عربُ ما بعدَ الحَجر الصحي !!

 

نُسجل بعد الفتح الذي أعقب الحجر الصحي الذي فرضه وباء كورونا؛ ملاحظاتٍ ووقفاتٍ إلزاميةٍ كثيرة، نُعزز بها الوقفات السابقة المبثوثة أسفل هذا المقال.

  أولى هذه الوقفات؛ تتمثل في توْقِ العرب الشديد إلى رفع الحجر الصحي والعودة إلى _الحياة الطبيعية_، ومصطلح “الحياة الطبيعية” هنا مصطلح مُضلِّل، فما يعتبرُه العرب “حياةً طبيعية” هو في الحقيقة حياة عادية روتينية. ليس فيها من الطبيعة شيء. فالذين أدمنوا الجلوس على المقاهي لساعات نهاراً وليلا؛ عانوا طيلة أشهر الحَجر من حرمانِهم من الجلوس في المقاهي، وعودتُهم الآن إليها هو الوضع الطبيعي بالنسبة لهم. وقس على ذلك كل أولئك الذين تحرروا الآن والتحقوا بما يعتبرونه حياةً طبيعية بالنسبة لهم.

العامُّ والمشترك بين كل هذه الفئات هو؛ توقهم الشديد لانقضاء الحجر. وقد كان؛ فماذا بعد ؟؟!!

نحن هنا عندما نتحدث عن العرب؛ فإننا نتحدث في العموم، أي الحالة الغالبة، رغم أن العالم كلُّه عانى من الحجر وتبعاته النفسية والجسدية والاقتصادية والاجتماعية. إلا أن العالَم بعد كورونا يقينا ليس كقبلها ولن يكون.

فهناك دول وشعوب بقدر ما كانت تنتظر انقضاء الجائحة ورفع الحجر؛ كانت أيضا تعمل وتجتهد لامتلاك أسباب قوتها وأمنها واستمرارِها بل وهيمنتها.

لقد شاهدنا مئات المعاهد والمختبرات والجامعات عبر العالم تتنافس في إنتاج اللقاحات وصناعة الأدوية والمعدات الطبية للفحص والوقاية.

  • شاهدنا أيضا دولا كثيرة استطاعت تحقيق الانتقال السلس والشبه الكامل للحياة الرقمية في الاقتصاد والخدمات والتعليم والإعلام و..
  • شاهدنا جميعا حجم البحوث والدراسات الأكاديمية التي تم إنتاجها وتحريرُها في غضون شهورٍ قليلة في كل التخصصات؛ في العلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم التجريبية.
  • بيانات غوغل  (الباحث التعليمي) طيلة فترة الجائحة وإلى اليوم؛ تُظهر حجم التداول الكبير جداً للمجلات والدوريات العالمية العلمية المُحكمة. إضافة إلى ملايين الكتب والمؤلفات والمراجع الإلكترونية التي تم تحميلُها في وقت قياسي. إضافة إلى مبادرات المكتبات العالمية الكبرى (أوكسفورد / كامبريدج) التي أتاحت كما كبيرا من مراجعها للطلبة مجاناً.
  • الحجر الصحي في دول مثل كندا والصين وبريطانيا وكوريا الجنوبية واليابان، كان فرصة لقطاعات كبيرة من الناس لقراءة وإعادة قراءة الأدب العالمي وتعلم اللغات وإعادة التوجيه الذاتي في المعارف والتخصصات .
  • عاينّا دولا تستثمر في الجائحة وتبيع الأدوية والمستلزمات الطبية لدولٍ عاجزةٍ؛ بأثمنةٍ لا تساويها؛ من خلال فواتيرَ ضخمةٍ ستوظَّف فيما بعد كأداةٍ للهيمنة والتحكُّم.
  • شاهدنا أيضا عجز الدول العربية ليس فقط عن الإنتاج والاختراع والمحاولة بل حتى عن الاستهلاك. بعد أن أٌلغيت الكثير من الطلبات العربية من الأدوية والمعدات بسبب الحاجة الملحة للدول المنتجة لها في عز دروة كورونا.

لقد ساهمت كورونا في تعميق معاناة العرب أضعافاً مضاعفة ولأجيالٍ عديدةٍ قادمة.  فإضافة إلى تراجع العرب اقتصاديا وتنمويا وتعليميا وديمقراطيا، جاءت كورونا لتزيد نسبة الاستدانة العربية من صناديق الاقتراض في العالم خمسة أضعاف على الأقل. لمواجهة الأزمات الاقتصادية المتتالية التي تواجهها بسبب الفساد وفشل السياسات الإصلاحية في القطاعات الحيوية، والركود العميق الذي أصاب الاقتصاديات العربية. فحسبَ WBG-Finances.  فمصر تجاوز دينها الخارجي 100 مليار دولار، يليها المغرب بدينٍ خارجي يناهز 60 مليار دولار،  وتونس 59 مليار دولار، الأردن بـ 43 مليار دولار…

هذه الديون ستزيدُ من الأغلال التي تُكبل العرب، وستجعلهم أكثر قابلية للهيمنة والتحكم، فلسدِّ هذا العجز في الموازنة؛ سيضطر العرب إلى انتهاج سياسات اقتصادية أكثر تقشفا، ما يعني أن الميزانية القليلة المرصودة للتعليم والصحة والبحث العلمي، ستتقلص أكثر فأكثر، ما يعني أجيالا أخرى من التجهيل والتفقير والتخلف.

ستستمر سُحب كورونا بالاتقشاع شيئا فشيئا لتكشف لنا عن عالمٍ متمايز بشكل واضح وصارخ، سيكون عالمُنا هذا؛ عالَميْن؛ عالمٌ أكثرَ تقدما وتحكُّماً وأنانية. وعالَمٌ محكومٌ أكثرَ تأخراً وتخلفاً ودونية. ويكفينا أن نتخيَّل حجمَ التغيير الذي ستُحدثه شبكة الجيل الخامس من تكنولوجيا الاتصال G5. لنفهم ما ينتظرُنا من تحديات وتحولات نحن العربُ بالذات وعلى وجه الخصوص.


 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.