نقد

لماذا لا يفهم المشارقة المغاربة ؟

بُعد الجغرافيا والاستعمار ليست أسبابا وحيدة

تقف حدود العالم العربي بالنسبة لعدد كبير من سكانه عند مصر، فهل هي قطيعة مع شعب يمتد من ليبيا إلى المغرب الأقصى؟ يفهم المغاربيون المشارقة وقد تجدهم يتحدثون لهجة السوري والمصري، في حين لا يمكن لهؤلاء أن لا يستوقفوهم عشرات المرات في الجملة الواحدة لفهم معنى كل كلمة وكأنهم لا يتحدثون العربية. يقابل بعض المغاربيين الأمر بكثير من التعصب ويجدون أن لهجتهم هي الأقرب إلى اللغة العربية وأن المشارقة لا يبذلون أي مجهود لفهمهم.


هل أثَّر الاستعمار على لغة المغاربيين وجعلها أقرب إلى الفرنسية والإسبانية؟ أم أن القرب الجغرافي من أوروبا جعلهم أقرب إليها أبعد عن العرب؟ وربما انطلاق الثورة العربية الكبرى من المشرق جعل منه المركز. آخرون يعزون هذه “القطيعة” إلى “عقدة التفوق” لدى المشارقة.


  • كل شيء يبدأ من اللغة

أسهمت الأعمال التلفزيونية والسينمائية والغنائية وسائر فنون القول، في بسط العربية المصرية، ووصفها بالعربية المعيار. ذلك بينما يستصعب باقي العرب العربيات الأخرى لأنها ليست لغاتهم العامية، وليست منتشرة عبر وسائل الإعلام العربية؛ يحسون أنها أجنبية عنهم.

أرجع الكاتب والباحث المغربي في اللسانيات عبد المجيد جحفة، السبب في استسهال المغاربة لبعض الدوارج العربية إلى الإعلام الذي قام بدور تركيزها عند أهل المغرب العربي كما باقي الدول العربية.


وعودة إلى “العربية المعيار” يعتقد البعضُ أن المسماة فصحى، هي أصل الدوارج العربية، وأن هذه الدوارج أشكال منحرفة عن الفصحى. هذا الأمر غير صحيح، حسب جحفة، فالدوارج كانت دوماً تتعايش مع شكل لغوي سامٍ يظهر في الأدب. والازدواجية كانت قائمة قبل نزول القرآن؛ وهذه الازدواجية هي التي أعطت للغة الشعر الجاهلي وللغة القرآن بَعدَها السمُوَّ مقارَنةً بسواها.

عندما نقارن، إذن، بين العربية المعيار والدوارج العربية، لا نقارن بين أصل وفرع، بين لغة أصيلة كاملة وشكل انحرف عن هذا الأصل مع مرور الزمن وتغيُّر السياق. ولا نقارن بين لغة دينية، لغة هي أحسن اللغات، لغة كونية أزلية مقدسة، كما يدعي أصحاب الخطابات “الدينية” المتعالية، وبين لغة “دنيوية” دونية لا حمولة لها غير حمولة التواصل “السفلي”.


وعن أقرب الدوارج إلى اللغة العربية، قال جحفة في حديث لـ”الاستقلال”، إننا عندما نتحدث عن الدوارج، نقارنها دوما بالعربية المعيار (أو الفصحى). وعندما نقارنها نبحث عن درجة قرب الدارجة من الفصحى؛ وربما نستخلص أن هذه الدارجة لها أهمية لأنها الأقرب، والأخرى ليست كذلك لأنها الأبعد.

أتى المؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي في كتابه “الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية” بآراء بعض رحالة القرن التاسع عشر، “هناك من يقول إن عربية أهل المغرب لا تختلف كثيرا عن الفصحى المتحدث بها في المشرق. وهناك من يقول إن عُشُرَ الألفاظ المستعملة في العامية المغربية لا يوجد في قواميس اللغة العربية.


وهناك من يُقِرُّ بأن عربية أهل فاس هي الأقرب للفصحى. الرحالة شارل دي فوكو يؤكد أن نسبة الألفاظ الدخيلة على العربية المغربية أكثر بكثير من نظيرتها الجزائرية، ولا يفصح دي فوكو عن العربية التي يعتبرها مرجعية أو معيارية. “نظرية القرب” هذه قديمة وتتضمن أحكاما مبنية على الملاحظة غير العلمية”.

تساءل جحفة عن الغرض من بناء ترابطات من هذا القبيل، ترابطات مبنية على “نظرية القرب”؟ إذا كان الغرض من هذا طرح إشكال تطور خصائص اللغة العربية، فهذا يبدو مقبولا. لكن، إذا كان المراد إنشاء سلم تفاضلي، الغرض منه تمهيد سبل الانتشار، فهذا أمر مزعج، يقول جحفة.


  • هل فعل الاستعمار فعله؟

“إن العرب هم أقل استقرارا من الأتراك؛ وإذا عولج أمرهم بصورة صحيحة فإنهم يبقون في حالة من الفسيفساء السياسية؛ مجموعة دويلات صغيرة يغار بعضها من بعض؛ غير قادرة على التماسك.. وإذا تمكنا فقط من أن ندبّر جعل هذا التغيير السياسي عنيفا؛ فسنكون قد ألغينا خطر الإسلام بجعله منقسما على نفسه”، الكلام هنا لمدير الاستخبارات العسكرية البريطانية في القاهرة سنة 1916.

كانت هذه استراتيجية بريطانيا خلال الثورة العربية الكبرى، بحسب الوثائق البريطانية المنشورة.


الاستراتيجية نفسها اتبعتها إسبانيا وفرنسا في الدول المغاربية وشمال إفريقيا عموما، بحسب دراسات كولونيالية وردت عند كثير من الرحالة والمستكشفين الاستعماريين في وصفهم للوضعية اللغوية بالدول المغاربية.

لا بد من استحضار أن العربية نفسُها وافدة، ووفدت إلى المغرب عبر مرحلتين، مع تأسيس دولة الأدارسة، ومع الهجرات المشرقية الكثيفة في عصر الموحدين بالخصوص. وعندما وفدت خضعت للتأثير الأمازيغي، بالخصوص.


قبل وصول الإسلام، كانت اللغة المنتشرة في المنطقة هي الأمازيغية، ونعثر بجانبها على رومانية إفريقية (ناشئة عن لاتينية متأخرة) كان يُتكلَّم بها في بعض المراكز الحضرية، وخاصة الساحلية منها، واستمرت كلغة إدارة. ولهذه اللغة رواسب في بعض لهجات شمال المغرب.

لكن أهم الآثار التي تعرضت لها العربية المغربية آتية من الأمازيغية، حسب تصريح عبد المجيد جحفة لصحيفة الاستقلال، رغم أن الدارسين لا يتفقون حول طبيعة هذه الآثار، ونجد أحيانا آراء متباينة في هذا الصدد. أما اللغات الأجنبية فمن المؤكد أنها أثرت خلال القرنين الماضيين؛ وهو تأثير فرنسي في الوسط والجنوب، وإسباني في الشمال والشمال الشرقي، وفي جزء من الجنوب. وهذا أمر يمكن توضيحه من خلال المقترضات.


لم يخضع المغرب للحكم العثماني، ولذلك تندر المقترضات التركية في العربية المغربية مقارَنةً بالعربية المصرية، مثلا، لكن وصلت العربيةَ المغربية بعضُ المقترَضات التركية.

الفرنسية مارَست تأثيرا كبيرا لتشجيع الدولة المبالَغ فيه، بل لتبنيها لها، وهو ما أنتج في المجتمع ظاهرةَ الانتقال بين اللغات (code-switching): الجمل تأتي متضمنة خليطا من الكلمات من العربية المغربية ومن الفرنسية. وبرزت مؤخرا ظاهرة اقتراض الفعل من الفرنسية وتصريفه وفق نظام تصريف العربية المغربية.


ورأى الباحث اللغوي المغربي أنه لا ينبغي أن نثق في الإعلام وفي الإعلانات التي تشجع الفرنسية، وتشجع العربية الخليط. وأوضح أن السياسة اللغوية المتبعة في بلاده تتمثل في التمكين للغة الفرنسية، رغم أنها ليست لغة رسمية ولا وطنية؛ ولا ترد في الدستور.

  • عقدة التفوق

اتجه الفيلسوف المغربي، محمد عابد الجابري، في منتصف سبعينات القرن الماضي لبلورة أطروحة تتجه لترسيخ التقابل والاختلاف بين مشرق، يهيمن فيه وعليه فكر الغزالي وابن سينا، ومغرب تمنحه العقلانية الرشدية والواقعية الخلدونية خصوصية ترفع مكانته الرمزية في تاريخ الفكر الإسلامي في عصورنا الوسطى.

العلاقة لم تكن متساوية بين المشرق والمغرب، حسب المفكر والأديب بنسالم حميش، الذي حل ضيفا على برنامج “المشاء” على قناة “الجزيرة” للحديث عن الموضوع، والتاريخ يتحدث عن الكثير من الأعلام المغاربة، مثل الشيخ الأكبر ابن عربي وابن خلدون وعبد الله كنون.


قال المفكر إن عقدة التفوق مارسها المشارقة على هذه الأسماء، “مدعين أنهم كانوا سباقين إلى أمور كثيرة، في حين أن هذا غير صحيح”، بحسب حميش -وزير الثقافة السابق في المغرب- فالمغاربة في مجال الفلسفة لديهم أهم الأسماء وأكبرها، مقدما مثالا بترجمة مغاربيين للفلسفة الأوروبية وإيصالها للمشرق. وكذلك في الشعر والنثر، وكانت لهم رؤية أشمل للكتابة باللغة العربية.

“جحود المشارقة” كما وصفه المفكر، شهده الفقيه والسياسي والأديب المغربي عبد الله كنون في القاهرة، جعله يكتب مؤلفه “النبوغ المغربي” للتعريف بالتراث المغربي في مجالات الشعر والنثر والحكايات.


  • إقصاء أم تميز؟

لا يخفى على متابع تأثر المغاربة بالمشارقة بالسلفية والقومية، مثلا لكن بعض الدول المغاربية بدأت تنفصل عن المشرق وتجدد خطابها وتركز على خصوصيتها الثقافية. هذا الانفصال في التوجه الفكري وكذا القرار السياسي يراه المؤرخ المغربي حسن أوريد جسر عبور للاستمرارية والاستقرار (3).

يوجد في المنطقة المغاربية قطب أساسي من أقطاب التحديث في العالم العربي بعد إسطنبول والقاهرة، وهو تونس التي كانت المبادرة في عملية الإصلاح والتحديث، وكان لها الدور الكبير في التأثير في محيطها المغاربي، وخاصة المغرب والجزائر، حسب كتاب “الحركات الإصلاحية وإصلاح نظم الدولة في البلدان المغاربية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين”.


بدأت عملية الإصلاح في مصر على عهـد محمد علي، وإصلاحات ابنه إبراهيم باشا في الشام. وفي تونس على عهد البايات المصلحين (أحمد باي، ومحمد باي، والصادق باي)، وبدأ الإصلاح في إسطنبول مع الإعلان عن ميثاقين رئيسيين: ميثاق خط شريف كلخانة الصادر سنة 1839م، وميثاق خط همايون الصادر سنة 1856م.

كان لإصلاحات محمد علي في مصر أثر كبير على مجهودات الإصلاح في تونس وباقي البلدان المغاربية بفضل الروابط القوية التي كانت بين مصر وتونس وكذلك البلدان المغاربية، والتي ساهمت فيها بشكل كبير اللغة المشتركة، إضافة إلى ما كانت تمثله مصر باعتبارها نقطة عبور وطريقا رئيسيا نحو الحج، حيث كان الحجاج المغاربيون، وخاصة العلماء منهم يستغلون هذه الرحلة لزيارة نظرائهم من رجال علم.


بدأ المغاربة يتفاعلون بشكل قوي مع تطور الأحداث في المشرق مع بداية القرن العشرين، نذكر من بينها تفاعل النخبة المغربية مع ثورة كمال أتاتورك كما هو الحال في العالم العربي، حيث كان تأثيرها كبيرا عليهم، باعتبارها نموذجا يجب أن يحتذى به.

المؤرخ والمفكر المصري محمود إسماعيل له رأي مخالف، إذ اعتبر أن العالم الإسلامي مرذَ بصيرورة تاريخية موحدة لم تستثني بلاد المغرب، وبالتالي فهي فلم تتمتع بخصوصية مزعومة إلا في خيال المستشرقين ومن أخذ عنهم من المغاربة المحدثين، الذين طرحوا مفهوم (القطيعة) بديلا للتواصل بين المشرق والمغرب.


ووصف المفكر المتخصص في التاريخ والحضارة الإسلامية، هذه الدعوى بـ”الباطلة”، معتبراً أنها من نسج خيال مؤرخين فرنسيين كانوا في الأصل من رجال الإدارة الاستعمارية خلال فترة الاحتلال، منهم جوتييه وهنري تيراس وشارل أندريه جوليان كرد فعل لجهود العرب المشارقة.

وذكّر المفكر بدعم السياسيين في مصر لزعماء الحركات الوطنية المغربية خلال حروب التحرير، وأشار إلى وجود شريحة (مفرنسة) من المغاربيين تعمل عملها لتكريس (القطيعة) المزعومة.


الإنصاف يقتضي الإشادة والتنويه بالغالبية العظمى من تلك النخبة المغاربية التي تطرح الهوية المغاربية العربية الإسلامية باعتبارها حقيقة تاريخية واقعية تلعب دورا مهما في التصدي لمدعي (القطيعة) على الصعيد المعرفي، وتعمل جاهدة على توطيد (التواصل) الفكري مع المشرق العربي، خصوصا بعد طرد الاستعمار وتعريب التعليم والنظم والإدارة، بحسب محمود إسماعيل.


  • المصادر:

1- الجزيرة العربية في الوثائق البريطانية

2- أوريد: المغرب يدلف إلى الحداثة .. والدين يشد لُحْمة المجتمع

3- الثقافي والسياسي في عملية التحديث في البلدان المغاربية

4- تاريخ المغرب الإسلامي في كتابات المشارقة بين الإحجام والاهتمام


صحيفة الاستقلال 

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى