سرديات

جيرمينال شكير نصر الدين

سررت كثيرا عندما قرأت خبر صدور الراوية الرائعة «جيرمينال» للروائي الفرنسي زولا بترجمة شكير نصر الدين. لم يكن مصدر السرور ما ولده لدي الخبر، فقط، من حنين إلى المرحلة الثانوية عندما كنا ندرس هذه الرواية، ونتناقش حولها، ونستشكف جوانبها الأسلوبية واللغوية، وهي تنقلنا إلى أجواء فرنسا الغريبة عنا في القرن التاسع عشر.


كان مصدر الفرح الحقيقي إقدام شكير نصر الدين على ترجمتها. إن المجهودات التي يبذلها في الترجمة من الفرنسية نادرة جدا. ويكفي أنه أقدم على ترجمة كتابين مهمين وضخمين لباختين، وهما: «جمالية الإبداع اللفظي» و»أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وإبان عصر النهضة» بالإضافة إلى «الفرويدية» و»صمت الآلهة» لجلبير سينويه، بالإضافة إلى كتب نقدية، وروايات أخرى.


لقد اهتممت بباختين، وكنت أرى دائما أن الترجمات الجزئية لبعض أعماله لم تيسر لنا قراءته بشكل جيد، ولذلك اختصرناه في التعدد اللغوي، والحوارية، والكرنفال، ولم نلتفت إلى عمقه الفكري والفلسفي. إنني أعتبر باختين من أساطين كلاسيكية الفكر الأدبي في القرن العشرين. إنه مثل غولدمان، وأويبراخ، وسبيتسر، وجورج بوليه، وجان بيير ريتشار الذين أسسوا لتصورات جديدة ومتنوعة للتفكير في الأدب وقراءته.


عدت إلى ترجمات شكير نصر الدين حول باختين فرأيته دقيقا في الفهم، سليم اللغة، وهما العنصران اللذان نفتقدهما في الترجمات العربية المختلفة. لم ألتق شكيرا، لكني تعرفت عليه حق المعرفة من خلال اختياره للنصوص التي يترجم، والطريقة التي يشتغل بها، وهي التي أختزلها في «العاشق المحترف».


فهو يعشق النصوص التي يقدم على ترجمتها، سواء كانت إبداعية أو بحثية، ودون هذا العشق لا يمكننا ان نقرأ. هذا العشق يجعلنا نتعامل مع ما نقرأ بمحبة وتفاعل وعمق. وكل ذلك حين يتضافر مع معرفة اللغتين الأصل والهدف، وتكون الكتابة إبداعا لدى من يمارسها لأنه عاشق لها، عشقه للقراءة، لا يمكن إلا أن تكون مختاراته مفيدة للقارئ، وترجماته سهلة القراءة، عكس ما نجده في الترجمات المتسرعة السائدة التي تحول الرطانة اللغوية دون تحقيقها.

شكير نصر الدين سليل منجزات لما يمكن أن نسميه «المدرسة المغربية» في الترجمة. تبرز مميزات هذه المدرسة في أن المنتمين إليها «افتراضيا» ينطلقون من تقاليد لم تُعلَّم في «مدرسة» ولم يُخطط لها في «مشروع» تتبناه مؤسسة، أو تموله جهة رسمية أو مدنية، إنها وليدة تقاليد ثقافية تكرست في مغرب السبعينيات، بانخراط جيل كامل في تأسيس لثقافة جديدة، قوامها الجدية والعمق والصدق والتضحية.

شكير نصر الدين سليل منجزات لما يمكن أن نسميه «المدرسة المغربية» في الترجمة. تبرز مميزات هذه المدرسة في أن المنتمين إليها «افتراضيا» ينطلقون من تقاليد لم تُعلَّم في «مدرسة» ولم يُخطط لها في «مشروع» تتبناه مؤسسة، أو تموله جهة رسمية أو مدنية، إنها وليدة تقاليد ثقافية تكرست في مغرب السبعينيات، بانخراط جيل كامل في تأسيس لثقافة جديدة، قوامها الجدية والعمق والصدق والتضحية.


لم يكن يهم هذا الجيل الحصول على الجوائز، ولا تحقيق رغبات خاصة، كان عشق الكتاب، والعمل على نقل المعرفة الحقيقية هو ما يشترك فيه كل الذين خاضوا غمار الترجمة. هل أذكر بنعبد العالي، أو محمد البكري، وفريد الزاهي، أو محمد الوالي، ومحمد معتصم، في مرحلة، وفي أخرى، حسن بحراي، وسعيد بن عبد الواحد، وحسن طالب، وشكير نصر الدين؟ وأعتذر عن عدم ذكر الأسماء الأخرى التي هي وليدة التقاليد نفسها التي تعتبر الترجمة عملا مهما لا يختلف عن الإبداع أو البحث، إنها عمل يتطلب مجهودا كبيرا، واطلاعا واسعا بالموضوع المترجم، وبحثا موازيا يدفع في اتجاه عدم الاكتفاء بالاقتصار على النص المترجم، لذلك نجد في الترجمات هوامش، وتعليقات وإضافات تكشف للقارئ أن المترجم لم ينقل النص فقط، لكنه ينجز إلى جانبه النص الذي يمكّن من قراءته قراءة سليمة وواضحة.


تكرست هذه التقاليد في التأليف، وفي الترجمة، والإبداع أيضا في مغرب السبعينيات والثمانينيات، حين كان يجمع هذا الجيل هاجس الارتقاء بالثقافة المغربية لتحتل مكانة متفردة على المستوى العربي، وتكون بذلك في خدمة تطور المجتمع. كان الإبدال هو «التغيير» نحو الأفضل، وكان النقاش والحوار والاختلاف، والمحاضرات والأنشطة المسرحية والثقافية، وكانت المجلات ودور النشر التي يشرف عليها مثقفون، ولم يكونوا ينتظرون من الدولة دعما، ولا مساندة، بل كانوا ينتظرون منها فقط ألا تمنع قراءة شعرية، أو تحجز عدد جريدة.


تحولت أمور كثيرة منذ ذلك الوقت، وصارت الأمور الآن مختلفة أكثر. صار الدعم، وصارت المساندة، لكن القيم والتقاليد التي كانت مهيمنة لم يبق منها إلا القليل لدى فئات قليلة ومتفرقة من المثقفين الذين يشتغلون في منأى عن أي صخب أو طلب. أما السائد الآن فهو تقاليد أخرى لا علاقة لها بما كان سائدا. لقد انتقلنا من المثقف إلى الجامعي.


ورغم ما يمكن أن يجمع بين الجامعيين أكاديميا وعلميا نجدهم متفرقين، ولم ينجحوا في خلق إبدال يجمع ويوحد أعمالهم وانشغالاتهم. أسسنا فرقا للبحث ومختبرات ومراكز، لكنها بلا مضمون.

كانت تجمعنا السياسة، فتفرقنا. فلماذا لا يوحدنا الآن «مجتمع المعرفة»؟ السياسة عالم متقلب. أما عالم المعرفة فمتحول ومتواصل، ألا يمكن للمشتغلين في الترجمة وفق القواعد المغربية الأصيلة، أن يتوحدوا في رابطة، أو مختبر، ويسهموا في فتح نوافذ على العالم؟ ألا يمكن للمشتغلين في مختلف الحقول المعرفية أن يتوحدوا لإنتاج معرفة جديدة؟

جيرمينال شكير تأصيل لتقاليد أصيلة.

close

مرحبا 👋

قم بالتسجيل في النشرة البريدية لتتوصل بجديد مقالات منصة "بالعربية"، كل أسبوع.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

سعيد يقطين

كاتب وناقد مغربي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، متخصص في السرديات العربية، أستاذ زائر بعدد من الجامعات العربية والغربية، حاصل على جائزة الشيخ زايد في الفنون والدراسات الأدبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات