منبرُنا

«الاختيار 3» : دراما تسجيلية تفجر بركان الغضب السياسي

الأحداث التاريخية المُعاصرة تكون عادة محل خلاف إذا ما تم تضمينها داخل عمل درامي أو سينمائي، حيث لا يقبل المُتلقي إلا بالصورة الذهنية المُختزنة في ذهنه للحدث الذي عايشه لحظة بلحظة فهو يرى أن التفاصيل الدرامية المُضافة مجرد زيادة، كونه يرفض فكرة التجسيد الدرامي لما يُريد أن ينساه أو يتناساه، وإذا تمت مواجهته بالصورة الوثائقية ينمو في داخله إحساس الرفض، ويبدأ على الفور في عملية الهجوم على العمل المُختلف علية كنوع من الدفاع المُبكر عن الفكرة الثابتة لدية.

مُسلسل «الاختيار « 3للمؤلف هاني سرحان والمخرج بيتر ميمي نمط درامي مُختلف لم يتعود عليه المُشاهد، لذا فهو من أكثر الأعمال الفنية التي تعرضت للنقد، سواء من مُتخصصين أو مُتذوقين عاديين منذ عرض الجزء الأول والثاني وصولاً إلى الجزء الثالث، والشيء اللافت هو أن من ينتقده هو نفسه من يحرص على مشاهدته، كأنه يبحث في تفاصيل الأحداث عن ما يؤكد رأيه السلبي، وهذا الموقف إن دل على شيء فإنما يدل على نجاح المسلسل وتأثيره الجماهيري، بغض النظر عن النقاط الجوهرية أو الهامشية المُختلف عليها.

ولأن المقارنة بين «الاختيار» ومُسلسلات أخرى كـ»رأفت الهجان» أو «دموع في عيون وقحة» تتم بغير انتباه دقيق للفروق الخاصة جداً بين الأعمال الدرامية الثلاثة، فهي لا تُفضي لشيء يُذكر غير محاولات التقليل من أهمية الأول، دون إحاطة حقيقية بوجود رؤية تعتمد في الأساس على العنصر الوثائقي، وتحرك الحدث الدرامي والشخصيات في اتجاه ما تم توثيقه.

ومفاد هذا الإيضاح بعدم موضوعية المُقارنة أن التركيز كله ينصب في «الاختيار 3» على المعلومة والصورة الواقعية المتوافرة لدى الكاتب والمخرج والجهات الداعمة، حيث لا يتسع المجال لمد الخط الدرامي بعيداً عن الحالة الوثائقية، إلا بما تسمح به الحالة ذاتها، لأن التوسع الأفقي أو الرأسي سيؤدي إلى ترهل العمل وإتلاف الخطة التوثيقية المعمول بها في الحلقات، والمرفوضة من قبل البعض باعتبارها حاوية لوقائع جافة لا تُنبئ بمهارة الكاتب أو المخرج ولا ظل فيها للخيال الإبداعي الذي يُميز عملاً عن الآخر.

وفي الحقيقة أن بعضاً مما يقوله المُختلفون صحيح، إذا قرأنا المُسلسل قراءة إبداعية، لأن في هذه الحالة يتعين على المُشاهد بالفعل البحث عن مواطن الجمال في السيناريو والحوار والموسيقى والديكور إلى آخر عناصر التكوين الدالة على التميز والمؤدية للإقناع، وحينها لن يُصبح التركيز في الأبعاد السياسية هو الهدف الرئيسي.

ومن هنا يصعب حسم الجدل بين الفريقين، المؤيد والمُعارض ولا يتبقى إلا النظر في قدرة المُمثلين على التجسيد والتقمص، وهي المسألة التي لا تقبل الشك لأنها تخضع لمعايير إبداعية بامتياز لا صلة لها بالآراء السياسية.

أما وأن الظاهر والمُبين في الحلقات ينطوي على عناية فائقة بالمضمون السياسي للأطراف المُتنازعة، فمن الطبيعي أن تأتي المُعالجة وفق المُعطيات المُتفق عليها سلفاً بين صُناع العمل، التي تختص بتتبع خيوط الصراع عبر جميع مراحله بالكامل، بدءاً من الأحداث الرئيسية الوارد ذكرها، كعزل وزير الدفاع السابق المُشير محمد حسين طنطاوي وتعديل الدستور وحصار المحكمة الدستورية وأحداث بور سعيد وحملة تمرد وانتفاضة المُثقفين المُعارضين ونشاط جبهة الإنقاذ وغيرها من الوقائع التي دعت إلى الاهتمام بتقديم عنصر التوثيق على العناصر الدرامية، وهو ما يعتبره البعض نقطة ضعف كان يُمكن تجنبها لولا الإصرار على أن يكون التناول بهذه الكيفية.

وقد طغى الجانب السياسي على الجانب الفني في عملية التقييم العام للمُسلسل، فمن يختلف على الطرح والتفاصيل لا يرى غير السلبيات، ومن يؤيد المضمون ويراه مُستوحى من أحداث حقيقية وقعت بالفعل، يتغاضى عن العيوب الفنية ويعتبرها مجرد هنات لا تؤثر كثيراً في عملية الجودة ولا تقلل من قيمة الاختيار كعمل ضخم يشتمل على أحداث وشخصيات ومواقف ومعارك فكرية وميدانية تكشف عنها الصورة بوضوح.


ومن هنا يصعب حسم الجدل بين الفريقين، المؤيد والمُعارض ولا يتبقى إلا النظر في قدرة المُمثلين على التجسيد والتقمص، وهي المسألة التي لا تقبل الشك لأنها تخضع لمعايير إبداعية بامتياز لا صلة لها بالآراء السياسية، فشخصية محمد مرسي يؤديها صبري فواز بإتقان وتحكم كامل في الانفعالات والحركة، وهو ما زاد من تسليط الضوء على الشخصية ومنحها قدرا كبيرا من الأهمية بوصفها ضمن الشخصيات المحورية والأساسية في الأحداث.

كذلك شخصية خيرت الشاطر يقدمها خالد الصاوي بإجادة، لكن بقدر من المُبالغة أحياناً، أما شخصية السيسي فيظهر فيها الاجتهاد المُضني لخالد جلال، الذي يحاول طوال الوقت المُحافظة على درجة الصوت الهادئ وضبط حركة الجسم والإشارات في مشاهد الانفعال القليلة للشخصية. ورغم الظهور العابر لشخصية المُشير طنطاوي في بعض المشاهد إلا أن أحمد بدير أظهر تفوقاً ملحوظاً في أدائه في الحلقات الأولى، أما شخصية مُرشد جماعة الإخوان محمد بديع فقد تفوق عبد العزيز مخيون على نفسه بأدائه العقلاني الرصين ونفاذه إلى عمق الشخصية بمستوياتها الإنسانية.


ولم يقل مستوى بقية الأبطال عن نظرائهم، لكن لأنهم يجسدون شخصيات رئيسية ليست معروفة للعامة، فلم يكن للمُقارنة بين أصل الشخصية الحقيقية وصورتها على الشاشة محل من المُقارنة، لكن يُمكن استنتاج قدرة الممثل من عدمها بالطبع من خلال المساحة المُتاحة له وطبيعة الدور الذي يلعبه.

ولأن الأحداث تتواتر بشكل سريع وساخن، فقد أضفت جوا من المنافسة القوية بين أحمد عز وأحمد السقا وكريم عبد العزيز، الثلاثي المُراهن عليهم في عملية الاستقطاب الجماهيري لرفع مُعدلات المُشاهدة، خاصة بين جمهور الشباب، وبالطبع يؤخذ في الاعتبار العائد الإعلاني وحصيلة الأرباح، لاسيما أن الفواصل تأخذ حيزاً وفيراً من الوقت أثناء عرض المُسلسل، ربما أكبر من زمن الحلقات ذاتها!


كمال القاضي : كاتب مصري

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى