سرديات

السجل النصي والاستراتيجيات النصية والتعديلات التركيبية

  • تمهيد:

إن الرغبة في تجاوز ما أسست له الدراسات النقدية الكلاسيكية، حيث ركزت على المؤلِّف أولا، ثم النص ثانيا مهملة المتلقي، علما أن النص الأدبي يتشكل من هذا الثالوث، ويجب أن يتأسس مبدئيا على وجود أرضية مشتركة تفاعلية بينه وبين قارئه، وتكون هذه الأرضية بمثابة محفز للتواصل بينهما، وهو ما سماه فولفغانغ أيزر بالسجل النصي، حيث تَبَنَّى فكرة “سيرورة التفاعل القائم بين النص والقارئ من جهة، والتركيز من الجهة الأخرى على التمييز بين ما يعود إلى النص في هذه العملية، وما يعود إلى أفعال التحقيق التي يمارسها القارئ” [1]من خلال بناء نظرية التأثير.

إن التأكيد على العلاقة التفاعلية القائمة على تنظيم عناصر العمل الأدبي، تهدف إلى توريط القارئ فنيا، على اعتبار أن المعنى يتولد عن طريق فعل القراءة. وهو نفسه ما أقره جون بول سارتر حيث اعتبر القارئ مصدرا لتحقيق النص.

لعل عناصر السجل النصي لرواية (بين حياتين) للكاتبة عبير خالد يحيى، تثير إشكالات مرتبطة بالإنسان العربي (الرجل/ المرأة) والعلاقة التي تجمعهما في مواجهتهما لإكراهات واقعية اجتماعية، وفكرية ثقافية وتاريخية، كما تشخصن العلاقة بين الأنظمة الثلاثة المشكلة للشخصية الإنسانية (الهُو و الأنا و الأنا الأعلى). ونفترض أن الكاتبة في روايتها، قد سعت إلى توريط القارئ عبر السجل النصي، والاستراتيجيات النصية، إذ يشترط فيه (القارئ) أن يُلِمَّ بالمعارف الخلفية للنص الروائي حتى يتمكن من استيعاب دلالات النص والتفاعل معه.


  • السجل النصي

يقوم السجل النصي[2]  Le Répertoire du texte، على مواضعات سياقية، حيث يسمح بالقيام بتعدد استراتيجيات القراءة. ويرى أيزر أنه ” ينطلق من الوطن المألوف*[3] حيث يلتقي النص والقارئ في عملية تواصلية توجهه أي (القارئ) نحو إدراك البنيات الجمالية، والفنية لهذا النص، ومنها إلى إعادة بناء عناصر هذا السجل، وخلق بنى دلالية جديدة، مع الاحتفاظ بالبنى الأصلية لهذه العناصر.

انطلاقا من نظرية أيزر، ولأن أي نص أدبي هو اختزال ضمني لتجربة عامة، تتمظهر من خلال مجموعة من الأنساق الدلالية، واللغوية المشكلة لهذا النص، وبالعودة إلى النص الروائي (بين حياتين) للكاتبة عبير خالد يحيى، نلفي السجل النصي يتموقع في الأنساق الدلالية السائدة في عصره، باعتبارها نماذج فكرية لفهم وتأويل الواقع الذي أفرزه[4].

وهو ما يحيل على أن علاقة النص الأدبي (بين حياتين) بواقعه علاقة، تتراوح بين المحاكاة والحياد. ذلك أنه يبزر ما هو خفي من جهة، ومن جهة ثانية يدفعنا كقراء إلى إدراك ما لم يكن حقيقيا، من خلال فهم مرجعياته التي تتغير وفق سيرورات القراءة. بهذا يكون السجل النصي آلية تفسح المجال لولوج عوالم النص، واستكشاف معانيه، ثم إنه ينظم عددا من الوضعيات المتعلقة بالقارئ في مواجهة النص الروائي من خلال فضاءاته.

يقتضي الاشتغال على السجل النصي لرواية (بين حياتين)، في إطار القراءة الفاعلة، بالضرورة المعرفة السابقة بمسار الكاتبة/ الناقدة الذرائعية عبير يحيى خالد، وبكتاباتها الإبداعية الأدبية والنقدية والشعرية. هذه الأخيرة خريجة كلية طب الأسنان سنة 1990.

