كَـذِبٌ بِـكَـذِب

0

 

حدثني محمد بن يسير عن والٍ كان بفارس قال:
بينما هو يوماً في مجلس، وهو مشغول بأمرِه، وقد احتجب بجهدِه، إذ نجم (دخل) شاعرٌ من بين يديه، فأنشدَه شعراً مدحَهُ فيه، وقرّظه (أثقنَه)، ومجّده.

فلمّا فرغ قال له الوالي: «قد أحسنت» .
ثم أقبل على كاتبه فقال له : أعطهِ عشرة آلاف درهم» .

ففرح الشاعر فرحا شديداً؛ فلما رأى حالَه قال: «وإني لأرى هذا القول قد وقع منك هذا الموقع؟ اجعلها ألفَ دينارٍ» .

فكاد الشاعر يخرج من جلده، فلما رأى فرحه قد تضاعف،
قال: «وإن فرحك ليتضاعف على قدر تضاعف القول؟ أعطه يا فلانُ أربعين ألفا» . فكاد الفرح يقتله.

فلما رجعت إليه نفسه – أى الشاعر – قال له:
«أنت، جُعلت فداك، رجل كريم؛ وأنا أعلم أنك كلما رأيتني قد ازددتُ فرحا، زدتني في الجائزة، وقبول هذا منك لا يكون إلا من قلة الشكر» . ثم دعا له وخرج.

قال: فأقبل عليه كاتبه فقال: «سبحان الله! هذا (يقصد الشاعر) كان يَرضى منك بأربعين درهما، فلماا تأمر له بأربعين ألف درهم» ؟

قال الوالي : «ويلك ! وتريد أن تعطيه شيئا» ؟؟؟

قال: «ولمَ أمرتَ له بذلك» ؟

قال: «يا أحمق، إنما هذا رجل سرّنا بكلام، وسررناه بكلام.

هو حين زعم أني أحسن من القمر، وأشدّ من الأسد، وأن لساني أقطع من السيف، وأن أمري أنفذ من السّنان هل جعل في يدي من هذا شيئا أرجع به إلى بيتي؟؟؟ . ألسنا نعلم أنه قد كذب ؟.
ولكنه قد سرّنا حين كذب لنا، فنحن أيضا نسرّه بالقول ونأمر له بالجوائز، وإن كان كذبا، فيكونَ كذبٌ بكذبٍ وقولٌ بقولٍ.

فأما أن يكون كَذِبٌ بصدقٍ وقولٌ بفعلٍ، فهذا هو الخُسران المُبين الذي سمعت به.
فلم ينل الشاعر من مدحِه ذاك فلساً واحداً


من كتاب: البخلاء للجاحظ

 

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.