سرديات

الكلام والخبر: مقدمة للسّرد العربي

 

  • – تـقـديــم

1- عندما كنت أشتغل بالرواية ، من خلال تحليل الخطاب ، ظهر لي أن الرواية الجديدة ، وهي تخرق قواعد بناء القصة ، أو تدخل تقنيات عديدة في تشكيلها ، لا يمكن أن تكون مجال الاستثمار الطبيعي للمعطيات الأساسية التي تساهم في تصور نظري عام للعمل السردي . كنت وقتها منشغلا بالخطاب والنص ، وأؤجل النظر أو البحث في القصة أو المادة الحكائية . ولما كان تشكيل التصور المتكامل لتحليل السرد مقترنا بالبحث في مختلف ما يتكون منه ، ارتأيت الانطلاق من المتن السردي العربي القديم . إنه من الغنى والتنوع بالقدر الذي يتيح لنا إمكانية معالجة الموضوع المؤجل بالصورة الملائمة .

وقع اختياري على السيرة الشعبية . وكان ذلك للاعتبارات التالية :

أ‌. أ‌. السيرة الشعبية عمل حكائي مكتمل ومنته ، وقدم لنا العرب من خلاله العديد من النصوص .

ب‌. ب‌. هذا العمل الحكائي يمتاز بالطول الذي يتيح له إمكانية استيعاب العديد من الأجناس والأنواع والأنماط .

ت‌. ت‌. إن له خصوصية يتميز بها عن غيره من الأنواع السردية العربية ، سواء من حيث تشكله أو عوالمه الواقعية أو التخييلية التي يزخر بها .

ث‌. ث‌. هناك العديد من النصوص العربية الحديثة التي تتفاعل معه ، بمختلف أشكال وأنواع التفاعل النصي .

دفعتني هذه الاعتبارا مجتمعة إلى الانكباب على السير الشعبية ، وجمع مختلف نصوصها ، والبحث عن النصوص المجهولة منها . وجعلت مقاصدي الأساسية من وراء الاشتغال بها تتحدد مما يلي :

1 . تعميق التصور السردي الذي أسعى إلى بلورته وأنا أبحث في السرد العربي الحديث ، وتطوير إجراءات البحث ، وتدقيق أدوات الاشتغال ، بالانتقال إلى الاهتمام بالسرد العربي القديم .

2 . إقامة علاقة بالنص التراثي العربي في مختلف تجلياته ومستوياته لأن السيرة الشعبية منفتحة على التاريخ والجغرافية ، ومختلف المعارف التي راكم فيها لعرب تصورات شتى ، وتركوا لنا بصددها أدبيات متعددة .

2 يسمح لي هذان المقصدان ، وما يتفرع عن كل منهما من مقاصد ، بتحقيق رغبة مزدوجة : ربط الهواجس العلمية ، بالمعرفة بالتراث العربي ـ الإسلامي . وهذه الرغبة المزدوجة ترتبط لدي ارتباطا وثيقا بمختلف الهواجس والانشغالات الثقافية والاجتماعية التي يمليها علينا العالم الذي نعيش فيه .

ذلك لأني أومن إيمانا قويا ، بأ، تطوير المجتمع يمر عبر تطوير مناهج تفكيرنا فيه ، وتطوير مداركنا ومعرفتنا به في صيرورته وتحولاته . كما أن تطوير معرفتنا بالمجتمع ، وبمختلف بنياته الفكرية والإبداعية يسهم في تطوير معرفتنا العلمية . واختيار السيرة الشعبية موضوعا للبحث والتفكير يستجيب في تقديري لأمور عديدة ، إذ علاوة على الاعتبارات السالفة ، أجد :

ا. أن السيرة الشعبية تنتمي إلى قطاع واسع من الإنتاج الثقافي العربي الذي ظل مهمشا ، ومغيبا من دائرة الاهتمام والبحث ، ولاريب في أن البحث في هذا النوع من النصوص المهمشة ، يفتح أمامنا آفاقا جديدة للتفكير في الذات العربية ، مختلف بنياتها الذهنية والفكرية .

ب . أن السيرة الشعبية ، كإنتاج ، كانت وليدة تفاعل يومي وتاريخي للمجتمع العربي مع العالم الذي كان يعيش فيه . ومن ثمة جاءت محملة بمختلف أ،واع الأحاسيس والانفعالات والرؤيات التي تمثل مواقف العربي من العصر ، والتاريخ ، والآخر . وبذلك فهي كما تنفتح على مختلف روافد التراث العربي ـ الإسلامي الذي كان يشكل قاعدة لها ، كانت تنفتح على موروثات الشعوب الأخرى وثقافاتها ، وخاصة تلك التي كانت على صلة وطيدة بها ( الروم / الغرب ) .

وهنا نعاين بجلاء مكمن خصوصية نص السيرة الشعبية العربية في تجسيده لمختلف التمثلات الوجودية والذهنية العربية ، للذات والآخر . وهنا أيضا سر بقاء العديد من تجسداته في نسيج المتخيل العربي ـ الإسلامي إلى الآن . لذلك ، فإننا لانبالغ إذا ما حاولنا التشديد على الأبعاد التمثيلية ، في هذا النص ، لمختلف ما يسكن الجسد العربي ، ويترسخ في الذاكرة العربية والوجدان العربي ، ويحدد مختلف أنماط التخيل والإدراك والسلوك لدى الإنسان العربي .

إن جزءا أساسيا من هذه الأبعاد يبرز لنا بأشكال متعددة في الحياة اليومية ، وبشكل جلي على صعيد النص الإبداعي العربي الذي يروم التفاعل مع هذه النصوص ، ويعيد إنتاجها بطرائق وصور شتى ، باعتبارها مصادر للإبداع والإنتاج والتخييل ، ومنابع لتجسيد مختلف الوشائج التي تصل العربي بتاريخه ، وما يمثله في حياته و واقعه ، وما يصعده من آمال ومطامح …

3حاولت لتجسيد جزء من المقاصد التي أرمي إلى تحقيق بعض منها من وراء الاشتغال بالسيرة الشعبية الانطلاق من مفترضين اثنين ، جعلتهما مدار أطروحة هذا العمل :

1. السيرة الشعبية نوع سردي له خصوصيته وتميزه عن باقي الأنواع السردية العربية . وفي هذا النطاق حاولت نقض التصورات النوعية السائدة لدى الباحثين العرب بشأنها ، والمتمثلة في كونهم يعتبرونها : ملحمة ، قصة بطولية ، رواية ،،، أو ماشاكل هذا من التسميات .

2. السيرة الشعبية نص ثقافي : ويتجلى ذلك في كونها ، وهي تتأسس نوعا سرديا له خصوصيته ن تنفتح على مختلف مكونات الواقع العربي ، وثقافته ، وتقدم لنا نصا يتفاعل مع مختلف ما أنتج الإنسان العربي في تاريخه .
هذان المفترضان حاولت الانطلاق منهما لدراسة السرد العربي من خلال السيرة الشعبية بهدف تجسيد مختلف البنيات الائتلافية والاختلافية التي تسم العام والمشترك ، والخاص والمختلف داخل النسق العام الذي يحكم مختلف هذه الإنتاجات وتجلياتها. وكان علي تبعا لذلك أن أقسم هذا البحث إلى تأطير وأربعة فصول :

ـ تناولت في التأطير التصور النظري الذي أنطلق منه لدراسة السرد ، وبينت حدوده وآفاقه ، ومعالمه الكبرى ، وخطوطه الأساسية .

ـ أما الفصل الأول فجعلته لرصد آراء القدماء العرب حول ما أسميته ” النص” و” اللانص ” ، متسائلا عن أسباب الاهتمام بنوع من النصوص ، وعدم الاهتمام ببعضها الآخر .

ـ وكان الفصل الثاني حول ما أنجز بصدد السيرة الشعبية فبينت الأسباب الأسباب الكامنة وراء الاهتمام بها في منتصف هذا القرن، ووقفت عند حدود إنجازاتها ، مع ما لها من أهمية ، محاولا تقديم تصور جديد لدراسة السرد العربي ينبني على أسس جديدة ومغايرة . واضطلع الفصلان الأخيران بتوضيح معالم هذا التصور .

ـ حاولت في الفصل الثالث الانطلاق من ” الكلام ” العربي كما تقدمه لنا اجتهادات مهمة يمكن استثمارها لتشكيل تصور متكامل للكلام العربي ، ولأجناسه وأنواعه ، وذلك انطلاقا من البحث فيه :

1. ) في ذاته . 2 .) في صفاته . 3 .) في علاقاته .
هذه الأسس حاولنا إعادة صياغتها في الفصل الرابع من خلال محاولتنا إقامة تصور لدراسة الأجناس والأنواع والأنماط . كانت نقطة الانطلاق التمييز بين المبادئ والمقولات والتجليات . وجعلنا كلا منها متصلا بقسم من أقسام الكلام ، فربطنا المبادئ بالتياث ووصلناها بالجنس ، والمقولات بالتحول ، وربطناها بالنوع ، وجعلنا التجليات ترتبط بالتغير ، ووصلناها بالنمط .

وانطلاقا من صيغ الكلام ميزنا بين ثلاثة أجناس للكلام العربي هي : الخبر والحديث والشعر . وانصب اهتمامنا على الخبر . فنظرنا إليه من حيث أ،واعه وأنماطه ، وحاولنا موقعة السيرة إلى جانب الخبر والحكاية والقصة ، باعتبارها من الأنواع الخبرية أو السردية الأصلية .

وبعد استعادة تصورنا السردي ، وبحسب المبادئ التي حددنا لدراسة الكلام ، جعلنا ” القصة ” متصلة بالمبادئ لأنها مأوى الجنس ، والخطاب متصلا بالمقولات ( النوع ) ، وكان النص مرتبطا بالتجليات ( النمط ) . ورأينا أن السرديات النصية لا يمكن أن تكتمل أو تتكامل إلا بمعالجتها السرد من حيث هو قصة ، من خلال ” سرديات القصة ” ، والسرد من حيث هو خطاب “سرديات الخطاب ” ، وقررنا تناول السيرة الشعبية من حيث هي ” قصة ” من خلال التركيز على ” الحكائية ” باعتبارها الخاصية التي بواسطتها تنتمي السيرة إلأى جنس الخبر أو السرد ، وجعلنا ذلك مدار كتاب آخر هو : ” قال الراوي ” (1997) .

يأتي هذا الكتاب ، كما يمكن أن يبدو ذلك للقارئ المتتبع ، امتدادا لكتابي ” الرواية والتراث السردي ” ( 1992 ) . إنه يسعى جاهدا للإجابة عن بعض الأسئلة التي طرحتها في خاتمته المفتوحة ، والمتعلقة بدراسة السرد العربي القديم . كما أنه من جهة ثانية، يأتي مقدمة لمختلف أبحاثي عن التراث السردي العربي ، وخصوصا ما تعلق منها بالسيرة الشعبية التي أبحث فيها من خلال بنياتها الحكائية والسردية والنصية . هذا البحث الذي أريده متكاملا ، ومنفتحا على مختلف القضايا والإشكالات والأسئلة التي تهم الإنسان العربي ، والثقافة الربية وفي مختلف الزوايا والمستويات ، لأ،ها تتصل بالعربي في ذاته ، وصيرورته ، وآفاقه .

 

سعيد يقطين

كاتب وناقد مغربي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، متخصص في السرديات العربية، أستاذ زائر بعدد من الجامعات العربية والغربية، حاصل على جائزة الشيخ زايد في الفنون والدراسات الأدبية، وجائزة الكويت للتقدم العلمي؛ نسخة 2023.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى