغة ، فإنه حيثما وجد “أ” فإنه سيعمد إلى إقصاء “ب” و حيثما وجد “ب” سيعمد إلى إقصاء “أ” لكن بالرغم من ذلك يعتبر بنكر أنه لا ينبغي أن نقلل من أهمية الدور الذي تقوم به البدهية السلبية في الحد من التوليد الزائد ، إذ بفضلها يتبين للطفل أن متوالية معينة من الكلماتغير نجوية ، و هذا هو السبيل الوحيد –حسب بنكر1989 – الذي يمكنه من معرفة أن ما افترض أنها قاعدة توليدية خاطئة و من ثم يتجنبها في عملية إنتاجه للجمل.
الانتتقادات

نستخلص مما سبق أن النحو الكلي قد ركز في مقاربته للاكتساب اللغوي عند الطفل على التأكيد على فطرية الملكة اللغوية من هنا صاغ مجموعة من الكليات اللغوية لتفسير هذه الملكة غير أن بعض الباحثين قد آخذوا عليه اختزاله للغة في نحوها مقصيا بذلك المعنى و السياق .

كان هذا الإقصاء موضع انتقادات كثيرة نذكر من ذلك ما ورد عنذ برونو(1983) الذي يولي أهمية قصوى للمحيط اللغوي بالقدر نفسه الذي يهتم فيه تشومسكي بجهاز الاكتساب اللغوي.يرى برونو أن وجود جهاز الاكتساب اللغوي ينبغي أن يوازيه وجود ما نعته ب” نسق دعم الاكتساب اللغوي language acquisition support system.

يحيل هذا النسق على الأسرة بوجه خاص و على محيط الطفل بوجه عام، إذ المحيط كما يشير إلى ذلك برونو (2006) يقدم للطفل فرصة للاكتساب اللغوي . إن السياقات المكثفة بالأحاسيس تساعد الطفل على معرفة الكيفية التي تستخدم بها اللغة . فنسق دعم الاكتساب اللغوي هو الذي يمكن الطفل من ولوج العشيرة اللغوية .يعتبر برونر (1983 :120) أن هذا النسق :

“يؤطر التفاعل بين الناس بطريقة تتيح للمتكلم المرشح التحكم في استعمالات اللغة. فالاكتساب اللغوي مرتبط عنده بأوجه ثلاثة هي:

– التركيب: يهتم بتفسير ما يسهل اكتساب التلفظات المقبولة والمضبوطة نحويا

– تبحث في طبيعة العلاقة بين الكلمات و العوالم الممكنة.

-التداول: يبحث في سبل استخدام التلفظات في العوالم الممكنة بنية التأثير على الآخر.
إن برونر باستحضاره لهذه الأوجه الثلاثة يوثق الصلة بين الاكتساب اللغوي و التفاعل القائم بين ما هو نحوي و دلالي و إحالي من ناحية و بين مواضعات الاستعمال من ناحية أخرى بذلك يضمن الاكتساب اللغوي دلالة أوسع إذ لا يحده في القدرة على التلفظ بما يتوافق و قواعد لغة ما فمعرفة النحو ليست غاية في حد ذاتها و إنما يتجاوز ذلك لربطه بالثقافة معتبرا أن الثقافة هي التي تفرض على الإنسان التمكن من اللغة و اللغة ما هي إلا أداة ناقلة الثقافة إلى الإنسان.

يتبنى مكنمرا في كتاباته (1972 – 1977) المنظور نفسه بل إنه يذهب أبعد من ذلك فينص على أن ما هو فطري هو القدرة على قراءة الأوضاع الاجتماعية و ليس جهاز الاكتساب اللغوي الذي اعتمذه تشومسكي . إن الطفل يمتلك قدرة فطرية تخوله قراءة المعاني في السياقات الاجتماعية فيتمكن بفضل ذلك من فهم اللغة و تعلمها بسرعة ويُسر.

تعليق 1
  1. حامد يقول

    شكراً جزيلاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.