طرق الحج القديمة .. آثار لعصور إسلامية مزدهرة ‫

0

 

تولي السعودية عناية خاصة بمواقع التاريخ الإسلامي، سواء في مكة المكرمة والمدينة المنورة، أو المرتبطة بالسيرة النبوية وعصر الخلفاء الراشدين في جميع مناطق المملكة. ويأتي في مقدمة تلك العناية، الاهتمام بترميم وإعادة تأهيل طرق الحج القديمة في الجزيرة العربية، التي شكلت شبكة للتواصل الحضاري والاقتصادي والثقافي قبيل الإسلام وبعده، وربطت بين الجزيرة العربية ومنافذها البرية والبحرية مع مدن القوافل والحواضر الأخرى في بلاد العراق والشام ومصر وجنوب شرق إفريقيا.. وخلال هذا التقرير نستعرض أهم طرق الحج القديمة.

  • درب زبيدة

يعد درب زبيدة من المعالم الأثرية المهمة في المملكة؛ وذلك لما يتميز به من قيمة ثقافية وحضارية عريقة في التاريخ الإسلامي، وكذا أهميته الاقتصادية في إنعاش الحركة التجارية منذ بزوغ فجر الإسلام الأول وفي عهد الخلفاء الراشدين مرورًا بالدولة الأموية والعباسية، حيث كانت تمر به قوافل الحج والتجارة من الكوفة في العراق إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ وهو ما جعله يشكل جسر اتصال بين العراق والمشرق الإسلامي وبلاد الحرمين الشريفين، وأنحاء الجزيرة العربية واليمن، إلى جانب التواصل بين المشرق العربي وإفريقيا غربًا.

وحظي طريق الحج الكوفي بعناية من الخلفاء والسلاطين والوزراء ومحبي الخير في العصور الإسلامية المختلفة، وخُطِّط مساره بطريقة علمية وهندسية متقنة، حيث حددت اتجاهاته، وأقيمت على امتداده المحطات والمنازل والاستراحات، ورُصِفتْ أرضية الطريق بالحجارة في المناطق الرملية والموحلة. وفي الوقت الحالي بذلت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني جهودًا كبيرة في الترميم والتسوير والتأهيل والتطوير والتنقيب عن آثاره بهدف تسجيل الموقع في قائمة التراث العالمي لدى منظمة اليونيسكو.

وسُمي طريق الحج من العراق إلى مكة المكرمة باسم «درب زبيدة» نسبةً إلى السيدة زبيدة بنت جعفر زوج الخليفة هارون الرشيد، لجهودها الخيرية وإصلاحاتها المتعددة على امتداد الطريق، ويرجع تاريخه إلى ما قبل الإسلام، وزادت أهميته مع بزوغ فجر الإسلام عندما أخذ في الازدهار بدءًا من عهد الخلافة الراشدة والحقبة الأموية، وبلغ ذروة ازدهاره في عصر الخلافة العباسية الأول، حيث أنشئت عليه المحطات والاستراحات، وزُوِّدَ بالآبار والبرك والسدود والقصور والدور والخدمات المتنوعة. وتولى المهندسون المسلمون رصف مسار الطريق وتمهيده وتسهيله وإزالة العقبات وإقامة الأعلام والأميال. وقد رصد الجغرافيون المسلمون 27 محطة رئيسة و27 محطة ثانوية على امتداد الطريق الرئيس المباشر إلى مكة المكرمة، وهناك محطات أخرى وبرك وآبار عديدة ومعالم على تفرعات الطريق الأخرى التي يمتد بعضها إلى المدينة المنورة.

ومن أبرز المحطات الرئيسة التي يمكن مشاهدة آثارها ومعالمها في الوقت الحاضر على درب زبيدة، موقع فيد الأثري في منطقة حائل الذي يعد أحد أهم المحطات الرئيسة على هذا الطريق، وموقع الربذة الإسلامي، ومعدن بني سليم وذات عرق، وغيرها من البرك والمحطات الرئيسة الواقعة على الطريق التي يبلغ عددها حوالي 54 محطة. وكان للسيدة زبيدة أعمال خيرية جليلة على امتداد الطريق وفروعه، ومن أهم أعمالها الخيرية التي تركت أثرًا كبيرًا في نفوس المسلمين في حياتها وبعد مماتها حتى اليوم إنشاؤها عين زبيدة، التي لا تزال آثارها ومعالمها المعمارية مشاهدة للعيان في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.

  • طريق الحج المصري

يضم طريق الحج المصري في منطقة تبوك ومحافظاتها عددًا من القلاع والحصون والمواقع الأثرية التي كانت شاهدةً على تاريخنا الإسلامي وشاهدة على نشوء الدولة السعودية وملحمة توحيدها وتأسيسها، حيث كان يسلكه حجاج مصر ومن رافقهم من حجاج ليبيا وتونس والمغرب العربي وإفريقيا.

وأسهمت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني في ترميم هذه الآثار وإعادة الحياة إليها على طريق الحج المصري بداية من حقل داخل المملكة وينتهي بمكة المكرمة والمدينة المنورة، وتوظيفها اقتصاديًّا وثقافيًّا وتسجيلها في قائمة التراث العالمي باليونيسكو.

ومن أشهر المواقع الأثرية على طريق الحج المصري؛ قلعة المويلح الأثرية التي أسست في عام 968هـ لحماية قوافل الحجاج عند نزولها إلى المويلح وحفظ أقوات الحجاج وأمتعتهم في القافلة وإدارة المنطقة، والحي التراثي بوسط مدينة ضباء الذي يمثل قلب المدينة الملاصق للميناء البحري ويضم مباني قديمة وساحات مفتوحة يعود كثير منها إلى منتصف القرن التاسع عشر ويمثل الجزء التراثي المتبقي من المدينة القديمة، وأيضًا قلعة الأزنم وهي موقع أثري شهير أُنشِئَ في عهد السلطان المملوكي محمد بن قلوون وأُعيد بناؤه في عهد آخر سلاطين المماليك قانصوه الغوري عام 916هـ، وكانت هذه القلعة محطة رئيسة على الطريق لحفظ الأمن وودائع الحجاج القادمين على طريق الحج المصري والمواد التموينية التي تبعث لهم لاستخدامها في طريق العودة، إضافة إلى موقع الآبار السلطانية بوادي ضباء، وموقع الآبار السلطانية بوادي عنتر.

  • طريق الحج البصري

يبدأ هذا الطريق من مدينة البصرة مرورًا بشمال شرق الجزيرة العربية عبر وادي الباطن مخترقًا مناطق صحراوية عدة أصعبها صحراء الدهناء، ثم يمر بمنطقة القصيم التي تكثر فيها المياه العذبة، وبعدها يسير الطريق محاذيًا طريق الكوفة – مكة المكرمة حتى يلتقيا عند محطة أم خرمان التي تقع على مسافة عشرة أميال من موقع ذات عرق.

ويوجد على امتداد طريق البصرة 27 محطة رئيسة، تقع حاليًّا ضمن حدود الأراضي العراقية والكويتية والسعودية، ويمر بعدة قرى ومنازل للمياه منها جديلة فالدفينة وبقبا ومران حتى يصل إلى أم خرمان «أوطاس» شمال شرق مكة المكرمة.

ومن أهم المواقع الأثرية على الطريق؛ الآبار والسدود والقصور المهمة في منطقة القصيم، وأطلال قصر كبير مبني بالحجارة له بقايا عقود نصف دائرية في الأسياح وبالقرب منه آثار العيون والقنوات القديمة والبرك والسدود، وفي ضرية لا تزال آثار البلدة القديمة باقية، إضافة إلى بركة الخرابة الواقعة عند التقاء الطريقِ طريقَ الكوفةِ بالقرب من أم خرمان وذات عرق.

  • طريق الحج الشامي

يربط بلاد الشام بالأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وعرف باسم التبوكية نسبة إلى بلدة تبوك التي يمر بها، ويبدأ مساره من دمشق ويمر ببصرى الشام «درعا»، وبمنازل أخرى أهمها أذرعات، ومعان والمدورة «سرغ»، ثم يدخل أراضي السعودية ليمر على حالة عمار، ثم ذات الحاج بتبوك، ثم الأقرع، ثم الأخضر الذي تقع فيه محطة المحدثة، ثم محطة المعظم، ثم الحجر، ثم العلا ثم قرح. واهتم الخلفاء الراشدون والأمويون بعمارة الطريق الشامي فوضعوا العلامات والمنارات على طول مساره، وبنوا البرك والصهاريج والقنوات وجددوا المساجد. وسجلت المسوحات الأثرية على الطريق، وجود برك مياه، وبقايا قنوات، ونقوش كوفية تذكارية تركها المسافرون على الطريق، بجانب نقوش من العصر المملوكي تشير إلى ترميم بعض منشآته.

  • طريق الحج اليمني

منذ العصور القديمة وهو يربط بين اليمن والحجاز؛ لذا فقد تعددت طرق الحج اليمنية واختلفت مساراتها، وتعددت كذلك المدن التي تسير منها، ولعل أهم المدن اليمنية التي كانت تنطلق منها جموع الحجاج اليمنيين إلى مكة هي عدن، وتعز وصنعاء وزبيد وصعدة في شمال اليمن.

وكان حجاج اليمن يسلكون ثلاث طرق هي؛ الطريق الساحلي والطريق الداخلي أو الأوسط، والطريق الأعلى، ولكل منها محطاته.

  • طريق الحج العماني

كان يسلكه حجاج عُمان إلى المشاعر، فأحدهما يتجه من عمان إلى يبرين، ثم إلى البحرين، ومنها إلى اليمامة، ثم إلى ضرية وهي ملتقى حجاج البصرة والبحرين. كما كان بإمكان القوافل القادمة من عُمان اجتياز منطقة الأحساء لِتلتقيَ طريقَ اليمامةِ مكة المكرمة.

وأيضًا كان هناك طريق آخر لحجاج عمان يتجه إلى فرق ثم عوكلان، ثم إلى ساحل هباه وبعدها إلى شحر، ثم تتابع القوافل سيرها على أحد الطرق اليمنية الرئيسة المؤدية إلى مكة.

  • طريق حج البحرين «اليمامة»

يعد رافدًا مهمًّا من روافد طريق حج البصرة، لما له من أهمية؛ إذ إنه يعبر الأجزاء الوسطى من الجزيرة العربية، مارًّا بالعديد من بلدانها وأقاليمها، ويربط بين الحجاز والعراق.

وحظي طريق حج البحرين -اليمامة- مكة المكرمة، برعاية الدولة الإسلامية وخصوصًا توفير الخدمات المهمة، وحماية الحجاج السائرين عليه من أي اعتداء يقع عليهم من جانب قطاع الطرق. وكان طريق اليمامة يلتقي طريقَ حجِّ البصرة؛ إذ لليمامة طريقان إلى مكة المكرمة.


الفيصــل

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.