فن تشكيلي

رائدات الفن الفلسطيني بين الأصالة والمعاصَرة

مليحة مسلماني - تغريد عبد العال

  • مليحة مسلماني

حضرت المرأة فاعلًا مؤثرًا في مسيرة الحركة التشكيلية الفلسطينية منذ ما قبل النكبة، ولعل المعرض الفردي الذي أقامته الفنانة زلفة السعدي، في قاعات المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس عام 1933، يُعدّ مؤشرًا جليًا على هذا الحضور المبكر للمرأة في المشهد الثقافي بعامّة والتشكيلي بخاصة، وذلك على من الرغم من واقع المرأة الفلسطينية، والذي يتقاطع مع واقع المرأة العربية، من حيث محدودية فرص استكمال مسيرتها التعليمية والمهنية، والبقاء أسيرة الصور النمطية عنها، إضافة إلى واقعها الاستثنائي الذي تمثّل في النكبة، وما نتج عنها من فقدان الكيانية الفلسطينية والمراكز المدينية والثقافية، وما تبعها من واقع الاحتلال في داخل الوطن والشتات في خارجه.

يأتي هذا المقال، في شهر آذار الذي يحتفي بالمرأة، استرجاعًا لتجارب ثلاث رائدات في الفن التشكيلي الفلسطيني، تميزت كل منهن بأسلوبها الخاص وتنوعت أدواتهن في التعبير البصري بين الرسم والتشكيل بالفخار وتعدّد الوسائط والإنشاء والفيديو وغيرها من أشكال الفن المعاصر. هؤلاء الرائدات هنّ الفنانات فيرا تماري، وتمام الأكحل، ومنى حاطوم. وقد كانت الهوية وإرثها، والقضية الفلسطينية وتمثلاتها، وانعكاساتها على الذات الجمعية والفردية الفلسطينية، والاشتغال بين الخاص والعام، محاور جامعة بين هؤلاء الفنانات، وذلك على الرغم من اختلاف أمكنتهن، وبيئات التأثير على تجاربهن الفنية، بين الوطن والشتات.

من أعمال فيرا تماري 

  • فيرا تماري..  من الفخّار إلى تعدّد الوسائط

تشكل أعمال الفنانة فيرا تماري تجربة فريدة بحكم نشوء الفنانة في الوطن واستقرارها فيه، ومعايشتها بالتالي المراحل المختلفة التي مرت بها فلسطين بعد النكبة. عملت الفنانة مع أبناء جيلها من الفنانين، مثل سليمان منصور ونبيل عناني وغيرهما، على خلق حراك تشكيلي ينسجم مع واقع الحياة تحت الاحتلال.

كان من بين تلك المساعي تأسيس “جماعة التجريب والإبداع” التي سعت لإنتاج أعمال إبداعية باستخدام مواد طبيعية من الأرض، كالتراب والنباتات والحنّاء، وجاء تأسيس هذه الجماعة دعمًا وتحقيقًا لما أعلنته الانتفاضة الفلسطينية الأولى من شعارات حول الاعتماد على الذات، ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية، والعودة إلى الأرض لإنتاج ما يسد احتياجات الإنسان الفلسطيني، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، في ظل حصار الاقتصاد الفلسطيني ومحاولات تدميره على يد الاحتلال.


من الجدير ذكره هنا أن أدوات إنتاج الفن في فلسطين، من ألوان وغيرها، كان من غير الممكن توفيرها في تلك الفترة إلا عن طريق دولة الاحتلال، وذلك بسبب سيطرة الاقتصاد الإسرائيلي على الاقتصاد الفلسطيني، واحتكاره إنتاج واستيراد الغالبية العظمى من السلع والخدمات.

تتميز أعمال تماري بتنوع الأساليب والوسائط، فأعمالها الفنية تشمل اللوحات والأعمال الإنشائية بالإضافة إلى أعمالها من الفخّار، وللفنانة علاقة حّسية خاصة مع مادة الفخار. تقول تماري: “لجأت إلى الفن بحثًا عن وساطة، أستطيع من خلالها التعبير عن نفسي، وبدأ فني ينمو ويتطور، بينما كان يتزايد الوعي بالقضية الفلسطينية”.

وتكمل: “أعتقد أن أسلوبي ونظرتي إلى السيراميك اختلفت عن النمط التقليدي في استعمال السيراميك في فلسطين. أشعر أن عملي هو شيء خاص جدًا. إنه يقدم ما يشبه التفهم الصحيح لشعبي الفلسطيني.. علاقتي بالفخار أصبحت أقوى. أستطيع الآن أن أوصل رؤيتي وأحلامي التشكيلية من خلال الفخار الفني إلى الجمهور”.

تحتلّ المرأة، وبشكل خاص الأم، مكانة مركزية في أعمال تماري، ويصف النقّاد أعمال الفنانة بأنها تمثل “دراسة لعالم المرأة في المجتمع الفلسطيني”، ففي أعمال الفنانة المبكرة تقوم المرأة بأدوار مختلفة، فهي تعمل في الحقول، وتصون التراث الشعبي وتمثله، ويشكل جسدها رمزًا للأمومة واحتضان الوطن.

في أحد أعمال تماري اللاحقة، وهو عمل إنشائي بعنوان “رثاء صامت”، تغيّر شكل المرأة وهرم الوجه لتكتسي ملامحه بتعابير الحزن والتعب الشديديْن، في دلالة على توالي الأحداث المأساوية على الشعب الفلسطيني. جاء هذا العمل تكريمًا وتذكارًا لأمهات الشهداء من خلال مجموعة ثلاثية التكوين. وتلعب الحجب الشعبية التي تدخل في تصميم هذه المجموعة دور الحامي من الأذى والمرض والموت. 

من أعمال الفنانة المميزة الأخرى عملها الإنشائي “ماشيين” ـ “Going for a Ride”، والذي نفّذته عام 2002 مستخدمة سيارات تم تدميرها على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد اجتياح مدينة رام الله في ذلك العام، حيث قامت بفرض الحصار وقتل المدنيين بالإضافة إلى تدمير مئات السيارات التابعة لسكان المدينة باستخدام الدبابات العسكرية. نظّمت الفنانة مجموعة من السيارات المدمرة على مساحة من الإسفلت في ملعب لكرة القدم تابع لمدرسة “الفريندز للأولاد” في رام الله.

تظهر من موقع العرض مستوطنة “بسجوت” المقامة على قمة جبل الطويل والمطلّة على مدينتي رام الله والبيرة، وهي إذ تهيمن على الفضاء المكاني تبدو كخلفية استيطانية استعمارية لموقع العرض. يُسمع صوت موسيقى من داخل السيارات، والتي عُلّقت داخلها وعلى مرآة الرؤية الخلفية عناصر من التراث البصري: مثل العين الزرقاء، والكفّ، والمسبحة، والتي تشغل جميعها في الثقافة الفلسطينية والعربية دور الحماية والحفظ من الأذى والحسد.

ينطوي عمل “ماشيين” على رسائل تتحدى الحصار وآلة الدمار الاستعمارية، إذ هو يحول ما هو مُدَمَّر إلى مشهدية جماليّة تستمد وجودها من فعل الحياة، والرغبة في الإصرار والحفاظ عليها والمضيّ قدمًا فيها.

من أعمال تمام الأكحل 
  • تمام الأكحل..  بين يافا والمخيم

سعت الفنانة تمام الأكحل إلى تأكيد الهوية والتراث الفلسطيني في أعمالها ضمن معالجات بصرية أبرزت فيها العناصر المميزة لهذا التراث من خلال إعادة الاشتغال على جمالياته اللونية والتكوينية، وبما يتضمنه من المطرّزات والزخارف والبيوت المقبّبة والبلدات القديمة وغيرها من مكونات تراثية عربية ـ فلسطينية. كما يظهر الحصان في العديد من أعمال الفنانة كرمز دالّ على الأصالة والإرث العربي في الهوية الفلسطينية، في محاولة تشكيلية تصل بها الفنانة الماضي بالحاضر. والحصان رمزٌ متعدد الدلالات يُشار به في الآداب والفنون الفلسطينية والعربية إلى معاني الفداء والتضحية والوفاء والجمال والقوة والثورة.

كما يبدو المكان موضوعًا مسيطرًا في أعمال الفنانة، والتي تقوم بتمثيل العناصر المكانية التي تميز التجربة الفلسطينية، سواء في الوطن أو في المنفى، ضمن علاقة ارتباط وانتماء يتماهى فيها الإنسان الفلسطيني مع مكانه الأول ــ الوطن، بينما يضعه المكان الثاني ــ المخيم والمنفى، على حافّة غربة واغتراب تقف عند عام 1948، لكنها حافّة ليست ساكنة، إذ تتأرجح تعبيرًا عن بقاء الفلسطيني على أهبّة كارثة أخرى.

لم تغب مشهديّة المخيم بتفاصيله اليومية وشخوصه المهجّرين عن أعمال تمام الأكحل؛ في مجموعة من تلك الأعمال يظهر المخيم بمساكنه التي تبدو أشباهَ بيوت تكاد تأوي اللاجئين، فهي ليست بيوتًا تمامًا إذ لا توفر الحماية لهم، وهي ليست راسخةً في منفاها في دلالة على بقاء الفلسطيني في منطقة بيْنية؛ فهو ليس متجذّرًا في هذا المنفى ولكنه لا يغادره، وهو غير حاضر في الوطن لكنه لا يغيب عنه حِسًّا وذاكرة.

تخيم روح الفقر وثقل المـأساة على المكان في تلك الأعمال، في حين تتخفّى روح الثورة بين أزقّة المخيم وفي ملامح قاطنية دلالةً على ما هو مختزَلٌ في التجربة الفلسطينية من غضبٍ يتصاعد وتوقٍ مستمرٍّ إلى العودة والاستقرار.

أما يافا، عروس البحر في الأدب والفنون والثقافة الفلسطينية، ومسقط رأس الفنانة التي هُجّرت منها وعائلتها إبان النكبة لتستقر في بيروت، فتظهر في مجموعة من الأعمال ذات الحجم الكبير زاخرةً بدراما لونيّة مَلِكَتُها زرقةُ البحر، وسرّها الذاكرةُ القابضةُ على ذاتها برتقالةً مضيئة.

تشكّل مجموعة الفنانة تمام الأكحل عن يافا سرديّةً بصريةً لهوية المدينة قبل النكبة وخلالها وما بعدها؛ ففي لوحة بعنوان “يافا عروس البحر”، يظهر المكان بطبيعته وبرتقاله وبحره وشخوصه في وضعية من الهدوء والسلام لا تحيل إلى أزمة، فالفلاحون يقومون بقطف البرتقال والأطفال يلعبون على شاطئ البحر والصيادون يبحرون فيه.

غير أن الأزمة تظهر من موضعة اللوحة ضمن لوحات أخرى موضوعها يافا، المدينة التي تحتفظ في الذاكرة الجمعية الفلسطينية بمكانة راسخة تتراوح بين الحنين والألم، والجمال والقسوة، وغيرها من تضادات الشعور الإنساني حول المكان ومجمل حدث النكبة.

تصل الأزمة ذروتها في لوحة أخرى بعنوان “الاقتلاع من يافا”، إذ يتحول المشهد ذاته في اللوحة السابقة الى حالة من الهلع والفزع، فالبحر لم يعد ساكنًا وهادئًا، والشخوص في حالة من الفجيعة يظهرون في تماهٍ مع الأمواج الهائجة، وكجماعات تركب البحر خلاصًا من حرب لم يخططوا أو يستعدوا لها. توثق تلك اللوحة للحظةٍ فارقةٍ في الوعي الجمعي الفلسطيني، وهي اللحظة التي تجرّع فيها الفلسطينيون مرارةَ الصدمة التي حملتهم على أمواج البحر إلى المجهول في المنافي.

من أعمال منى حاطوم

  • منى حاطوم .. منطق الأضداد

من بين الفنانين الفلسطينيين في الشتات في أوروبا تبرز الفنانة منى حاطوم التي تمتاز أعمالها بالجرأة والعمق والتحدي لكافة أنماط الحصار المفروضة، السياسية والاجتماعية. وتستخدم حاطوم أساليب فنية معاصرة في تكوين رؤيتها البصرية حول مختلف المواضيع، فتأتي أعمالها في قوالب من فنون الفيديو Video Art، والأداء Performance، والإنشاء Installation، وغيرها من الأساليب التي تطرح الفنانة من خلالها العلاقة بين الخاص والعام، وبين الذاتي والسياسي. تستخدم حاطوم جسدها في أعمالها الفنية ليكون مسرحًا للأحداث وموضوع الرسالة البصرية ـ المضامينية ولتطرح من خلاله التداخلات بين الخاص والعام.

في عملها “طاولة المحادثات”، والذي عُرض في أعقاب الغزو الإسرائيلي لبيروت، وفي العام الذي تلا مجزرة صبرا وشاتيلا التي جرت في أيلول/ سبتمبر عام 1982، ظهر جسد الفنانة ممددًّا على طاولة تحيط بها ثلاثة مقاعد فارغة، وفي فضاء مظلم يخترقه ضوء مسلّط على الطاولة حيث الجسد المُمدّد.

استمر العرض مدة ثلاث ساعات بقي فيها الجسد ممددًا كجثة بلا حركة، ويرى المتفرج عن قرب أن الجسد قد رُبط بالحبال ووضع بكامله داخل كيس بلاستيكي، في حين حُجب الوجه والرأس بشاش طبي، كما يرى المشاهد من خلال شفافية الكيس لفائف الجسد مخضبة بالدماء بينما يكتسي البطن بكيس شفاف مليء بالأمعاء والدماء.

رافق هذا العرض تسجيل صوتيّ تكرر طوال مدة الثلاث ساعات لمقتطفات من نشرات إخبارية حول الحرب الأهلية في لبنان وتصريحات لرؤساء الدول الغربية حول السلام في الشرق الأوسط.

يصف إدوارد سعيد أعمال منى حاطوم بـ “منطق الأضدّاد”، إذ هي تستند إلى ما يسميه بـ”ذاكرة التحدي”، يقول سعيد: “في عصر المهاجرين، واللاجئين، والمنفيين، وهروب المدنيين، عصر المذابح والمخيمات، ومنع التجوّل، وإبراز بطاقات الهوية، تُعتبر (أعمال حاطوم الفنية) بصفتها الأدوات العرَضيّة غير القابلة للمصالحة في علاقتها بذاكرة التحدي، هذه الذاكرة التي تواجه الذات دون هوادة وبالعناد نفسه الذي تواجه فيه الآخر الذي يطاردها ويقمعها، ولئن اتسمت (هذه الأعمال) بالتغيير المستديم إلا أنها ترفض لنفسها التفريط بالماضي الذي تكمن عليه بحيث تبدو في ذلك وكأنها كارثة مغفلة يتواصل حدوثها دون توقف ودون تملّق أو تبجّج أو عصف خطابي”.

 ويرى كمال بُلّاطة أن عمل منى حاطوم “يعيد تعريف العالم من خلال جسد الفنانة، وذلك بالوصول إلى جسد مشاهدها. وفي مجرى التواصل هذا، يخلق عملها الفني لغة مجازية في الأضداد تعبّر في الآن الواحد عن الهوية والمنفى، وعن القمع والمقاومة، وعن الأسر والحرية”.

في عملها التركيبي “حكم مُخفّف” استخدمت منى حاطوم خزائن من الأسلاك كتلك التي تُرى في السجون، حيث يشكل العمل بغرفه المكونة من الأسلاك شكل الحرف الإنجليزي “U”. تحيل الخزائن إلى الأقفاص التي توضع بها الحيوانات، وتشير الفنانة بهذا العمل إلى النمطية العالمية التي تميز مساكن وأسلوب حياة الإنسان في هذا العصر، والتي تصبح أسيرة سجون صغيرة تشكل في مجموعها سجنًا كبيرًا.

وبتدلّي مصباحٍ من مركز سقف فضاء العمل، يتحرك ببطء إلى الأعلى والأسفل، تتشكّل ظلالٌ للخزائن والأسلاك على الأرضية والجدران، ما يعطي شعورًا بالاضطراب والزعزعة وسط بيئة متغيرة، رغم النمطية الثابتة كسجونٍ صغيرة يتجمّد فيها الزمن.

في عمل آخر بعنوان “نقطة ساخنة”، وهو عبارة عن تركيب للكرة الأرضية يشبه القفص، تستخدم منى حاطوم خطوط النيون لرسم حدود خارطة العالم؛ يصدر عن العمل طنين مكثف في حين يتوهج محيطه بأنوار حمراء. لا يشير العمل إلى مناطق النزاع السياسي أو الحدود المتنازع عليها فحسب، بل إلى مجمل الوضع العالمي المشتعل بالصراعات والنزاعات.


  • مراجع

تينا شيرويل وآخرون، ألوان الحرية والحياة، (فلسطين: وزارة الثقافة، 2004).

عز الدين المناصرة، موسوعة الفن التشكيلي الفلسطيني في القرن العشرين: قراءات تاريخية توثيقية نقدية، مجلّدان، (عمّان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 2003).

طال بن تسفي وآخرون، صور ذاتية: فن نساء فلسطينيات، (تل أبيب: دار أندلس للنشر، 2001).

إسماعيل شموط، الفن التشكيلي في فلسطين، (الكويت: مطابع القبس، 1989).

Edward W. Said, “The Art of Displacement: Mona Hatoum’s Logic of Irreconcilables”, European Institute of the Mediterranean IEMed., at:
https://www.iemed.org/wp-content/uploads/2011/09/The-Art-of-Displacement.pdf


ضفة ثالثة

بالعربيّة

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات