عِلْمِيّـة النّحـو والمَنطِق الريّاضي (2)

0

 

استكمالاً لما تطرقْنا إليه في الجزء الأول من هذا البحث[i] حيثُ عالَجنا فيه للأصولَ الرياضية المنطقية للنحو العربي، وأكَّدْنا أن علومَ اللغةِ مُنبثِقَةٌ أساساً عن فِكرٍ عِلمي قِوامُه المنطق، الذي لا يجوز فصْلُ قوانينِها عن خصائص العِلم الرياضي، والذي يقوم على مبدأيْ الثوابت والمتغيّرات. كما بيَّنا حدودَ كلٍّ مِن اللغويِّ والنحويِّ؛ ومجالَ اختصاص كلِّ واحدٍ منهما.

في هذا الجزء؛ سنحاول الإحاطة قدرَ الإمكان بموضوع العِلَلَ النحوية وكيف استثمرَها النحوِيُّون في الحُكم على اللغة في شِقِّها النحوي. 

  • العِـلَـل النَّحْــويـّة وأصولُها المنطقية

كثُرَ كلامُ العلماء قديما عن العِلَلِ، ودعموا شروحاتهم بالحجج والبراهين الـتي استمدُّوها من المنطق الريّاضي، لذلك جاءَ النحو مؤسَّسَا على قضايا منطقية، لها حدودُها في تِبْيَان الخصائص العامة للنحو، وقدَّموا لها تعريفاتٍ دقيقة، قال ابن يعيش “الحدُّ؛ الدلالةُ على الذات لا العِلة التي وُضِعَ لأجلِها، إذ علة الشيء غيْرُه[ii]“. لقد تمايزتْ الحدود والتعريفات ما بين الأصل والشَّبَه بالدقة العلمية، لأن علماء اللغة وضعوا للشبيه توصيفا يُعرف به ويُميزه، ثم أوضحوا سبب عدم إعطاء مُشبَّه الفَرع خصائصَ الأصل، فقالوا “فشَبَهُ الفرْعِ بالأصل أو المَقِيس عليه، لا يُعطي الفرعَ حقوقَ الأصل كاملة، إنه يمنحُه حقوقَه بشروط، فمثلا (لا) النافية المشبَّهة بـ (ليس)، والتي لها حكمُها في الشَّبَه والإعِمال، لا تعمل عمل (ليس) إلا بشروط، فإنْ لم تتوفر هذه الشروط بَطُلَ عملُها[iii]“.

وكان علماء النحو إذا اهتدوا إلى ظواهرَ لا تَخضع إلى قوانينَ جامعة، اعتُبرتْ في رأي ابن أبي إسحاق “مما يُحفظ ولا يُقاس عليه[iv]“. وعقد ابن جني أبوابا خاصة للعِلل، بحثَ فيها “تخصيص العِلل. الفرق بين العِلة الموجبة والعلة المجوزة ـ تعارض العِلل ـ حُكم المَعلول بعلَّتَيْن ـ الردُّ على من اعتقد بِفساد العِلل النحوية[v]“. وقرَنَ علماءُ البصرة والكوفة نظرياتِهم النحوية بالحجج والبراهين لإثبات صحة آرائهم، وما كتاب “الإنصاف والانتصاف في مسائل الخلاف بين البصريين والكوفيين” لمؤلفه أبو البركات الأنباري، إلا دليلاً على العِلْمِيَّة العالية التي كان يتمتع بها علماء اللغة في كِلتا المدرستيْن، وإتقانهم للمنهج العلمي الرياضي.

كل هذه الحركية التي شهدِها القرن الثاني، عكستْ المنهج الذي كان سائدا في الجدل اللغوي العِلمي.

ميَّزَ النحويون بين الصرف والنحو، وأكَّدَ ابن جني على ضرورة تعلم الصرف قبل النحو، لارتباط النحو بأحوال التصريف، موضحا رأيه بقوله “التصريف إنما هو لمعرفة الكلمة، والنحو لمعرفة أحوالِها المُتَنَقِّلَة“.

يقول ابن جني في كتابه “المنصف في شرح كتاب التصريف” “من الواجب على من أراد معرفة النحو، أن يبدأ بمعرفة التصريف، لأن معرفة ذات الشيء الثابتة يَنبغي أن يكون أصلا لمعرفة حالِه المتنقلة“(ص54). ثم ميزوا بين النحو والإعراب، وجعلوا النحو الجانب النظري، والإعراب الجانب التطبيقي الذي يُفسِّرُ النظريات، ويُبَيِّن العلاقة بين الأجزاء ونوعيَّتِها، فكان النحو بذلك هو “انتحاءُ سَمْتِ كلام العرب مِن إعرابٍ وغيرِه كالتشبيه والجَمْعِ والتَّحقِير والتَّكسِيرِ والإضافة والنَّسَبِ والتركيب و..، ليلْحَق مَن ليس من أهل اللغة العربية بأهلِها في الفصاحة، فينطق بها وإن لم يكن منهم، وإن شَدَّ بعضُهُم عنها رُدَّ بِه إليها[vi]“.

أما الإعراب ودائما حسب ابن جني، فهو “الإبانة عن المعاني بالألفاظ[vii]“. أيْ؛ الإفصاح عن منزلة اللفظ في التركيب، وما طرأ عليه من عوامل ومؤثرات أدت إلى تغييرٍ في الإعراب بتغيرِ العلامة الدالة على المرتبة في عملية الإسناد، وما يتبعُها ليستقيم المعنى في التركيب.

  • القِيَّــاس

اهتم النحويون العرب بالقياس، وصنعوا قوانين اللغة على الظواهرِ اللغوية، التي يَنطلق منها العالِم اللغوي، ثم قادتهُم صِحَّة الفرضيات إلى وضع دراسة الظواهرِ والأسبابِ الكامِنة وراءَها، وكان قانون السببية؛ الدليلَ إلى تحليل المعطيات اللغوية وتعليلِ أسبابِ ورودِها، ثم صَوْغِ الملاحظات والنتائج على شكلِ قانونٍ دقيقٍ له عناصرُه وخصائصُه الـمُميِّزة.

إن القوانين الموضوعة على أصول النصوص اللغوية السليمة، تقويمٌ للسان العربي وحفظٌ له، فتكون القاعدة اللغوية الشكلَ الأمثلَ للنظام اللغوي المنطقي.

  • ملاحظة

إن الفهم الناقص لهذه المعطيات، هو سبب انتشار اللَّحْن والخطأ، لأن الفرق بين اليوم والأمس كبيرٌ جدا، ففي الماضي كان هناك منطقيون حَرَّرُوا اللغة مما عَلِق بها، “فلم يَعْتَدُّوا بالخطأ، فاقتصر الخطأ على ما كان مُطَّرِدًا في القياس والاستعمال جميعا[viii]“. أما اليوم، فإن الـمَجامِع اللغوية في الوطن العربي (في الشام ومصر على وجه الخصوص)، تُثبتُ أخطاءً شائعة، عِلما أنَّ لها أصلا مُغايرا وسليما في الـمُتون اللغوية العربية المعتمدة (مصادر اللغة / مصادر الأدب)، فقالوا بصحة ما اطرَدَ في الاستعمال وشذَّ عن القياس، وهذا “لا يُتَّخذ أصلا يُقاس عليه غيرُهُ[ix]“.

  • القياس النحوي

أكدَّ النحويون على أهمية القياس المنطقي في اللغة، ورأوا فيه ميزانا لسلامة العلاقات النحوية، فرسَّخوه كمبدئٍ أساسيٍّ في عِلم النحو، لأن القياس في رأيهم، يعصم القوانين اللغوية من الخطأ.

قال أبو على الفارسي “أُخْطِئُ في خمسينَ مسألةً في اللغة، ولا أخْطِئ في واحدة من القياس[x]“، لأن الخطأ في القياس يعني الخطأ في التفكير المنطقي، والتفكير المنطقي لا يحكم على ظاهرة من دون استخدام معايير القياس الصحيحة، ليستدل بها على جوهر العلاقات بين الفِكر والمنطق. ولَمَّا كانت الظواهر اللغوية مرتبطة بعوامل كثيرة، ربطوا العلاقات النحوية السّليمة بالإدراك العقلي للمرئيات، والتعبيرِ عن علاقتِها.

لقد تأسَّسَ النحو العربي في قواعدِه وقوانِينِه على منطقٍ عِلميّ، قوامُه الاستقراء والاستنباط والقياس، فتحَصَّتْ اللغة بقوانينَ داخلية، عصمتْ التراكيب، وضمِنتْ سلامة الـمُنتَج اللغوي، وذلك مهما تنوعت السياقات، وعن هذه العلاقات الموجودة بين المنطق والقياس قال الكسائي[xi]:

إنمـا النَّحوُ قيـاسٌ يَتَّبَـع ***  وبه في كلِّ أمـرٍ يُنْتَفَعْ

فإذا ما نَصَرَ النَّحوُ الفتى *** مرَّ بالمَنطقِ مَرًّا فاتَّسَعْ

لم يكتفِ العالِم اللغوي بتوسيع أصول القياس في اللغة، بل بيَّنَ الأحكام في تطبيقه، والعلل التي أدت إلى استخدام الأصلِ نموذجا للقياس عليه، فكانَ القياسُ إما معنويًّا أو لفظيا، فقال النحويون “عاملٌ لفظيٌّ وعاملٌ مَعنوي[xii]“.

  • عِلل الحركات

دفعتْ هذه الفرضية النحوية الإعرابية، عُلماءَ اللغة العربية إلى تعليل وتبرير الحركات الإعرابية، وربطها بمؤثر هو السببُ في وجودِها، فقسموا الحركات إلى مراتب، ترتبط بمرتبة الكلمة في التركيب؛ فوضعوا المرفوعات دالةً على الارتفاع والقيمة، وقالوا: هي اللوازمُ  للجملة والعمدة فيها، والتي لا تخلوا منها، وما عداها فهو فُضْلَة، أي يستقل الكلام بدونها.

وكان الفاعل أو المرفوعات، هو المقتدر عليه، لأنه صاحب الفعل، ولذلك قال الرمَّاني “جُعل الرفع للفاعل لأنه أول الأول، وذلك تشاكُلٌ حَسَن، ولأنه أحق بالحركة اللغوية لأنها تُرى بِضَمّ الشفتيْن من غير صوت، فأُعْطِيَ أقوى الحركات“.

قسم ابن جني الحركات بحسب قوتها، “المرفوع وهو الأقوى والأثقل، والمنصوب وهو الأضعف والأخف، والفاعل وهو المتقدم، والمفعول وهو المتأخر، والضمة أقوى الحركات وأثقلها فجُعِلَتْ للفاعل، وجُعلتْ حركات النصب الخفيفة للمنصوبات وهي الأضعف[xiii]“.

  • التبرير الفيزيائي للحركات

لقد أعطى علماء العربية للحركات تبريرا فيزيائيا، فالعربُ لا تبدأ بِساكن، ولا تقفُ عند متحرك، لأن الحركة الفزيائية تبدأ بفعل ميكانيكي، وليس بانعدام الحركة، ولا يمكن أن تتوقف الحركة الفيزيائية عن فِعلِها الديناميكي، وهي في حالة من إصدار صوت دال على حركة، وعند توقف الحركة الفزيائية يحمل الصوت صدى دلالة الوقوف.

تُشير الحركة في اللغة إلى فاعليَّتِها في الحرف الذي تدفع به إلى الالتقاء بغيره، ليتم معنى التركيب ودلالته، “لأن الحركة تُقلق الحرف عن موضعِه ومستقرِّه، وتجذبُه إلى جهة الحرف التي هي بَعضُه[xiv]“.

  • الاستقراء

تأثرَ علماءُ اللغة بالمنهج المنطقي العلمي في تقعيد اللغة العربية، ووضعِ النظريات النحوية، وجاءت نظرياتهم عن طريق الاستقراء الذي ساعدتهم مقوماته على وضع الفرضيات والكشف عن القضايا الأولية التي كانت أساسا في بنية اللغة، فأسسوا قوانينَهم على مبادئ المنطق الرياضي، وقسموا عناصر اللغة في عِلم النحو إلى ثوابتَ ومتغيرات، استنبطوها بعملية الاستقراء اللغوي.

وتعتبر الكلمة وهي مؤلَّف حرفيْن فأكثر، أولَّ شكلٍ من أشكال اللغة التي لا يمكن البرهان عليها، والتثبت من حقيقتِها وجوهرِها، فقبِلها العالِم النحوي كما هي، واعتبرَها من البديهيات التي ينطلق منها للتحقق من صحة تفاعلها بعضِها مع بعض في صياغة تعبيرية (التركيب)، لا تَناقضَ بين أجزائها، ثم أرشدَه الاستقراء إلى تركيب الجملة مِن مُسند ومُسند إليه مهما تعددتْ نماذجُها، فتم قبول بنية الجملة العربية كقضية أولية لا يَقوم عليها برهان.

كشفَ اتجاه العالِم اللغوي العقلي عن أحوال الكلمة وخصائِصِها فصاغ تعريفات، ووضع قوانين بُنِيتْ عليها نظريات اللغة العربية، ثم تَبَيَّنَ له أن بعض البديهيات، أساسٌ لاشتقاقِ الألفاظ في نظام  لغوي محدد، لتؤدي دورها في تركيب القضايا الأولية واتساقها، محافظة على الحدَّيْن الرئيسيين، الـمُسند والـمُسند إليه، ومن هذين الحديْن، تتولد نماذج لا حصر لها في البناء النسقي اللغوي. إذْ كلما تغير أصلُ موضوعٍ أو أكثر في سياقٍ ما، فإن النظريات المشتقة أو ما يُسمى بالبناء النسقي الكلي، لابد أن يتغير ويعطينا نسقا مخالفا وجديدا، ومهما تعددتْ هذه الأنساق، فإنها تبقى خاضعة للنظام النحوي الذي يعصمُها من الخلل.

لاحظ العالِم اللغوي، أن تركيب القضايا الجديدة، يتم بواسطة أدوات العطف أو الشرط أو أدوات السلب أو…..إلخ، فيَنشأ من جُملتيْن بسيطتيْن جُملة مركبة لا تَناقض بين أجزائها، كما لا يمكن أن تتضمن الفكرة ونقيضها في الآن نفسه وتبقى مقبولة، فكانت هذه الأدوات هي الروابط المنطقية التي تساعد على فهم الفكرة، وبالتالي قبولِها.

  • خــاتمـــة

نَخلُص في الختام إلى القول؛ إن عِلم النحو، عِلمٌ رياضيٌّ منطقي، يقوم على فكرتيْ الثوابت والمتغيرات، وبالتالي وجب علينا العودة بالفكر العربي النحوي إلى أصالتِه، وطرح قضايا النحو بشكل عِلمي، يُزيل الإنشائية والتلقين التي تسود مناهجَنا التعليمية في المدارس والجامعات، والتي أبعدتْ أبناء اللغة العربية عن نحوِ لغتِهم، وجعلَتهُم ينظرون إليه على أنه صعبٌ وممتنِع ومعقد ومنفِّر.

إننا إذا استطعنا أن نكشف للتلميذ والطالب العلاقات الرياضية المنطقية البسيطة التي يقوم عليها النحو، وبَسَّطْنا لهم المنهج الرياضي الذي يقوم عليه، فإن إحاطتهم به لن تكون أمرا عسيرا، بل سهلا ومُيَسَّرا ويسيرا للغاية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  • للتوسع أكثر في الموضوع يُرجى مراجعة:

“اللغة العربية والعولمة، في ضوء النحو العربي والمنطق الرياضي”، للدكتورة ناصر خيربك مها، أستاذة النّحو والصَّرف والنّقد الحديث – الجامعة اللبنانية.  http://www.atida.org/forums/showthread.php?p=6061&styleid=7

 ——————————————————————————————————

الهــوامــش:

[ii]  ابن يعيـش، شرح المفصل، ج7ـ ص2.

[iii]  شرح المفصل ج1/ ص109.

[iv]  الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، ص26.

[v]  الخصائص، ج3/ ص144.126.

[vi]  الخصائص ج1/ص34.

[vii]  الخصائص، ج1/ص35.

[viii]  ابن جني، الخصائص، ج1/ ص97.

[ix]  الخصائص، ج1/ ص99.

[x]  الخصائص، ج1/ ص88.

[xi]  إرشاد الأريب الى معرفة الأديب، ياقوت الحموي، ج3/ ص109.

[xii]  الخصائص، ج3/ ص109.

[xiii]  هُمَعُ الهوامع، للسيوطي، ج1/ص46.

[xiv]  ابن جني؛ سر الصناعة، ج1/ ص7ـ8.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.