مقدمة في نحو النص

 

  • تمهيد:

يعد مبحث لسانيات النص/الخطاب من أهم المباحث في اللسانيات الحديثة، إذ إنه كان بمثابة تتمة للسانيات الجملية التي انكبت على دراسة الجملة- كوحدة لغوية كبرى- لفترات طويلة، سواء تعلق الأمر بالبنيوية الأوربية مع سوسير، أو البنيوية الأمريكية مع بلومفيلد وسابير، أو مع التوليدية التحويلية خلال الخمسينات من القرن الماضي. لكن ظهرت مجموعة من القضايا التي كشفت الحجاب عن حدود اللسانيات الجملية، وسلبيات وقوفها عند الجملة كموضوع لها، فظهر أطروحات جديدة تهتم بالنصوص، وتحليل الخطابات بشتى أنواعها.

ومنه، يمكن أن نبسط التساؤلات الآتية:
– كيف تم الانتقال من نحو الجملة إلى نحو النص؟
– ما النص؟ وما الخطاب؟ وما العلاقة بينهما؟
– ما المقصود بلسانيات النص/ الخطاب؟
بعد هذا، سنحاول أن نقدم إجابة تقريبية وليست قطعية لهذه التساؤلات، ونأمل أن نشكل صورة واضحة المعالم عن مبحث لسانيات النص/ الخطاب، الذي تجاوز الجملة ليهتم بما يكبره شكلا ودلالة.

  • 1) من نحو الجملة إلى نحو النص.

اهتمت اللسانيات الحديثة لفترة طويلة من تاريخها بدراسة الجملة، من حيث حدودها، وبنيتها، ونحويتها من عدم نحويتها… وغيرها من المستويات، ومرد هذا الاهتمام كون الجملة شكلا لغويا مستقلا عن أي تركيب نحوي آخر. فاستمر ثلة من اللسانيين منكبين على الجملة، على سبيل المثال لا الحصر، نذكر بلومفيلد وهاريس في التوزيعية، وشومسكي في التوليدية التحويلية، كل حسب منهجه في الدراسة، ولعل هذا ما تمخض عنه اختلاف في تبني الآراء بين منظري وباحثي لسانيات الجملة، إلا أن هدفهم كان موحدا؛ وهو الاهتمام-إلى جانب ما ذكرناه- بقواعد الجملة سواء المعقدة أو البسيطة.

لقد انتبه الباحثون أن لسانيات الجملة تشتغل في مجال ضيق. بهذا الصدد يقول روبيرت دي بوغراند: ” من المتعلق أن هذا التركيب الأساسي( ويقصد به الجملة) قد أحاط به الغموض والتباين حتى في وقتنا الحاضر… وما زالت هناك معايير مختلفة لجملية الجملة دون الاعتراف بصراحة بأنها تعريفات نهائية، كونها أساسا لتوحيد تناول موضوعها (1). بالرغم من الأبحاث التي قدمت من قبل اللسانيات الجملية، إلا أنه هناك مشاكل كثيرة كانت دافعا قويا لتجاوز الجملة إلى دراسة النص، من بينها:

– وقوفها عند تحليل الجملة كوحدة كبرى، وكموضوع للسانيات.
– عجزها عن تقديم وصف وتفسير لمتتالية من الجمل المتماسكة، وكذا عدم القدرة على الإحاطة بسياقاتها الاجتماعية والثقافية والتداولية الاستعمالية.

  • – دراسة الجملة النظامية (2).

للأسباب التي ذكرنا ولأسباب أخرى وقفت اللسانيات الجملية عاجزة عن تقديم وصف عام، وتفسير شامل لمتتالية من الجمل المتماسكة من حيث الشكل والدلالة. ما جعل بعض اللسانيين يدعون إلى انفتاح الدرس اللساني على دراسة النصوص، وفي هذا الصدد يمكن أن نقدم إسهامات هاريس التنظيرية في الانتقال من الجملة إلى النص، في سياق ما يدعى ب” لسانيات النص، نحو النص، علم النص، علم اللغة النصي، لسانيات النص/الخطاب… إلخ. لكن قبل ذلك، سنحاول أن نقارب مفهومي النص والخطاب، ثم نوع العلاقة التي تجمع بينهما في إطار لسانيات النص وتحليل الخطاب.

  • 2) مفهوم النص.

2-1: في الثقافة العربية:

قصد البحث عن المفهوم اللغوي لمفهوم النص، سنقوم برصد ما جاء في معجم لسان العرب، حيث نجد أن النص من مادة”نصص” إذ عرفه بقوله” نصص: النص: رفعك الشيء، نص الحديث ينصه نصا: رفعه، وكل ما أظهر. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت رجلا أنص للحديث من الزهري، أي أرفع له وأسنده(…) ونص المتاع نصا: عل بعضه على بعض، ونص الدابة ينصها نصا: رفعها في السير… والنص والنصيص: السير الشديد والحثن ولهذا قيل: نصصت الشيء رفعته ومنه منصة العروس. وأصل النص أقصى الشيء وغاياته، ثم سمي به ضرب من السير السريع (3).

من هنا، يمكن القول إن النص يحمل دلالات متعددة؛ كالظهور والارتفاع، وإدراك الشيء وغايته، ومن ثمة، فإن الدلالة الحقيقة للنص أنه عبارة عن سلسلة من الجمل المترابطة والمتماسكة، والتي تجمعها علاقة انسجام وتتابع، حيث إنه لا يمكن فهم مغزى النص، إلا بتتبع ملفوظاته واستقصائه جملة جملة.

  • 2-2: في الثقافة الغربية:

إن تتبع مفهوم النص والتطورات المطردة التي لاحقته في الثقافة الغربية، تجعل منه مفهوما عاما وشاملا. بهذا الصدد يمكن للنص” أن يكون منطوقا أو مكتوبا، نثرا أو شعرا، حوارا أو مونولوجا، يمكن أن يكون أي شيء من مثل واحد حتى مسرحية بأكملها، من نداء استغاثة حتى مجموعة المناقشة الحاصلة، طوال اليوم، في لقاء هيئة (4).

في ضوء ما سبق، يمكن للنص إذن أن يأتي حوارا أو مسرحية…إلخ. ثم إن ما يميز النص عن الجملة أنه” وحدة دلالية كبرى، يتشكل من سلسلات متتالية من الجمل، مجتمعة لتشكل وحدة دلالية منسجمة تركيبيا ودلاليا، ما يجعلنا نقر على أن النص وحدة دلالية كبرى (5). وبهذا تكون الجمل المكون الذي تبنى عليه النصوص.
هذا، إلى جانب الإشكال الذي يثيره مصطلح النص من حيث التدقيق والتحديد والضبط. فالنص إذن عام وشامل، يختلف عن الخطاب من حيث السياق وظروف التلفظ، ما يجعلنا نتساءل عن مفهوم الخطاب؟ وعن علاقته بمفهوم النص؟

  • 3- مفهوم الخطاب.

3-1: في الثقافية العربية:

إن البحث عن دلالة مفهوم الخطاب في الثقافة العربية، سيحيلنا على ما ورد في معجم لسان العرب، مادة خطب، حيث قال: ” الخطب: الأمر الذي تقع فيه المخاطبة والشأن والحال(..) والخطابة والمخاطبة: مراجعة الكلام وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا، وهما يتخاطبان(…) الخطبة اسم للكلام الذي يتكلم به الخطيب(…) الكلام المنثور المسجع ونحوه… والخطبة مثل الرسالة التي لها أول وآخر(…) والمخاطبة مفاعلة من الخطاب والمشاورة (6).

نستشف من النص أعلاه أن الخطاب كمفهوم يحمل دلالة متعددة، فهو الكلام الذي يحمل معنى وقصدية، وهو فعل كلامي بين شخصين يسعيان إلى مقصدية واحدة، وهي تحقيق التواصل الإيجابي الفعال، وفهم الرسالة.
أضف أن الخطاب قد يؤدي وظيفة إقناعية بلاغية، ذلك، بتوخي الإقناع والتأثير في المتلقي، انطلاقا من الاعتماد على اللغة الواضحة ما يجعل من الخطاب مفهوما متشعبا، يقارب نظريات مختلفة. ومفهوم الخطاب من المنظور البلاغي يتأسس على بناء دلالي محكم وحكم ومتسق ومنسجم. في هذا السياق يقول رشيد بنحدو (249:1991) معرفا الخطاب في البلاغة أنه: ” مجموعة من الجمل منطوقة كانت أو مكتوبة، في حالة اشتغال أفقي- أي نمط أو تركيب- على موضوع محدد. ويسمى التلفظ به إلى التأثير في المتلقي بواسطة فرضيات ورؤى وأحاسيس، مما يتطلب مبدئيا ديمومة في إنتاجه وتلقيه، وتماسكا داخليا وتدليلا مقنعا وصورا تعبيرية ولغة واضحة (7).

3-2: في الثقافية الغربية:

إن الخطاب Discours في الثقافة الغربية له دلالات، يمكنها أن تساعدنا على استخلاص العلاقة التي تجمعه بالنص.

يعد الخطاب من الألفاظ التي شاعت في الحقل اللساني الحديث، والتي لقيت إقبالا واسعا من لدن الباحثين والدارسين من مختلف المجالات المعرفية. وقد بدأ مصطلخ الخطاب ينسجم ومناخه الدلالي، بعد ظهور كتاب “محاضرات في اللسانيات العامة” ل فردينا ندي سوسير، لما تضمنه هذا الكتاب من مبادئ ومنطلقات أساسية أسهمت في وضوح الخطاب كمفهوم، إذ إنه يرادف الكلام عند سوسير؛ أي الانجاز الفعلي للغة، بمعنى أن اللغة تعمل وتتحقق في سياقات معينة. يشير سعيد يقطين(21:1997) إلى أن الخطاب يعني: ” اللغة في طور العمل، أو اللسان الذي تتكلف بإنجازه ذات معينة، وهو هنا مرادف للكلام بتحديد دو سوسور… ويتكون من متتالية مرسلة لها بداية ونهاية (8).

فالخطاب بهذا المعنى يكون مرادفا للكلام من منظور سوسير، لئن كان النص متتالية من الجمل الخالية من السياق؛ فإن الخطاب أضحى عملية تواصلية بين طرفين، يحكمهما سياق محدد، وزمان ومكان محددين. إن الخطاب من منظور رائد اللسانيات التلفظية الفرنسي بنفينست: ” هو كل تلفظ يفترض متحدثا ومستمعا، تكون للطرف الأول نية التأثير في الطرف الثاني بشكل من الأشكال (9).

من هنا يبدو جليا أن بنفينست نظر للخطاب من زاوية لسانية، وهذا يدل على أن الخطاب- كما أشرنا قبل قليل- يستدعي طرفين يتبادلان أطراف الكلام، ما يجعل أولهما يكون غرضه التأثير في الثاني.

ومع ظهور اللسانيات الاجتماعية، والتي اتخذت الخطاب موضوعا للدراسة، مما نتج عنه إعادة النظر في مناهج الدراسة اللسانية بصفة عامة، فظهرت اتجاهات لسانية جديدة تناولت الخطاب دراسة وتحليلا.

في هذا السياق أشار خليفة الميساوي(179:2013) إلى أن هذه الدراسات ظهرت” خاصة في مجال الدراسات اللسانية الأمريكية، والتي اعتمدت منحى لسانيا اجتماعيا، وانتقل البحث اللساني من المكتوب إلى العناية بما هو منجز من الكلام وأصبح الخطاب يعرف بأنه” محاولة لتوسيع نظرية لسانيات قادرة وموحدة تعنى بإنجاز الكلام الطبيعي (10).

تبعا لذلكن يمكن القول بأن مفهوم الخطاب عرف تطورا مع اللسانيات الأمريكية من الاهتمام بما هو مكتوب إلى الكلام المنجز في سياق اجتماعي، ما أسهم في تطوير الدرس اللساني حتى غدا الخطاب مفهوما متشعبا تدارسته مختلف العلوم المعرفية، كعلم النفس وعلم الاجتماع، ما دفع باللسانيين المهتمين بهذا الاتجاه إلى الركون إلى حقول معرفية أخرى، تدارست الخطاب من منظورها الخاص. فمثلا في أمريكا لعبت الأنتروبولوجيا والسوسيولوجيا دورا مهما في تحليل الخطاب. أما في فرنسا فيوجد ثمة تأثير من التحليل النفسي على مجال تحليل الخطاب.

“أمام تشعب هذه القضية اعتمد الدارسون الفصل بين الخطاب (discours) وتحليل الخطاب (analyse de discours) وتحليل المحادثة (analyse de conversation) فاتخذت الدراسات في هذا المجال مسارات مختلفة خاصة في الثمانينات (11).

بعدما حاولنا تقديم تعريفات لكل من المفهومين(النص، الخطاب) سنحاول بحث العلاقة بينهما، وكذا أوجه الاختلاف والتشابه. ما يجعلنا نقر أننا أمام إشكال عويص: هل يدلان على المعنى نفسه، أم أنهما مختلفان؟

  • 4- النص والخطاب أية علاقة؟

هناك من اللسانيين من يرادف بين النص والخطاب، فيما نجد فريقا آخر ينظر إلى المفهومين من زاوية الاختلاف والتباين، بيد أن هذا الفرق جوهري؛ فالخطاب مرتبط اشد الارتباط بالتلفظ وإقحام المتكلمين وعلاقتهم بالسياق التواصلي، في حين أن النص يتميز بكونه مجردا مما قلناه عن الخطاب، إذ إن هذا الأخير يتشكل من النص زائد ظروف إنتاجه. أما النص فإنه خطاب دون النظر إلى ظروف إنتاجه.

ولربما هذا هو الاختلاف الجوهري بينهما، كذلك يمكن أن نضيف بأن الخطاب يضم اللغة وهي تعمل وتتحرك، إنه جري على لسان المتخاطبين. ومنه، فإن الخطاب مجموعة من الملفوظات المتماسكة والمنسجمة، والتي تضم سياقا معينا، ومتخاطبين ثم الزمان والمكان، في حين أن النص عبارة عن متتالية من الجمل المتماسكة. بالإضافة إلى أننا يمكن أن ندرس النص إذا نظرنا إلى الظروف التي أنتج فيها. ومنه نخلص إلى أن النص منبن على علاقات تراتبية ومتوالية، وفي المقابل يركز الخطاب على التلفظ والسياق، بتعبير آخر إن النص هو ذاك الكل العام، والخطاب جزء منه. ولعل هذا ما تؤكده ربيعة العربي(2012) فغريماص وكورتيس: ” يعرفان الخطاب انطلاقا من مقارنته بالنص، وسيخلصان إلى سبعة معان تعكس سبعة جوانب سيمو-لسانية مختلفة للخطاب هي:

1- إنه مرادف للنص.
2- مرادف للفظ.
3- متوالية من الجمل الملفوظة.
4- موضوع نحو الخطاب.
5- مقدرة خطابية.
6- نتيجة لتفعيل الخطاب( أي تحويل البنى السيميو-حكائية إلى بنى خطابية).
7- إجراء يفرض نسقا يركز على الطابع المكتوب أو المنطوق في إقامة هذا الفصل.

ومن ثمة يصبح النص مادة خاما، إنه مضمون أو ملفوظ قابل لأن يتجسد في خطاب (12).
خلاصة القول إن من الباحثين من يجمع بين المفهومين في إطار ما سمي ” لسانيات النص والخطاب، علم النص والخطاب، اللسانيات النصية وتحليل الخطاب، ومن بين الذي يرادفون بينهما فان ديك في النص والسياق.

ومنه نسلم بأن علم اللغة النصي يتناول تحليل الخطابات والمحادثات في بداية السبعينات من القرن الماضي، هذا ما يعلنا نتساءل عن مفهوم لسانيات النص/ الخطاب؟

  • 5- لسانيات النص/ الخطاب.

تعرف لسانيات النص الخطاب أنها اتجاه لساني، يعنى بدراسة النص كوحدة لغوية كبرى من خلال النظر إليه من جهات متعددة؛ كالاهتمام بالاتساق والانسجام في النص، بالإضافة إلى كيفية بنائه وتركيبه، فضلا عن البحث في الآليات اللغوية والدلالية التي تجعل من النص نصا. ” أضف إلى ذلك أن كل نص يتوفر على خاصية كونه نصا يمكن أن يطلق عليها ‘‘النصية‘‘، وهذا ما يميزه عما ليس نصا (13). إنها اللسانيات التي انتقلت من دراسة الجملة إلى دراسة ما يكبرها شكلا ودلالة، ذلك من خلال النظر إلى البنى التي تساعد على انتقال الملفوظ من الجملة إلى النص والخطاب. وكذا من ما هو شفوي إلى ما هو مكتوب.

يرجع أغلب الباحثين بدايات هذا المبحث اللساني إلى الشكلاني الروسي فلاديمير بروب سنة 1928؛ إذ إنه قدم أول دراسة لسانية تحليلية لمقاطع الحكاية قصد تحديد المكونات والوظائف السردية. في أن فريقا آخر يزعم أن هاريس هو أول من تنبه إلى أن اللسانيات الجملية تجعل الدرس اللساني يشتغل في مجال ضيق ومحدود، فدعا إلى ضرورة دراسة ما يكبر الجملة. فنشر في هده المرحلة – أي 1952- كتابه المعنون ب ” تحليل الخطاب discours analysais فاهتم من خلاله بتوزيع العناصر اللغوية في النصوص، كما أنه قدم دراسة للنص وفق اللسانيات التوزيعية، وأكد أن المقاييس النحوية التي تدرس بها الجملة، يمكن تطبيقها على دراسة نحوية النص؛ لأن النص من منظوره جملة كبرى يضم مستويات: صوتية وفونولوجية، وصرفية، وتركيبية.
يشير جميل حمداوي (24:2015) قائلا: إن هدف التحليل الهاريسي هو بيان أن الجملل تترابط فيما بينها اعتباطيا، وأن هناك نحوا لهذا الترابط مختلفا عن نحو الجملة، يستطيع التحليل التوزيعي أن يرصده. وهذا ما بينه الذين جاءوا من بعده، بشكل واسع في الخمسين سنة الأخيرة (14).

في ضوء ما سلف ذكره يبدو جليا ” أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت سباقة إلى تحليل النص أو الخطاب بفضل إسهامات هاريس التوزيعية (15).

بهذا، يمكن القول إن هاريس هو همزة وصل بين لسانيات الجملة ولسانيات النص. حيث يبقى الهدف الذي ميز مبحث لسانيات النص والخطاب، هو دراسة النص وتحليل الخطاب، إذ إنه ينطلق من النص وينتهي عند النص، لعل هذا ما يؤكده أحمد عفيفي (32:2001) إذ يقول: ” ويأتي علم لغة النص مرتبطا بعلم النص الذي يدخل في حساباته دراسة النص من جوانب كثيرة، بعضها لغوي، وكثير منها غير لغوي، مما يجعلنا ندرك حجم هذا العلم (علم النص)الذي يدخل في مناهجه علوما كثيرة متشابكة ومتداخلة إلى حد كبير مثل اعتماده على البحوث التجريبية، والمنجزات النظرية لعلم نفس المعرفة، وارتباطه الوثيق بميدان الذكاء الاصطناعي (16).

لقد رسمت لسانيات النص هدفها الرئيسي منذ البداية، إذ إنها لم تأت نتيجة تطور شكلي، وإنما كانت الحاجة إلى قيام نظرية لسانية جديدة، تدرس النص من جوانب عدة: الجوانب النحوية، والجوانب الدلالية والتداولية، فكان لزاما عليه أن يلجأ إلى مفاهيم ومناهج جديدة، أكثر دقة وموضوعية تتماشى والنص، باعتباره وحدة كبرى، يحتل مكانة ضاربة لدى مختلف النظريات والعلوم التي اتخذه موضوعا لها؛ كعلم الاجتماع وعلم النفس… وغيرها.

