سعيد يقطين: التقنية الجديدة أبرزت «النص المترابط»

«الاهتمام بالثقافة الرقمية يسهم في تطوير المجتمع التقليدي»

0

 

على مدى سنوات شكَّلَ التراكم النقدي المتميز للدكتور سعيد يقطين واجهة فاعلة في حقل الدراسات الأدبية المعاصرة، كناقد وباحث مغربي مهم، وخصوصا عبر كتبه الكثيرة التي باتت مراجع للمعرفة النقدية لدى الباحثين وعموم القراء، وأبرزها «القراءة والتجربة» (1985)، و«تحليل الخطاب الروائي» (1989)، و«آفاق نقد عربي معاصر» (2003)، و«السرديات والتحليل السردي» (2012)، و«قال الراوي» (2018). وفي حوار أجرته معه «الجريدة» من القاهرة، قال يقطين، الذي دخل عالم «الرقمنة» عبر مصطلح «النص المترابط»، إن الاهتمام بالثقافة الرقمية يسهم في تطوير المجتمع التقليدي، كما أن الثقافة العربية الإسلامية يمكن أن تغتني أكثر بتوظيف المنجزات الرقمية، وفيما يلي نص الحوار:

● بعد مسار علمي طويل وغني ومتنوع في مجال السرديات وتحليل الخطاب، دخلت عالم الرقمنة عبر مصطلح “النص المترابط”، فهل يعني ذلك بداية مرحلة جديدة أم ماذا؟

– لاحظ الكثير من القراء بعد صدور كتابي الأول حول الثقافة الرقمية (2005) انحرافاً عن المجال الذي اشتغلت به منذ بداية الثمانينيات إلى بداية الألفية الجديدة، لكن الواقع أن الاهتمام بالثقافة الرقمية ما كان ليتأتى لي لولا الاختيار النظري والتطبيقي الذي كرست له حياتي فأول درس جاءت به الحقبة البنيوية، في تصوري، هو منحها “السرد” بعداً شمولياً فهو موجود في كل شيء، فكما يمكن أن يقدم شفاهة، أو كتابة، وغيرهما، يقدم من خلال الوسائط الجديدة.

كما أن الدرس الثاني الذي استفدته من البنيوية هو ممارسة البحث العلمي في الدراسة الأدبية، ومن هنا وقع اختياري على السرديات. وهذه السرديات التي اشتغلت بها على الرواية، والسرد العربي القديم، هي التي أتاحت لي فرصة الانفتاح على أنواع سردية أخرى تتحقق من خلال الوسيط الجديد.

  • مضاعفة التأخر

● ألا ترى أن الانتقال من النص الورقي إلى الرقمنة في ظل مجتمع غير قارئ، أمر سابق لأوانه؟

– لا أتفق مع هذا التبرير لأنه يسهم في مضاعفة التأخر عما يتحقق عالمياً فالمجتمع التقليدي يمكنه أن يتطور إذا أولينا عناية خاصة للثقافة الرقمية، وعملنا على توسيعها لتشمل مختلف جوانب الحياة أما النجاح فهو رهين بكيفية ممارسة التربية الرقمية، وتطوير مناهج التعليم للاستفادة منها.

  • التقنية الجديدة

● هل “النص المترابط” داخل هذا الاجتهاد المحمود، هو ممارسة آلية، أم فاعلية إبداعية، وكيف يمكن تعليل ذلك؟

-عطفاً على جوابي عن السؤال الأول، أؤكد أنني انتقلت من البحث في الخطاب، إلى النص المترابط وهذا النص الجديد ما كان ليبرز لولا التقنية الجديدة التي مكنت من تجاوز الكثير من الإكراهات التي ظلت تصاحب النص الورقي ولقد خلقت الآلة فاعلية إبداعية جديدة تسمح بتجاوز النص المكتوب إلى توظيف تقنيات الصوت والصورة إلى جانبه وبذلك فهي تفتح إمكانات هائلة للإبداع، وتعطي للمبدع وسائل كثيرة حاول بعض الشعراء أن يقدموا لنا إلى جانب الديوان شريطاً صوتياً، وكان في هذا نوع من الاجتهاد.

  • المعرفة الإنسانية

● قلت بأن النص المترابط يؤوب في تطوره لفتوحات المناهج السابقة، خصوصاً المنهج البنيوي، وأشدت بدوره في اجتراح فنون وأنواع أدبية أخرى، كيف يمكن تفسير ذلك؟

-لقد لعبت اللسانيات دوراً كبيراً في المعرفة الإنسانية، ولعل هذا ما يسر تحويل نتائجها مع التكنولوجيا الجديدة. وكما قامت البنيوية بدراسة وصفية دقيقة للأدب، يمكن تطبيق إجراءاتها من أجل فهم النص المترابط فهما يتناسب مع توظيفه وسائط متعددة، من خلال الاستفادة من العلوم التي تحققت في المرحلة البنيوية مثل السيميائيات، والسرديات، ودراسات الصورة والصوت، وما يتحقق الآن مع العلوم المعرفية وغيرها.

  • الوسيط السابق

● حديثك عن كون الممارسة الرقمية قد تخلق طفرة حداثية وتردم الهوة بيننا وبين الغرب، ألا يكون دعوة لنفي تاريخ طويل من ثقافة النّسْخ كممارسة يدوية جمالية، وإلغاء الكتابة كمكون تاريخي للثقافة العربية الإسلامية؟

– لا يلغي أي وسيط جديد منجزات الوسيط السابق إنه يضمِّنها ما تسمح به التقنيات الجديدة التي جاء بها، فالخط والكتابة يمكن أن يقدما من خلال الوسائط الرقمية وما تتيحه هذه الوسائط الجديدة من إمكانيات على المستوى الفني والجمالي يفوق بكثير ما تحقق بواسطة الأدوات التقليدية ويكفي أن ترى الحزمة المكتبية لتجد أغلب الخطوط العربية متوافرة، وهي تسمح لأي كان أن يوظفها. إن تاريخ الثقافة العربية الإسلامية يمكن أن يغتني أكثر، وتتطور نظرتنا إليه بتوظيف المنجزات الرقمية.

  • الثقافة الرقمية

● مع انتشار “كورونا” يتجه العالم للتعلم عن بُعد، وسبق أن تنبأ المفكر النمساوي إيفان إيليش في كتابه “مجتمع بدون مدرسة” بوباء يعزل المجتمع ويلغي دور المدرسة.. فهل يعزز الوضع الراهن الثقافة الرقمية؟

-يتأكد من خلال هذا السؤال أن كل التشكيك في قيمة الثقافة الرقمية، بدعوى الأمية، والفقر، لا مبرر له في الوطن العربي، إن الثورة الرقمية تعبير عن مرحلة جديدة في تاريخ البشرية، وأي تردد في التعامل معها بجدية على مستوى الدولة ومختلف المؤسسات والأفراد والجماعات لا يمكن إلا أن تكون له نتائج سلبية، ما كان علينا أن ننتظر وباء كورونا لنهتم بالتعليم عن بعد، والمحاضرات عن بعد، إن الانخراط في العصر الرقمي مطلب حيوي، وها هو الآن يفرض نفسه علينا لكن لو هيأنا أنفسنا منذ زمان لهذا العصر لما طرحت علينا مسألة التعليم عن بعد المشاكل التي نتخبط فيها الآن. إن دور المدرسة، والمعلم، والباحث، قائم أبداً، وفي كل العصور السابقة، لكن هذه الأدوار تتغير حسب الوسائط ويفرض العصر الرقمي رؤية جديدة للمدرسة، ولثقافة المعلم، ولكيفية تقديم الدروس، وما شابه ذلك ومن دون هذا التجديد، والعمل من أجل التطوير لا يمكننا أبداً الاستفادة من الثورة الرقمية في أي مجال من المجالات.

العصر الرقمي يفرض رؤية جديدة للمدرسة ولثقافة المعلم

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.