علمُ المناعة والخوف من الجراثيم

 

وافت المنية أبا الطب بقراطا حوالي 370 ق. م، إلا أن وراء هذه الشخصية مَعينًا لا ينضب، شكله هذا الموروث الطبي، وهذه القيمُ الأخلاقيةُ التي غدت نواةَ الممارسةِ الطبية وعمدَتها على الصعيد العالمي. وقد ارتكزت مدونة الجمعية الطبية الأمريكية لأخلاقيات المهنة بشكل رئيس على الأفكار التي أخرجها بقراط لأول مرة إلى الوجود بما فيها التزامه بمبدإ “اجتناب ضرر” المرضى وحفظُ حالاتهم الطبية لتغدو سرية وآمنة.

غير أن المبادئ الأساسية لفلسفة بقراط في مجال الأمراض ستتراجع في الأخير وتتلاشى لتحل محلها نظريات جدٌدٌ بما فيها ذلك الفكرة التي تنص على أن الجراثيم والميكروبات تسبب المرض. أطلق عليها اسم “نظرية الجرثومة”، وهي فلسفة منطلقها أن العِلل (الأمراض) وليدةُ أجسامٍ ممرضة، تلج الجسمَ فتبدأ في التكاثر: فعندما تعتري الجسمَ “عدوى/ جرثومةٌ باردة” على سبيل المثال، فإن هذا الجسمَ قد يبدأ في اكتساب أنظمة باردة مع نموه التدريجي المتسم بالمرض والاحتقان. 

إنها إيديولوجيا وصلت الساحة الطبية بعد وفاة بقراط بزمن طويل، فاكتسبت زخمًا ونفوذا كبيرين في كافة ربوع أوروبا وأمريكا الشمالية ما بين 1580 و1920. وقد تمسك بها اليومَ كثيرون. وبالتباين الجذري عن فلسفة المرض الخلَطية التي عمَّمها بقراط وكثيرٌ من أتباعه، ستغدو نظرية الجرثومة أخيرا المعيار الذهبي للممارسة الطبية خلال القرن العشرين وما بعده.

كانت وراء الانتشار الواسع لنظرية الجرثومة عواملُ عدةٌ، لعل أبرزها تنكبُّها بنجاح كافةَ التفصيلات المعقدة المرتبطة بنظرية الأخلاط وغيرها من نظريات المرض العريقة التي تتطلب مستوى معينا من التفكير خارج “مربع” التفكير النقدي، وهو ما يعني تنكب الأطباء عددًا كبيرًا من العوامل المعقدة التي يمكن أن يكون لها إسهام في حصول مرض معين، كما يعني إغفالهم التفكير ولو بشكل خاطف في العناصر الخارقة للطبيعة المتأصلة في النظرية البقراطية. وباختصار، في تعاملنا مع الجراثيم، فإن الأمرَ في غاية البساطة؛ فقد تصيب المرءَ وقد لا تصيبه.

ساعدت نظرية الجرثومة في تراجع الأمراض إلى تلك التفاعلات البسيطة بين البكتيريا المجهرية والطفيليات. ودون الحاجة إلى الاهتمام الدقيق بالتأثيرات البيئية كالحمية، والمناخ، والتهوية، وغيرها من العوامل الرئيسة في الإدراك المبكر للصحة والمرض على السواء، نجد لها أعمالا منها بحث تاريخي بعنوان “العدوى: نظرات تاريخية في الأمراض والأوبئة” من منشورات جامعة هارفارد الأمريكية. 

والحق يقال، ظهر عدد كبير ومتنوع من نظريات الجرثومة في وقت مبكر دون توقع خلال القرن السابعَ عشرَ، وقد كسبت اللقب الرسمي بمئات السنين قبل التَّكرار الذي عتاده كثير من الناس اليوم، واستطاع نوابغ ذلك الوقت أن يساندوا ويدفعوا بهذه النظريات الدينامية إلى أن حققوا نظريةَ جرثومةٍ موحدةٍ تتماشى وتبدل المبادئ الاجتماعي. 