إن الجديد في مبحث لسانيات النص وتحليل الخطاب أن ينظر إلى النص كحدث تواصلي- لغويا كان أو غير لغوي- يضم مرسلا ومتلقيا، فكان من الضروري أن يعود علم النص إلى المعايير الخارجية التي تشكل المستوى الدلالي الاجتماعي، ما سمي ب ” الإحالة المقامية”، بالإضافة إلى الجوانب الداخلية التي تمثل دلالة النص العميقة، عن طريق دراسات التعالقات والأدوات التي تربط الجمل المتماسكة ما يشكل نصا. ومنه، يمكننا القول بأن علم النص لم يبعد الجملة من مجال اشتغاله، فينطلق من النص عامة، ثم يدرس أجزاءه والعلاقة بين جمله خاصة. بعبارة أخرى تكمن دلالة النص حينما يؤكد على فكرة أساس، مفادها أن دلالات الجمل تكمن في علاقتها بالجمل التي تسبقها، والتي تأتي بعدها، خلافا للسانيات الجملية التي تنكب على الجملة دون غيرها.
لقد اعتمد علم اللغة النصي على معايير تميز النص عن اللانص، حيث حددها دي بوغراند في: الاتساق، الانسجام، المقصدية، المقبولية، الإعلامية، التواصلية، المقامية، التناص.

  • 6- خاتمة:

إن ما يمكن قوله إن مبحث لسانيات النص/ الخطاب اتجاه لساني حديث، يدرس اتساق النصوص، وانسجام الخطابات، صحيح أنه تجاوز دراسة الجملة كما كان سائدا، ولكنه في الآن نفسه لم ينفصل عنها، وإنما يدرسها في علاقتها بما قبلها وما بعدها، ثم الاهتمام بسياقها في مقامات تواصلية، لتغدو الجمل سلسلة من الملفوظات التخاطيبة. ومنه، إن علم اللغة النصي مجال شاسع ومنفتح على علوم معرفية مختلفة، ولا أدل على ذلك مما نجد من غزارة في التأليف والاستمرارية، كما أنه انفتح على مبحث البلاغة الجديدة بمختلف اتجاهاتها، باعتبار أن الحجاج غدا مكونا من مكونات اتساق النصوص، وعنصر من عناصر انسجام الخطاب بشتى أنواعها.


لائحة المصادر والمراجع:

(1) ديبوغراند: النص والخطاب والإجراء، ترجمة تمام حسان، ط1، القاهرة 1988، ص 88.
(2) الجملة النظام system sentence : هي عبارة عن شكل الجملة المجرد، والذي يمكن توليده في جميع الجمل المقبولة في نحو لغة ما.
(3) ابن منظور: لسان العرب، ج4، حرف النون، مادة نصص، بيروت-لبنان 2003.
(4) نقلا عن: محمد خطابي، من كتاب ” لسانيات النص مدخل إلى انسجام الخطاب- ط2،2006، ص 13.
(5) المرجع نفسه، ص 13، بتصرف.
(6) ابن منظور: لسان العرب، مج5، بيروت ط 3/ 2004، مادة خطب ص :97-98.
(7) رشيد بنحدو: النص الأدبي من الإنتاج إلى التلقي، أطروحة مرقونة بكلية الآداب، ظهر المهراز، فاس، إشراف حسن المنيعي.
(8) سعيد يقطين: تحليل الخطاب الروائي( الزمن، السرد، التبئير).
(9) نقلا عن: محمد البردي: إنشائية الخطاب في الرواية العربية، من منشورات الكتاب العرب، دمشق 2000، ص 1.
(10) خليفة الميساوي: المصطلح اللساني وتأسيس المفهوم، ص 179.
(11) المرجع نفسه، ص 180.
(12) ربيعة العربي: الحد بين النص والخطاب، الحوار المتمدن- العدد 9236-2012-04-08، 20:08، المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي.
(13) محمد خطابي: سبق أن ذكر المرجع. ص 13.
(14) جميل حمداوي: محاضرات في لسانيات النص، 2015، ص 24.
(15) المرجع نفسه، ص 24.
(16) أحمد عفيفي: نحو النص، اتجاه جديد في الدرس النحوي، ط1، 2001، ص 32.


محمد الورداشي – طالب باحث 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.