أسئلة الأجيال

0

 

مرّ الوطن العربي في تاريخه الحديث بمحطات ومنعطفات خطيرة، كان السؤال الثقافي يلعب فيها دورا مهما. ومهما كانت الأسئلة التي كانت تطرح في كل مرحلة من مراحل تاريخه، كي لا أقول تطوره، كانت على الأقل تطرح أسئلة جوهرية. فإلى العشرينيات من القرن الماضي، حيث كان العديد من الأقطار العربية يرزح تحت نير الاستعمار، كان سؤال الذات في علاقتها بالآخر مطروحا بشدة. ومع الاستقلالات التي بدأت تتحقق منذ الخمسينيات كان التوجه نحو سؤال «الاختيار» السياسي والثقافي المراد تطبيقه للخروج من التخلف والتبعية. وفي السبعينيات كان الانحياز ضد الإمبريالية الأمريكية، والنظام الرأسمالي تأكيدا للاختيار الذي تكرس إبان النضال ضد المستعمر. وجاء هذا الانحياز متزامنا مع النهوض الذي عرفته إفريقيا وأمريكا الجنوبية، وشرق آسيا. 

في كل هذه المراحل كانت هناك أسئلة ثقافية يحملها الجيل السابق للذي يليه، وكان يضيف إليها ما يتماشى مع التطور، محليا وعربيا ودوليا. كانت الأجيال التي واكبت بدايات القرن الماضي تتلمس طريقها، عبر السؤال الثقافي، وبذلك كانت مساهمتها في تأسيس منطلقات للتطور، سواء على المستوى الإعلامي أو الثقافي، أو الفكري. وكانت مصر رائدة في هذا المجال. 

في أواسط القرن بدأت تتعدد المركزيات الثقافية العربية، وساهمت الشام والعراق بدور كبير في بلورة رؤية جديدة تفاعلت فيها بشكل كبير مع ما تم تشكيله في مصر. وسيلعب في المغرب العربي دور في تثمين التجربة وتطويرها في السبعينيات والثمانينيات عن طريق فتح حوار نقدي مع ما راكمته التجربة العربية في الصيرورة. وفي هذا تجل لما سميناه تعدد المركزيات الثقافية. ومنذ التسعينيات إلى الآن بات لدول الخليج دور مهم، على المستوى الثقافي العربي بصورة واضحة، ومختلفة عما كانت عليه الأمور قبل هذه المرحلة، مع التنويه بالتجربتين الكويتية والبحرينية السباقتين في هذا المضمار.

منذ التسعينيات بدأت صورة هذه الخريطة العامة في التبدل، لقد حدثت تطورات كبرى على الصعيد العالمي، فإلى جانب انهيار جدار برلين الذي أدى عربيا إلى انهيار رهانات كبرى، على المستوى الثقافي والأيديولوجي، جاءت العولمة مجسدة بصورة خاصة في التكنولوجيا الجديدة للمعلومات والتواصل التي جعلتنا أمام «العالم المترابط» ولكن غير المتفاعل. وفي هذه المرحلة استعاد السؤال الديني سطوته التي طرحت في بداية القرن الماضي، وصار التطرف الديني في قلب الصراع العالمي بعد تجاوز صراع القطبين، الذي ظل مهيمنا منذ منتصف القرن. ولم يؤد كل ذلك إلا إلى بعثرة مختلف الأسئلة الثقافية التي طرحت في الصيرورة ومحوها. 
ما هو السؤال الثقافي الجوهري الذي يمكن أن نطرحه الآن، أو يطرحه المثقفون والمفكرون العرب حاليا؟ لا أجد في ما أقرأ الآن إجابات عن هذا السؤال. لا أريد التوقف عند الأسئلة التجزيئية، أو الاختزالية التي تختزل القضايا الكبرى التي يتخبط فيها العالم العربي، وهي ذات بعد وجودي، إلى قضايا العرق، أو اللغة، أو الهوية، أو الحرية، أو ما شابه هذا من الأسئلة ذات القيمة الخاصة، بل إنني حتى عندما أتابع ما يكتب بصدد هذه القضايا الجزئية لا أجد وضوحا ولا عمقا. 

لقد ظل الفكر العربي الحديث منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قائما على رد الفعل على ما يفرضه عليه الآخر. وفي الوقت نفسه، كان يفكر في الواقع مما يستمده من فكر ذاك الآخر. أقصد بالآخر هنا الغرب الذي كان بالنسبة إلينا تحديا حضاريا، وقوة اقتصادية. لكن هناك آخرا آخر، وهو التراث الذي بقي يشكل بالنسبة إلينا النموذج القابل للاستعادة. لكننا في خضم التعاطي مع «الآخرين» معا، كنا مسلوبي الإرادة، والإدارة. ولم يكن عندنا سوى رد الفعل في صوره المختلفة والمتناقضة. فأنى لنا أن نطرح السؤال الملائم على المستوى الثقافي والفكري، للخروج من الوضع التاريخي الذي وجدنا فيه أنفسنا منذ الاحتكاك مع الغرب؟ 

ما هي حصيلة هذه الصيرورة التي عاشتها أجيال متعددة إلى الآن؟ استنفدنا علاقتنا بالتراث، لأننا لم نفكر فيه بطريقة جدية. لقد توقفت الاجتهادات في الدين في العشرينيات من القرن الماضي. والمشروعات التجديدية للتراث من منظور أيديولوجي أبانت عن انتهائها. ويكفي أن نطلع على ما يكتب في هذا الباب وإلى ما ينشر، وأن ننظر في واقع التيارات الدينية لنجدها تعاني فقرا شديدا على المستوى الإبداعي في الفكر الديني. الفكر الأوروبي الذي اتكأنا عليه منذ نهاية الحرب الثانية إلى الآن لا نواكبه، ولا نتعرف عليه. وهو أيضا بات بدوره يعاني من التحولات الطارئة على المستوى العالمي بسبب الرقامة، وليس له مركز توجيه يستقطب الأسئلة ويوحد المشاريع. وحتى «الخضر» الذين حاولوا أن يكونوا بديلا عن «الحمر» صاروا حركة احتجاجية أكثر منها تمثيلا لرؤية للعالم. 

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.