الرواية الطبية؛ بوادر وممارسات – رواية “سكيزوفرينيا” لعرابة أمينة أنموذجاً

0

 

تشكل اللغة بجميع صفاتها وأشكالها القناة التعبيرية التي يستطيع الإنسان من خلالها التعبير والتنفيس والتواصل مع الآخر وهذا لما تملكه اللغة من قدرة على الايحاء والتدليل في مختلف الموضوعات والسياقات والثقافات، فنجدها إما لسانيا عن طريق الصوت وإما سيميائيا عن طريق الصور و الألوان والإشارات ولكل من هذه الأنواع خصائص تتضافر لتكوين بنية دلالية تسعى جماليا أو نفعيا إلى تحقيق اللذة والمنفعة،

ومما تعرفه الثقافات في جميع مراحلها تكون أجناس تحدد وتنتظم اللغة في شكل قوالب جمالية لها شعريات مختلفة، تكون هذه القوالب نابعة من صميم الوعي الحضاري والطبيعة النفسية لأمة معينة، فبداية بالشعر الذي ظل ردحا من الزمن كيانا تجول فيه جميع المشاعر والموضوعات المتعلقة بالذات تحت قالب كما سلف الذكر خاص بلحظته التاريخية، نصل إلى الرواية والتي تعتبر الفضاء اللغوي المفتوح لجميع الأجناس السابقة في شكل تضايف لغوي وقواعدي من أجل الغاية المشتركة، فتعددت أشكال الرواية وثيماتها مرورا بالرواية التاريخية والواقعية والوجودية إلى الرواية العلمية الخيالية والرواية التفاعلية ،

كل هذه الأنواع استلهمت موضوعاتها من طبيعة الفكر والتحولات المعرفية التي مر بها تاريخ الفكر البشري، فكانت تمثل في وقتها التواشج والمواكبة، ومع ظهور العلوم البينية أو تضافر العلوم من أجل مقاربة الظواهر الثقافية واستدعائها لمفاهيم مختلفة من شتى التخصصات، ارتأيت أن أصطلح على تضايف علم النفس والرواية بمصطلح الرواية الطبية والتي أعرّفها على أنها اللغة النفسية التي يبتكرها اللاوعي في نشاطه الواعي والتي تصدر في شكل سرد يتصل بعوالم ممكنة تستند في تفاصيلها إلى ما تعمل تقنيات علم النفس إلى تفجيريه، أي أن هذه الرواية الطبية هي رواية نفسية وأحداثها هي نتاج لما تفعله أدوات الطب النفسي في الذات البشرية فتخرج أحداثها من منطقة اللاوعي وتترجم على شكل سرد طبي.

إن مشروع الرواية الطبية بدأت ملامحه تظهر في بعض الكتابات الروائية التي تستمد تفاصيلها من جلسات العلاج النفسي فيعمل الكاتب على تسريد المخرجات المكبوتة وترجمتها في شكل تحليلات سردية، قد يرى البعض أن ترجمتها يعتبر بعدا عن حقيقة الذات ولكن أقول إن التحليل النفسي للمقولات الذاتية النفسية وتبريرها ومعالجتها في شكل سردي جمالي يستطيع أن يحفر في ذات كل متلقى فيقف عند مشتركات ثقافية تسطيع لمس بعض المشكلات وحلها دون الإفصاح، ولعل طبيعة الفرد تميل إلى الكتمان والسر وهو الغالب على الفرد العربي بحيث تغيب عنه ثقافة الأخصائي النفسي وتقابله مفاهيم مغلوطة حول هذه الممارسة الصحية النفسية، ولعل ملامح هذا النوع أو التوجه الجديد في الكتابة الروائية التي تسعى لمقاربة موضوعات وأزمات لها صلة بالحياة اليومية له إرهاصاته وبوادره في الكتابة السيكولوجية والمنولوجية التي أخذت تنثر جذورها في الجسد الروائي ومع التطور العالمي والأداتي طفت الرواية الطبية في المشهدية السردية والتي نجدها متمثلة في رواية سكيزوفرينيا “الفصام” للكاتبة لعرابة أمينة
الرواية عبارة عن تشكيل تتبعي وصفي حفري لموضوع مهم جدا وهو موضوع يمس الفرد في مراحل تشكل ذاته واكتسابها السلوكيات والأفكار التي تنشأ وفقها، هذه التجربة السردية تعتبر خطوة نوعية في مجال الكتابة الروائية بحيث عملت الكاتبة على المزج بين الخيال والعلم وهو طريق له بعد جمالي وبعد نفعي عالجت الظاهرة بطريقة جمالية من أجل كسب القارئ في حين تقدم سلوك غير سوي قصد التعريف به، والحال كذلك طرق باب هذه المواضيع يحسب للكاتبة لأن المشاكل النفسية أصبحت الوجه الظاهر للفرد.

وتعتبر الرواية رواية طبية تخوض في مفاهيم علم النفس سرديا من خلال تفجير بنية اللاوعي في كيان لساني جمالي وتسعى بهذه الخطوة إلى معالجة الظاهرة وهي الانفصام بالتعريف بها والتعريف بما يؤدي إلى تبلورها في الذات البشرية، لقد استطاعت الكاتبة لعرابة من خلال هذا العمل تجاوز الثيمات الأدبية واتجهت للخوض في أعماق النفس بطريقة علمية.

قد يعترض البعض على اصطلاحنا الرواية الطبية داحضا مصطلحنا بسؤال كيف يتمازج العلم والأدب ؟ أو كيف نلاصق بين مجالين مختلفين ؟ طبعا السؤال مشروع والبحث في الفهم هو فهم أيضا ونجيب مستشكلنا الافتراضي بقولنا إن كل العلوم والخطابات خادمة الفرد والذات والكيان بمختلف أدواتها، ولا تتضارب الأهداف في تحققها وإنما الاختلاف في طرائق وأدوات الوصول الى الحقائق وهذا جائز ما دامت البيئات الثقافية مختلفة والحال كذلك سيغني هذا الاختلاف الدرس أو المشروع المنهجي، والرواية الطبية تضافر لجهود خطابين خطاب علمي نفسي وخطاب أدبي لساني واللغة مسكن الوجود والنفس والأحلام والرغبات والقيود ترسم جغرافية الروح بها ولما كان علم النفس معالجة لخيبات الذات تصدرت الرواية الطبية قائمة الأنواع التي احتضنت هذا السرد النفسي الطبي.

سيبقى مشروع الرواية الطبية مشروعا غريبا في الساحة الثقافية ما دام المنهاج العربي لا يبطن الثقافة النفسية في مراحل التنشئة وكذلك ما دام الأدب ينصرف إلى كل ما يتعلق بثيمات الواقعية المعاشة مخاتلا الحقيقة.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.