عملت بمهنة طب الأسنان مدة عشرين عاما، أو تزيد بين عيادتها الخاصة والمراكز الطبية التابعة لوزارة الصحة في سوريا، وهو ما يعني أنها اكتسبت معارف علميّة، ومهارات بشريّة متنوعة، ثم إن مهنتها كطبيبة أسنان، ومشاركتها في العديد من المؤتمرات الطبية، جعلتها تنغمس في البحث، وفي إجراء الفحوصات، وتشريح الظواهر الاجتماعية، مُحاوِلة إيجاد العلاج المناسب، تقول في أحد حواراتها: (أنا طبيبة أسنان، تعالج تسوّس السن وعَفَن قنواته، تبتر، تستأصل، تُقْلِع، ترمّم، تحشو،. تعوّض، بخطّة علاج شاملة ترسم خريطتها بعقلها، وبذات الأصابع، وبذات المهارة تكتب ما يمليه عليها خيالها بذات الإستراتيجية والتخطيط)[5].


عاشت الكاتبة كغيرها من أهل سورية التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية الفكرية التي عرفتها البلاد، ورغم كل ما يمكن أن يكون قد اعترض مسيرتها الحياتية، فإنها لم تتوقف، بل تمكنت من أن ترسم لذاتها خطا مستقيما، جعلها تتفوق في دراستها العلمية إلى صارت طبيبة، كما وجهت عنايتها صوب الأدب إبداعا ونقدا، من خلال كتابة العديد من المقالات الأدبية، والدراسات النقدية الذرائعية على الكثير من الروايات، والدواوين، والمجموعات القصصية، والنصوص المسرحية. ثم إنها شاركت بدراسات تطبيقية على النظرية الذرائعية.

ولأن عبير خالد يحيى تعد مثالا للجدية والرغبة في الاستزادة من بحر الآداب والنقد، أصدرت عددا من الإنتاجات النقدية والأدبية. ففي 2016 صدرت لها مجموعات قصصية فردية، ومشتركة بعنوان: (لملمات)، و(رسائل من ماض مهجور)، و (مقهورات عربيات)، و(قهر الرجال)، بالإضافة إلى ديوان شعري مشترك (همس النوارس). وفي سنة 2017 صدر لها كتاب (الذرائعية في التطبيق (آلية نقدية عربية)، وكتاب (السياب يموت غدًا) دراسات ذرائعية لقصائد الشاعر العراقي عبد الجبار الفياض.

وفي سنة 2018 صدرت لها الموسوعة الذرائعية، وهي عبارة عن ثلاثة مجلدات (الذرائعية اللغوية بين المفهوم الفلسفي واللغوي/الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية/الذرائعية في التطبيق طبعة مزيدة منقحة)، ومجموعة قصصية بعنوان (ليلة نام فيها الأرق)، وفي 2019 صدرت لها مجموعة شعرية تحمل عنوان (قصيدة لم تكتمل)، ومجموعة قصصية مشتركة بعنوان (مرايا قصصية).

وفي 2020 صدر لها كتاب (أدب الرحلات المعاصر)، و(قصيدة النثر العربية المعاصرة بمنظور ذرائعي)، وكتاب (تحليل نقدي في أدب الفانتازيا والخيال العلمي عند المُنَظِّر عبد الرزاق عوده الغالبي- دراسات ذرائعية)، ورواية (بين حياتين). وفي 2021 أصدرت كتابا يحمل عنوان (الذرائعية والعقل).

إن ما أشرنا إليه من أعمال الكاتبة عبير خالد يحيى، ومنجزها الأدبي والنقدي، لم يكن كاف لسبر السجل النصي لروايتها (بين حياتين)، إذ كان من الضروري علينا، أن نعود إلى الأعمال التي تناولت إنتاجاتها بالدراسة والتحليل، على اعتبار أن إسقاط إجراءات منهج أيزر على رواية (بين حياتين) بهدف استنطاق أبعاد الرواية، من خلال مقاربة بنيات الاستراتيجيات النصية التي “تقيم العلاقة بين السياق المرجعي للسجل النصي وبين القارئ المدعو لتحقيق نسق الموافقات النصية”[6].


لا يمكن للقارئ عندما يواجه نص (بين حياتين)، أن يقرأه دفعة واحدة، ذلك أن التدرج في عملية القراءة يسمح بالوقوف عند كل منظور على حدة. ثم إن الدلالة الروائية الناتجة عن التفاعل بين القارئ والنص، لا تتأسس على منظور دون باقي المنظورات النصية الأخرى. بمعنى أنه لابد من قراءة ملتزمة بشروط نظرية التلقي.

إن قراءتنا المتأنية لرواية (بين حياتين) كشفت لنا أنها قد استجابت للإجراءات التي وطنها أيزر كطريقة لاستيعاب الدلالات التأويلية للنص الروائي، هذه الدلالات التي تتمظهر في تعدد الأصوات، وتناوبها على السرد والحوار، وعلاقة الشخصية الرئيسية (غالية) بباقي الشخوص (نور/ عامر/ مصطفى/ سما/ سليم/ الأب / الأم/ الحماة _والدة مصطفى_ / أخت مصطفى/ عمة مصطفى/ والد سليم/ سامي…)، كل هذه العلاقات كان لها الأثر الكبير في تشكيل تجربة شخصية (غالية)، وهي تجربة منحت النص سمة الانفتاح على قراءات متعددة.

يلحظ قارئ رواية (بين حياتين) أن عناصر السجل النصي تتشكل من واقع واحد، غير أنه مركب من فضاءات متعددة (طرطوس/ اللاذقية/ بيروت) ومتباينة التشكيل، والملاحظ أن جميع هذه العناصر السياقية تشيد نسقين حكائيين مختلفين، يتخللهما ما هو واقعي تاريخي وثقافي معرفي. ويتمثل الأول في محكي الطفولة (… تجدها طفلة في الزمكانيتين، وكأنها رافقت الطفولة قرينا لا يبارحها…، ترسم الطفولة قرينا يساكنها العيش حتى العقد الخامس من العمر[7].

والثاني في محكي المقاومة في واجهتيه، مقاومة الشخصية الرئيسية للعنف الذي مورس عليها من قبل بعض الشخوص (مصطفى وأسرته)، ومقاومة الكيان الصهيوني، وجميع أشكال الفساد (… الأراضي التي تحتلها قبل 1967/ الدخول في حرب استنزاف استمرت من 1967 إلى الآن/ في 25/02/1973 اتخذ قرار الحرب بهدف تحرير الأراضي العربية المغتصبة/ قوات المدرعات المصرية توغلت في صحراء سيناء/ إسرائيل تشن علينا غارات/ تعالت الغارات الإسرائيلية/ 2012 اندلاع مظاهرات كانت امتدادا لألسنة نار/  المعادل الموضوعي في الحروب هم الأطفال والنساء والشباب في مقتبل العمر/ حوادث خطف/ هناك خوف من تفخيخ هذه السيارات وتفجيرها/ معظمهم يحمل بنادق رشاشة يتدلى منها أمشاط من الرصاص…)[8]، وعبر هذين النسقين، يتمظهر تداخل جملة من الأجناس تتفاعل فيما بينها ( شعر/ سرد/ وصف/ حوار/ مثل سائر/ شروحات علمية…)، ومن هذا التفاعل يستقي السجل النصي لرواية ( بين حياتين) قيمته الجمالية والفنية.


  • العناوين، سجل نصي موازي

إن تعدد مستويات القراءة، مرهون بتعدد المفاهيم والرؤى في استجابتها للإمكانات التأويلية أمام إشارات النص، ويعتبر العنوان بنية خارجية، وعلامة رئيسية دالة على مدلول النص، إذ أنه (الكلمة المحور التي تتحول إلى الجملة المنطلق، ليتناسل النص عبر تشكلات، وتقابلات عدة ليمر على الجملة الرابطة، وتتلاقى هذه الآليات جميعها في الجملة الهدف التي تتموقع في نقطة ما من النص)[9].

من هذا المنطلق يبدو أن عنوان رواية (بين حياتين) يضع القارئ أمام دلالات معقدة، تشرع عددا من الاحتمالات التي تساهم في توسيع أفق القارئ عبر التفاعل المفتوح مع عوالم مختلفة، تنطلق من أسئلة، ماذا تعني الكاتبة بعبارة (بين حياتين)؟ أهي الرغبة في تشويق القارئ إلى معرفة العوالم المغلقة في الرواية؟ هل قصدت الكاتبة بهذا العنوان توريط القارئ والزَّج به في العوالم السياقية والمرجعية بين لحظتين فارقتين، بين ذاكرتين تشكلان، الغياب (الماضي) والحضور (الآني)؟


إن الكاتبة في اختيارها لعنوان الرواية (بين حياتين)، وعناوين الفصول (الصديق الخيالي/ رسائل الماضي/ تداعيات الوداع/ خريف ساخن / الهروب/ أيام عذرية/ القفص الحديدي/ زينة الحياة الدنيا/ قصمة الظهر/ سقوط إلى القاع/ على طاولة القمار/ جنتي/ هواجس/ منبوذ/ زوبعة/ المراوغة/ على حافة منعطف/ الرجولة / بعث جديد/ عودة الصديق الخيالي)، تبدو هذه العناوين للقارئ في الوهلة الأولى بسيطة، غير أنها جاءت محملة بمرجعيات سوسيو ثقافية مرتبطة بحياة الكاتبة/ الساردة. وقد بدت على وعي تام بماهية ما تقصد إليه من موضوعات، حيث نلفي رؤية الساردة  (غالية) ممثلة لرؤية الكاتبة عبير.


  • الاستراتيجيات النصية في الرواية

تعد الاستراتيجيات النصية مسؤولة عن كيفية تنظيم عناصر السجل النصي، إذ تجمع بين معنى النص والمتلقي الضمني، من خلال البحث في بنية الواجهة الخلفية أي تسليط الضوء على الواقع الخارجي للنص، وبنية الواجهة الأمامية للكشف عما تثيره العناصر السياقية في دلالاتها الأصلية، وإبراز درجة الانحراف الذي لحق هذه العناصر. وهو ما يعني أن وظيفة الاستراتيجيات النصية هي أن تصل بين عناصر السجل (الواجهة الخلفية والواجهة الأمامي).

سبقت الإشارة إلى أن أي نص أدبي، يفترض أن يتأسس على تفاعل القارئ مع هذا النص من أجل استخلاص دلالاته. وفي هذا الإطار نجد فولفغانغ أيزر قرب بين النص الأدبي والقارئ عبر توجيهه إلى (تبني استراتيجيات مؤطرة معرفيا وتقويميا، حيث ينشئ أثناء المسلسل القرائي تمثلات نفسية ومعرفية، يرتكز فيها على مخزونه، ويحاول عن طريقها الوصول بين المكاسب القديمة والمعلومات الجديد)[10].

وبالعودة إلى نص (بين حياتين)، نجد أن الإستراتيجيات النصية قامت على تقديم سجل الشخصيات بصفاتها الواقعية كقاعدة خلفية، وصفاتها المنحرفة كقاعدة أمامية لاستنطاق مدارك القارئ في قدرته على إعادة بناء الموضوع الجمالي للنص انطلاقا مرجعياته الأصلية، وكشفه لمعاناة ذاتية وجمعية من خلال سرد صدت فيه الكاتبة مسار ثلاثة أجيال متتالية (جيل الآباء / جيل الأبناء /جيل الأحفاد) في صراعها الفكري والثقافي فيما بينها، متوقفة مطولا عند تَحَوُّل القيم الإنسانية في خضم هذا الصراع مع الزيف والتشويه.

زيادة على أن الرواية حملت سجلا تاريخيا لأحداث عاشتها سوريا والبلاد العربية (حرب 67/ حرب 73/ الربيع العربي 2012 (تونس، ليبيا، مصر)/  ثورات بسوريا، و اليمن…) جميع هذه الوقائع تقدم للقارئ واجهة خلفية ديستوبية سوداء، قامت الواجهة الأمامية بتوزيعها على المنظورات النصية (منظور السارد/ منضور الشخصيات/ منضور الأحداث/ منضور القارئ)، كل حسب دوره ووظيفته الفنية، ثم إنه يتمظهر جليا في الحوارات القصيرة والطويلة، الداخلية منها، حيث أبدعت الكاتبة في توظيف شخصيتي القرين (سوسو قرين نور/ عصام قرين غالية)، وفي ذلك تشابه زمني، وتماهي طفولي بين الأم ( غالية) وابنتها (نور).  

ثم الحوارات الخارجية الحارقة بين الشخصية الرئيسية (غالية) وباقي الشخوص (مصطفى / عمة مصطفى/نور). زيادة على أن الواجهة الأمامية للرواية جعلت الوصف الذي أثثت به الكاتبة فضاءات الرواية، يلعب دورا كبير في تشكيل أفق القارئ.


  • السجل النصي لشخصية غالية:

عندما يَشْرَع القارئ في قراءة نص (بين حياتين)، يجد نفسه أن الموضوع الذي يشغل ذهنه هو الدلالات التي سيتوصل إليها من خلال الجمل السردية، لذلك يركز على الشخصيات. وقد ركزت على شخصية معينة، وهي الشخصية البطل في الرواية (غالية) وموقف السارد/ الكاتبة (عبير خالد يحيى) منها.

يلاحظ القارئ أنه كلما تابعت الشخصية البطل الحديث، إلا وتغير أفقه بتغير بفعل سيرورة عملية القراءة ليخلص إلى تجميع كل الدلالات لتحقيق جمالية الموضوع.

في هذه الرواية نجد أن عبير خالد يحيى قدمت لنا صورة عن المرأة المكافحة، والصامدة والصبورة، تلك المرأة القادرة على امتصاص السلوكات السلبية، وتحويلها إلى إيجابيات، المرأة التي ناضلت لكسر قيود الاستبداد الذكوري، وإثبات الذات.

قدمت لنا الكاتبة امرأة بشخصية قوية في طفولتها، وخلال دراستها، وبعد تخرجها وزواجها، امرأة تحملت كامل المسؤولية تجاه (الأنا)، حيث لم تُلق باللائمة على الغير في اختياراتها، وتجاه الآخر الذي تمثل في الأسرة ( الأم /الأب/ الإخوة/ الزوج/ الابنة)، حيث سهرت على علاج والدتها، ورافقتها في لحظاتها الأخيرة قبل الوداع، كما كانت إلى جانب ابنتها (نور) في جميع مراحل حياتها، امرأة لم تتخل عن زوجها (مصطفى)، رغم كل الأذى و التعنيف، والتهميش …، ولم تغامر بالطلاق منه حتى بعد أن علمت بخيانته…

كانت شخصية (غالية) على مدار فصول الرواية شلال حب لا ينضب، رغم اللحظات العسيرة التي مرت منها (وفاة الأم/ فقدان الجنين/ الحجز في الزريبة/ الضرب والإهانة…/ سلب لممتلكاتها من قبل الزوج/ الرضوخ لحالة الاكتئاب…)، ورد في الرواية. (عندما يترافق ذلك التجهم والعنجهية والقسوة والبخل بالعواطف مع العنف الجسدي والنفسي، الضرب والإهانة والتطاول على الذات الأنثوية…)، يفتح الاحتمال على صورة مغايرة.

إن سجل شخصية (غالية) يحيلنا على امرأة قررت أن تكون ندا للرجل بكفاحها وإصرارها ، على أن تكون هي لا غيرها. وأن تُعَدِّل من صورتها بعد لحظات اليأس القاتلة، التي تماهى معها أفق القارئ، (قامت غالية عن الأريكة بوثبة، تحركت باتجاه مصطفى الذي تحضر لحركة مفاجئة جعل يداه في مواجهة وجهه كحركة احترازية … لم يمكث مصطفى بعد تلك الحادثة…[11] هذه الصورة جعلت القارئ يتفاعل معها، من خلال الواجهتين الخلفية والأمامية حيث صورة المرأة الواقعية/ وصورة المرأة المتخيلة.

إن اختيار الكاتبة عبير خالد يحيى لشخصية (غالية)، لم يكن اعتباطيا، ولا محظ صدفة، إنما كان بدافع الأثر الكبير الذي شكلته في شخصيتها الحقيقية كإنسان وككاتبة. فشخصية (غالية) هي انعكاس ضمني للكاتبة عبير خالد يحيى خاصة، وللمرأة العربية عامة. فبعودتنا إلى انتاجاتها القصصية والشعرية، نجد أنها تحاول نقل الواقع، ولكن عبر رؤى مختلفة تنحرف بها عن الحقيقة، حتى أن القارئ يتساءل ما إذا كانت الرواية تخص غالية/ عبير أو تخص وطنا بأكمله.

