جماليات “الهايكو العربي” عند الشاعر المغربي “سامح درويش”

0

 

تدريجيا تكتسب الذائقة الشعرية المغربية والعربية بعدا جماليا جديدا، كان إلى وقت قريب يكاد يكون مغيبا أو منعدما كليا، ويتجلى هذا البعد الجمالي في شعر الهايكو، الذي يكسب يوما بعد يوم عشاقا له على امتداد الوطن العربي من الماء إلى الماء، ويتجلى هذا العشق في نصوص تظهر هنا وهناك، على الشبكة العنكبوتية أوفي مجاميع شعرية، أوفي ملفات خاصة في مجلات أدبية متخصصة، نصوص يدبجها مبدعون، افتتنوا بهذا النوع من الشعر القادم إلينا من سفوح أرض اليابان وجبالها، محملا بعبير أزهارها، وأنفاس نسيمها، ومبتلا بندى طبيعتها الغناء.

ولم يكن المغرب ببعيد عن هذا الجو الإبداعي الجديد، إذ يعد شعراؤه من السباقين إلى احتضان بتلات شعر الهايكو، ومداعبة وريقاته يانعة الخضرة، ولا أدل على ذلك من أنطولوجيا شعر الهايكو التي أنجزها غاليري الأدب، وضمت نصوصا عربية لمبدعين تجاوزت جغرافيتهم الوطن العربي.
ومن بين الشعراء المغاربة الذين رسخوا أسماءهم كعشاق لهذا الفن الجميل شاعر الهايكو سامح درويش، الذي أصدر في هذا الصدد مجموعتين شعريتين، اخترنا التوقف عند إحداهما لتأمل بعض قصائدها، ومن ثمة ملامسة ملامح كتابة قصائد الهايكو فيها.
إن المتأمل في ديوان “خنافس مضيئة” للشاعر سامح درويش سيلاحظ لا محالة أن قصائده -كما هو معروف في شعر الهايك- قد ارتوت من بحيرة الطبيعة، فجاء حقلهاا الدلالي محتفيا بمعجم الطبيعة، موظفا مفرداتها، ومنغمسا في أجوائها، حتى ليخال القارئ نفسه متجولا في حديقة غناء، تزيده مظاهرها جمالا كلما أمعن فيها نظرا، يقول الشاعر:

أمَامَ المِدْفَأة ، 
شجَرةُ اللّوْز تُظلّنِي 
حتّى وهيَ تحْترِقْ.

يا لجمال هذه الشجرة، التي تستمر روحها في أداء وظيفتها الأصلية، رغم الاحتراق الذي ابتليت بها، إنه تعبير صوفي عن حب الشجرة، التي لا ينتهي نفعها من الوجود، رغم قسوة المصير الذي يتعقبها بدون رحمة ولا شفقة، والأجمل من ذلك أنها شجرة لوز، وللقارئ أن يتخيل تلك الشجرة وهي مكللة بتاج أزهارها بعيد فصل الربيع بقليل، إن رؤيتها وحدها تكفي لتشكيل قصيدة هايكو شديدة البهاء.
وانسجاما مع الحضور القوي لمعجم الطبيعة، نلمس طغيان لفظة الماءْ أو ما يدل عليها على امتداد قصائد الديوان، فالماء منبع الحياة، والضامن لاستمرارها، وبفقدانه تفقد الطبيعة علة وجودها، وأكاد أقول إن القصيدة نفسها ماء يسري في عروق الشاعر، ينعش قلبه، ويحفزه على العطاء، ليستمر ألق القصيدة متأججا في النفوس، يقول الشاعر سامح درويش:

حجَرة الوادِي الملْساءْ،
ما صقَلَها
غيْرُ حنَان الماءْ.

يا لهذا التصوير الجميل للماء، ذلك الساحر، الذي يخرج الحي من الميت، هذا الماء الذي لا يكتفي ببعث الحياة في النبات والإنسان والحيوان، بل يتعدى ذلك إلى الجماد كذلك، حين تعمد يده الخفية إلى صقل صخرة الوادي بإتقان، ينحتها بإزميل الصبر والبهاء، صانعا لوحته الصقيلة على مهل، فتنطق الصخرة جمالا، ونظفر نحن القراء بأجمل القصائد وأبهاها.
ويستمر احتفاء الشاعر بالماء بعده الواقعي والرمزي في قصائد الديوان، جاعلا منه مفتاحا لفهم القصيد، يتعاطى معه كرمز محمل بجملة من الدلالات، يقول الشاعر:

النّافُورَة، 
يالَلْمَكِيدَة
لِتَعْذيبِ المَاء. 

في هذه القصيدة نلمس بعدا آخر في تعاطي الشاعر مع الماء، فيصور تدخل الإنسان، من خلال رمز النافورة، بكونه اعتداء على الماء، بل وعلى الطبيعة كذلك، إنها قصيدة لطيفة تصور محنة الماء، وهو يقوم بحركاته البهلوانية المكررة،  مرغما على أدائها، لإرضاء نزوات البشر الطائشة.. من منا فكر في ذلك؟، طبعا لا أحد.. وحده الشاعر يمتلك هذه الحساسية المفرطة، تجاه أشياء العالم من حوله، فيتلقى في أعماقه الإشارة، إشارة التعذيب الذي يمارس على الماء من خلال النافورة.

وإذا كان الماء شفافا لا لون له، فإن قصيدة الهايكو لا يكتمل جمالها بدون أن تتزين بجلال الألوان، حتى تكون انعكاسا وفيا للطبيعة، فالهايكو في أحد أوجهه شعر الطبيعة بامتياز، يكاد الشاعر ينقل تفاصيلها دون تدخل منه، أو هكذا يوهمنا على الأقل، خاصة حين يتمتع بموهبة خلاقة، تجعلنا نشعر حين نقرأ قصائده وكأنه يفتح أعيننا جيدا لنرى ما ألفنا مشاهدته، دون أن ننتبه إليه، فتصيبنا الدهشة، دهشة الخلق والإبداع، يقول الشاعر:

إلى قوْس قزَح 
يتَطلّع الفَتى الأعْمى،
بِعيْنيْنِ مفْتوحتيْن.

هكذا يصبح الأعمى أكثر قدرة على النظر، إنه سحر الشاعر والقصيد، إنه الهايكو، هذا الشعر الذي يتميز ببساطته المذهلة، التي تعيد الإنسان إلى سنخه الأول، قبل أن تطاله تعقيدات الحياة المكتسبة، فيتقبل الوجود كما هو دون وسائط أو تأويلات، تماما كما تنطبع تفاصيله على الحواس في أول التقاء بها، وهذا ما يفلح الشاعر في ترجمته في نصوصه بما قل ودل من كلمات، زاده في ذلك قلب مرهف، يستخفه طرب الطبيعة، حين يصغي إلى سمفونيتها الهامسة، ذات الانسجام البديع، فيترسخ عشقها في الوجدان، خاصة حين ينبت طحلب أخضر على ضفاف قلبه، المثقل بالحب والحنين للطبيعة، يقول الشاعر:

يا لَصُحْبَةِ الوَادِي !
علَى حَوافِّ قلْبِي أيْضًا 
طُحْلُبٌ أخْضَر.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.