طُورت نظريةُ الجرثومة في بيئة اجتماعية، وثقافية، واقتصادية. وقد سلطت الضوءَ باطرادٍ على القيم الجماعية، والقيم الإنتاجية، والمعايرة، والكفاءة. وكلها مفاهيم توافق علمَها، كما توافق الشعبيةَ والتعميمَ، وهي نقطةٌ رئيسةُ بلورها بحث جامعة هارفارد باعتباره أحد الأعمال المنشورة في هذه النظرية كما سبقنا الإشارة.  

ومع السبب الجذري وراء كل الأمراض التي تم تبسيطها في أن الأمراضَ وليدةُ ولوج أجسام أو عوامل ممرضة الجسم، ستسهم المبادئ الرئيسة لنظرية الجرثومة في طرح أنموذج طبي جديد (Paradigm)، والذي سرعان ما غدا الأنموذج المعيار في علاج الأطباء مرضاهم، فكان تدبير الأعراض عن طريق استخدام العقاقير البتروكيماوية التي حصلت براءةَ اختراع. 

بزرت صِناعة الأدوية وعلم اللقاحات نتيجة نظرية الجرثومة، تلك النظرية القائلة بأن بإمكان الإنسان اكتساب مناعة ضد الأمراض وليدة الأجسام الممرضة، وذلك عن طريق زرق اللقاح. ويعتمد كلا المفهومين (الصناعة/ اللقاح) تصدي نظرية الجرثومة للطفيليات المعدية، ولذلك كان تركيزهما على العقاقير والزرق الكيميائية.

كان لـإدوارد جينر Edward Jenner الفضلُ الكبيرُ في تطوير أول لقاح في العالم؛ لقاح ضد الجدري: فخلال عصره (ق. 19)، كان هذا المرض متفشيا بين الناس عدا في أوساط الخادمات اللواتي يمتهن حلب الأبقار كما ورد في الأسطورة، وهن اللواتي كُنَّ يتعرضن بشكل اعتيادي لجدري البقر وذلك عن طريق احتكاكهن بهذه الحيوانات أثناء عملية الحلب. وقد افترض جينر أنهن يتمتعن بنظام مناعة استثنائي نتيجة ملامستهن صديد تلك الأبقار المصابة عند حلبها، وهو ما طبقه هذا العالم في التطور العلمي لأول تطعيم توافق عليه الحكومة للناس. 

اهتم جينر أيما اهتمام بالإمكانات المناعية في تعريض جسم الإنسان عمدا للمرض قصد إثارة استجابة مناعية، ومن ثم توليد مناعة طبيعية. وهو ما قاده إلى إجراء جملة من المناولات التي وظفها أخيرا للتحقق من نظريته. وقد أدرك أنه يمكن وبكل بساطة توليدُ مناعة ضد مرض الجدري، وذلك من خلال التعرض لهذا المرض بشكل طفيف. وهي الفرضية التي ستكسب المصداقية والاعتماد في العالم الناشئ؛ عالمِ التسويق التجاري للقاحات.

نشر جينر الشيءَ الكثيرَ من دراساتِ حالة ليتحقق العالم كلُّه مما توصل إليه، وقد مهَّد بحثُه هذا السبيلَ لتسمية هذه العملية الرائدة باسم “التطعيم”. ومن أبحاث جينر هذا، اُقتُبس بشكل وظيفي ملائم ما اصطُلح عليه في اللسان اللاتيني باسم Vacca  والذي يعني “بقرة”.

لم تكن أفكار جينر كلُّها بعيدةَ المنال من منظور مناعي، سيما إذا نظرنا حقا إلى أن بعض الروايات التاريخية حول المناعة يعود إلى سنة 430 قبل الميلاد. ونجد قبلَ جينر باحثير آخرين كثيرين افترضوا على النحو المطلوب أنه يمكن تجنب المرض عن طريق التطعيم على الرُّغم من بُدائيةِ أساليبهم، وضعفِ نجاعتها إلى حد كبير. 

سجَّلَ التاريخُ أن مزارعا بريطانيا يدعى بنجامين جوستي Benjamin Jesty  (1736 – 1816) اختبر لقاحه الخاص ضد الجدري على زوجته قبل عشرين عاما من تطوير جينر إصداره الخاص الأكثر شعبية إلى حد تفكير البعض في أن جوستي هو من يستحق الفضل الأكبر لكونه أول من ابتكر اللقاح الفعال ضد الجدري إذ نجح في علاج أهله وابنيه على السواء قبل عِقدين من طرح نظرية جينر في الساحة الطبية.

ولكن الشرفَ والفخر مُنحا أخيرا لجينر ليكون هو “الأب المؤسس” لعلم اللقاحات وعلم المناعة. ويعزو كثيرون ذلك إلى واقع الأمر بكونه الرائد في دراسة أمانِ لقاح الجدري وفعاليتِه موظفا في ذلك ما يعرف اليوم بالمنهج العلمي. وقد أكسبه تحسينه للقاح الذي تعود نواتُه لسلفه منزلةً محترمةً انعكست في مجتمعات تعليمية عدة في كافة أنحاء أوروبا.

يستحق الطب الصيني القديم بدوره الشرفَ والفخرَ من الريادة في علم المناعة، وقد أشارت سجلات القرن العاشر ومخطوطاته إلى أن أطباء الصين قديما كانوا يعالجون المرضى باعتماد المنهج الاستقرائي للمناعة، عرف ب “التطعيم” قبل ميلاد الطبيب جينر بقرون عدة. وعلى غرار لقاحات العصر الحديث، يقتضي المنهج ذاك إخضاع الناس لآفات المرض إما عن طريق العضل، أو عبر التجويف كي يكتشفها نظامُ المناعة، وهو ما عرف عند الإغريق بأسلوب “الإعفاء” من الأمراض.

ثمة حقا عاملٌ وراء غياب التطعيم خلال العصر القديم. وعموما، لم تتم معايرته أو توحيده بشكل صحيح مطلقا، كما باء بالفشل في كثير من الحالات. لقد حاولت الدولة العثمانية (الأتراك) تبني تقنية التطعيم بوصفها سبيلا لتلقيح مواطنيها ضد الأمراض المعدية كالجدري، ولكن انتهى الأمر بكثيرين منهم بمقاساة آثار جانبية شديدة، ومنهم من ذهب ضحية سوء تحضير اللقاح ومناولته.

كانت لجينر تحسيناتٌ عدةٌ لتلك الأساليب المبكرة، من خلال أعمال شملت اختبارا علميا واسعَ النطاق، وهو ما سمح له بتطوير ما يراه كثيرون في الوقت الراهن على أنه استثمار؛ تطوير أول منهجٍ في العالم مدعومٍ علميا لتلقيح الناس بأمان ضد الأمراض. وقد مثل هذا الإنجاز الرائد الدافعَ الرئيسَ في تبلور اسم جينر اليوم في السجلات التاريخية بوصفه العلَم البارزَ والرائدَ في علم المناعة. 


  • هوامش

1 . نسبة إلى الخلَط، لأن بقراط أقر بأن الجسم الإنساني تكونه أربعة أخلاط كما سبقت الإشارة. راجع الإحالة رقم: 22.

2 . تخليها عنها (تنكبَ الشيءَ: ضربه بمنكبه، والمعنى تخلى عنه ولم يعره أي اهتمام). 

3 . طبيب وعالم بريطاني (1749 – 1823). إليه يعود الفضل في اكتشاف أول تطعيم عرفته البشرية، ويتعلق الأمر بلقاح الجدري. وكان ذلك سنة 1796. 

4 . وثائق المجتمع التاريخي من بيت الدكتور جينر بيركلي Berkely– إنجلترا. 

5 . بضم الباء نسبة إلى البُداءة، أي الطور الأول من أطوار النشوء. وإذا قلنا “البدائية” (بالكسر)، كانت النسبة إلى البداية، وليست مقصودةً في هذا السياق. 

6 . تطلق على الزوجة. وكانت زوجة المزارع جوستي أول من طبق عليها لقاح ضد الجدري.  

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

تعليق 1
  1. ايت حميدوش لحسن يقول

    مقال يستحق*****
    حميدوش لحسن مر من هنا

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.