تقول في إحدى قصائها الشعرية: (جدلٌ بيني وبيني… والظُّنونْ/ ويغازلُني أَلَقُ الصّباحْ / مُذْ كانَ كحلُ العينِ واصفةَ المَنونْ/ والرِّمشُ مشكاةٌ لنادبةِ النُّواحْ … / أُشاهدُ رأسي بأطرافِ الرّماحْ فصحَوتُ من حلميَ المجنونْ… / أفواهٌ فاغرةٌ وعيونْ…!؟؟؟)[12]

هذا الانحراف يشكل تنوعا في الأنساق الدلالية، ويحقق جمالية فنية تتسع مع سجل كل شخصيات من شخصيات الرواية.


  • خاتمة

خلاصة القول، إن الجمل السردية في رواية (بين حياتين)، مترابطة فيما بينها بشكل قصدي ودلالي، وهذا الترابط يتحول إلى ذهن القارئ من خلال فعل القراءة وذلك بملء بياضات النص، فيتشكل المعنى النصي والموضوع الجمالي. هذا التشكيل يتوافق ورؤية القارئ إذ يعتبره نتاج وعيه.

والحقيقة أن كل هذه العمليات لا يمكن أن تتحقق إلا بواسطة السجل النصي للرواية، والاستراتيجيات النصية والرصيد المعرفي المرتبط بالنص ذاته.


 – [1] عبد الكريم شرفي : من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة (دراسة تحليلية نقدية في النظريات الغربية الحديثة)، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط1، 2007، ص181

وحيد بن بوعزيز، “حدود التأويل”، الدار العربية ناشرون، ط1، 2008. ص: 94. – [2]

*- يقصد بـ (الوطن المألوف) عند فولغانغ أيزر، النقطة حيث يلتقي القارئ والنص من أجل إتمام عملية التواصل

روبرت هولاب، “نظرية التلقي، تر خالد التوزاني والجلالي الكدية”، منشورات علامات، ط1، 1999، ص: 151 – [3]

[4]–  عبد الكريم شرفي، من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة (دراسة تحليلية نقدية في النظريات الغربية الحديثة) ، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط1، 2007، ص: 194.

[5]  https://www.addustour.com-

 عبير خالد يحيى: علينا أن نقبل التجريب الذي يمزج بين الأجناس الأدبية

[6] – عبد الكريم شرفي، من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة (دراسة تحليلية نقدية في النظريات الغربية الحديثة)، منشورات الاختلاف، الجزائر العاصمة، الجزائر، ط1، 2007، ص. 200/201.

[7] – بين حياتين، ص.9

[8] – بين حياتين، ص.46/47/129/130/132

[9] – دينامية النص، محمد مفتاح، المركز الثقافي، بيروت، الطبعة 2 .1990. ص.103

[10] – فولفغانغ آيزر: فعل القراءة – نظرية جمالية التجاوب في الأدب، ت: حميد لحمداني والجيلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، فاس، المغرب، 1995ص: 7

[11] –  بين حياتين، ص، 203/ 205

[12]https://manber.ch

عتيقة هاشمي

عتيقة هاشمي، أستاذة الثانوي التأهيلي بالرباط المغرب، حاصلة على شهادة الدكتوراه وحدة التكوين (الإنسان والمجال في العالم المتوسطي) تخصص : (قضايا وظواهر نقدية وأدبية في المغرب الأندلس ) جامعة محمد الخامس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية - الرباط، المغرب. حاصلة أيضا على ماستر في شعبة اللغة العربية، تخصص (التفاعل الثقافي الأندلسي المتوسطي) جامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإنسانية-الرباط المغرب. عضوة الاتحاد الدولي للغة العربية، عضوة شباب الائتلاف من أجل اللغة العربية، عضوة المكتب الوطني لجمعية التنمية المغربية للقراءة (شبكة القراءة بالمغرب)، عضوة مجلس إدارة الاتحاد العربي للثقافة. عضوة مجلس إدارة مجموعة تغريدات نخلة العراقية ُنشرت لها الكثير من المقالات والدراسات النقدية في مجلات وجرائد مغربية وعربية ودولية ورقية وإلكترونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات