الإطار التاريخي لنظرية النحو الوظيفي

 

نشأت نظرية النحو الوظيفي مع مجموعة من الباحثين بجامعة امستردام يرأسهم الباحث اللساني سيمون ديك الهولندي، حيث قدّم الصياغة الأولية العامة للنحو الوظيفي سنة 1978م ، وأرسى أسس النحو الذي يقترحه ، وقدّم الخطاطة العامة لتنظيم مكوناته، ولهذه النظرية نماذج كثيرة متعاقبة وهي نظرية تستجيب لشروط التنظير والنمذجة ، وانتقلت هذه النظرية من مسقط رأسها بهولندا إلى أقطار أخرى كبلجيكا، وإسبانيا، وانجلترا.

ودخلت العالم العربي عبر بوابة المملكة المغربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، على يد الباحث أحمد المتوكل، لتنتقل إلى غيرها من الجامعات المغربية لترسم طريقا لها إلى بقية البلاد العربية كالجزائر وتونس وسوريا، والعراق…

– موضوع نظرية النحو الوظيفي:

لم تقف النظرية عند وصف القدرة التواصلية ، وإنّما وسّعتها بالأخذ في عين الاعتبار طاقات ومعارف أخرى ، إضافة إلى الطاقة والمعرفة اللغوية (النحوية)، وذلك من خلال نموذج مستعمِل اللغة الطبيعية , ومستعملو اللغة الطبيعية لا يتواصلون فيما بينهم إلا بخطابات ، ولهم قدرة تواصلية متكاملة أي مجموعة من الملكات , وهي الملكات المعرفية ، واللغوية ، والإدراكية ، والمنطقية والاجتماعية… ولا تصل النظرية حدّ التكامل والكفاءة الشاملة إلا إذا رُصدت هذه الملكات كلَّها ولم تقف عند حدود الملكة اللغوية وحدَها.

فالملكة اللغوية هي التي تمكّن مستعمل اللغة من إنتاج عدد لا متناه من الجمل في مقامات تواصلية متعددة لمعرفته بلغته معجما وصوتا وصرفا وتركيبا، وهي دائمة الحضور في عملية التواصل اللغوي أما غيرها من الملكات فيلجأ إليها عند الحاجة.

كالملكة الاجتماعية فهي التي تمكّن مستعمل اللغة من ضبط وضع مخاطبه الاجتماعي ، وما يقوم بينهما من علاقات أثناء التواصل.

أما الملكة المنطقية فهي التي تمكّن مستعمل اللغة من اشتقاق معارف إضافية من معارف متوفرة لديه بواسطة قواعد الاستدلال.

أما الملكة الإدراكية فهي التي تمكّن مستعمل اللغة من استخدام المعارف التي يستقيها من مواقف التواصل ذاته في إنتاج العبارات والجمل اللغوية، وفي فهمها.

أما الملكة المعرفية فهي التي تمكّن مستعمل اللغة من تكوين مخزون منظم من المعارف اللغوية وغير اللغوية، واستخدامها في إنتاج وتفسير وفهم المزيد من العبارات والجمل اللغوية.

-الأسس المنهجية لنظرية النحو الوظيفي:

حاولت نظرية النحو الوظيفي تجميع مبادئ النظريات الوظيفية والتي تتعلق بوظيفة اللسان الطبيعي، وعلاقة الوظيفة بالبنية، ومفهوم القدرة اللغوية، ومفهوم الكليات اللغوية ، وعلاقة الوظيفة بموضوع الوصف اللغوي ، وعلاقة الوظيفة بالمفاضلة بين الأنحاء وربطها بمفهوم الكفاءة التفسيرية وهذه الأخيرة تجمع ثلاث كفاءات مترابطة ومتكاملة هي: الكفاءة التداولية ، والكفاءة النفسية والكفاءة النمطية .

الكفاءة التداولية:

يقول سيمون ديك معرّفا هذه الكفاءة : ” على النحو الوظيفي أن يستكشف خصائص العبارات اللغوية المرتبطة بكيفية استعمال هذه العبارات ، وأن يتم هذا الاستكشاف في إطار علاقة هذه الخصائص بالقواعد والمبادئ التي تحكم التواصل اللغوي , يعني هذا أنه يجب ألاّ نتعامل مع العبارات اللغوية على أساس أنها موضوعات منعزلة ، بل على أساس أنها وسائل يستخدمها المتكلم لإبلاغ معنى معيّن في إطار سياق تحدده العبارات السابقة ، وموقف تحدده الوسائط الأساسية لموقف التخاطب”

يؤخذ من التعريف أن خصائص العبارات اللغوية تتحكم فيها عوامل أخرى من الخارج , وهي مبادئ تحكم التواصل اللغوي ، وبالتالي فإن العملية التواصلية لا تقتضي معرفة لغوية فحسب بل تقتضي معارف أخرى عامة وآنية تخص الموقف الذي تتم فيه عملية التواصل، ومن هنا فإن إنتاج اللغة وفهمها يتمان في إطار تداولي (حوار، سرد…) .

الكفاءة النفسية:

يعرّفها سيمون ديك بقوله: ” تنقسم النماذج النفسية بطبيعة الحال إلى نماذج إنتاج ، ونماذج فهم تُحدد نماذج الإنتاج : كيف يبنى المتكلم العبارات اللغوية وينطقها، في حين تُحدد نماذج الفهم كيفية تحليل المخاطب للعبارات اللغوية وتأويلها ، وعلى النحو الوظيفي الذي يروم الوصول إلى الكفاءة النفسية أن يعكس بطريقة أو بأخرى ثنائية : (الإنتاج/الفهم) هذه

يشير ديك في هذا التعريف إلى العملية النفسية التي يقوم بها الذهن في إنتاج الخطاب أو فهمه أثناء القيام بالعملية التواصلية، وعليه فإن نماذج النحو الوظيفي صيغت على أساس أن إنتاج الخطاب ينطلق من القصد إلى النطق مرورا بالصياغة.

الكفاءة النمطية:

يعرّف ديك هذه الكفاية بقوله: “يزعم المنظرون للسان الطبيعي أن بإمكانهم حصر الاهتمام في لغة واحدة، أو في عدد من اللغات فيما يقارب التنميطيون اللغة مقاربة محايدة نظريا تعتمد منهجا استقرائيا شبه تام.
إن الدراسة التنميطية لا تكون ذات نفع إلا إذا أطرتها مجموعة من الفرضيات النظرية ولا تكون النظرية اللسانية في المقابل ذات جدوى ، إلا إذا كشفت عن مبادئ وقواعد ذات انطباقية واسعة النطاق”( )

من خلال التعريف يتضح أن ديك ينتقد التنميطيين السابقين في اتجاهيهما ويرى بأن تنميط اللغات يجب أن يندرج في إطار نظري ينطبق على أكبر قدر ممكن من اللغات المتواجدة والممكنة ومن هنا فإن النحو الوظيفي لتحقيق هذه الكفاءة وضع ضابطين هما:

• ربط تنميط اللغات بالكليات اللغوية.

• السعي في إحراز أكبر قدر ممكن من التجريد في صوغ المبادئ والقواعد.

مبادئ نظرية النحو الوظيفي:

يعتمد نموذج النحو الوظيفي على مبادئ منهجية عامة وثابتة لا يحيد عنها، تتمثل في:
وظيفة اللغات الطبيعية:

للغة وظيفة أساسية تتمثل في التواصل بين المتعاملين بها، وظل هذا المبدأ شعارا يرفعه أعلام المدرسة الوظيفية في الألسنية الحديثة ، إلى أن جاء سيمون ديك الذي عدّ كل لغة طبيعيةً هي نظام يحتوي على خصائص بنيوية، هدفها الأساسي تحقيق عملية التواصل بين المتكلمين بها.

وصف القدرة التواصلية:

واعتمادا على ذلك فكل لساني يريد الدراسة عليه أن يصف القدرة التواصلية بين طرفي العملية التواصلية (المتكلم والمخاطب) ، وهذا المبدأ أعاد به سيمون ديك ثنائية تشومسكي (القدرة/الإنجاز).
النظر إلى التركيب والدلالة من وجهة تداولية:

التداولية علم ظهر مؤخرا في حقل الدراسات اللسانية، ومن خلاله يطمح النحو الوظيفي إلى تحقيق الكفاءة في الاستعمال التداولي ، وبالتالي تحقيق الكفاءة التداولية.

السعي إلى تحقيق الكفاءات:

حيث يسعى النحو الوظيفي إلى تحقيق الكفاءات النفسية والتداولية والنمطية.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.