الاستشراق

في جينالوجيا الآخر لعبد الغني عماد

- رفيف رضا صيداوي -

 

كُثُرٌ هُم المفكّرون والباحثون والمثقّفون الذين يرون أنّ هناك استشراقاً قديماً وآخر جديداً، من منطلق أنّ تاريخ الاستشراق لم ينقطع.

لكن بعيداً من أيّ مقولات غير مستندة إلى حجج وبراهين علميّة، وبعيداً من الأدلجة التي تُواكِب مثل هذه الموضوعات/ الإشكاليّات الحاضرة دوماً، قدَّم الأستاذ والعميد السابق في معهد العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللّبنانيّة الدكتور عبد الغني عماد (1951 – 2020) في كتابه الأخير الموسوم بـ “في جينالوجيا الآخر: المُسلم وتمثّلاته في الاستشراق والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا”، مقاربةً علميّة لهذا الموضوع، تحفر حفراً معرفيّاً فيه، ما جَعَلَ عمله كما عرّفه هو بنفسه: بحثاً “في جينالوجيا المُغايرة، والتمثّلات المتغيّرة والمتحوّلة، المؤطِّرة لصورة الآخر والمؤسْطِرة للذات في الثقافة الغربيّة”.


لا شكّ أنّ هناك إرثاً استشراقيّاً لا يزال يحكم المُجتمعات وتصنيفها بين مُجتمعات غربيّة وأخرى شرقيّة، وهو ما سعى إلى تبيانه مؤلّف الكِتاب. لكنّ هذا السعي اتّبع مساراً علميّاً موضوعيّاً، استند إلى مقاربة سوسيولوجيّة لإشكاليّة الهويّة الثقافيّة عبر نقد أبرز الأدبيّات العلميّة والأكاديميّة المُعاصرة التي تناولت هذه الإشكاليّة وتفكيكها.

ففي قراءةٍ لتصنيف الغربيّين للإسلام والإسلام السياسي، ميَّزَ عبد الغني عماد بين الدراسات الأكاديميّة، والوظيفيّة، أي التي تلبّي حاجات ظرفيّة مضمرة تُحدِّدها مراكز البحوث، والدراسات الإعلاميّة التسويقيّة ذات الطّابع الشعبوي الهادف إلى كسب الرأي العامّ.

بمعنى أنّ المؤلِّف لم يضع أوّلاً كلّ ما كَتبه الغربيّون عن العرب والمُسلمين في سلّة واحدة، ولم ينمِّط ثانياً الدراسات الغربيّة اعتباطيّاً من دون تمييز بينها، بل عالجَ موضوعه بعيداً من أيّ نزعة “جوهرانيّة” تجعل من الآخر ماهيّة ثابتة وجوهراً واحداً لا يتغيّر مع الزمن، ومستقلّاً عن العوامل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة. وهي النزعة التي أفضت، ولا تزال، إلى تمثّلاتٍ مشوِّهة للذات وللآخر.


مارَسَ عبد الغني عماد فضلاً عن عمليّة التصنيف هذه نوعاً من التحقيب العامّ للاستشراق، لافتاً إلى أنّ الكلام على الغرب أو الشرق ليس كلاماً على كيانٍ واحد موحّد، وإلى أنّه لم يكُن كذلك قديماً أو حديثاً. فأشار إلى أنّ الغرب قد عَمَدَ بعد الثورة الصناعيّة إلى تثبيت الصورة السلبيّة عن العرب والإسلام مدّعياً أداء رسالة تتمثّل بالأخذ بيد هؤلاء “المُتخلّفين”.

لكنّه في تبيانه أنّ معرفة أوروبا بالشرق عبر الاستشراق قادت إلى السيطرة عليه يستدرك أنّ في هذا الكلام نوعاً من التعميم والإدانة لكلّ البحث الاستشراقي. يقول: “يصعب على المرء الاتّفاق مع المُغالين في نقد الاستشراق بأنّ كلّ ما قام به المستشرقون من حفريّاتٍ وفكٍّ لرموز الحضارات واللّغات القديمة وتحقيقٍ للمخطوطات التاريخيّة كان لمجرّد تشويه تلك اللّغات والحضارات”.

وهذه المراجعة بدأت من لحظة الاستشراق وبداياته مروراً بالأنثروبولوجيا وكيفيّة مقاربتها للشرق والإسلام وصولاً إلى السوسيولوجيا ومنهجيّاتها التحليليّة للمُجتمعات.


  • نحو البنية العميقة

المَسار النقدي التفكيكي قادَ إلى تحليل الأشكال الجديدة والتحوّلات المُختلفة التي أصابت حقل الدراسات الإسلاميّة في الغرب، وإلى تلمُّس “البنية العميقة”، بلغة نعوم تشومسكي، التي أسهمت ولمّا تزل في تكوين صورة “الآخر” في الفكر الغربيّ، وذلك لما تنطوي عليه من ملامح وآليّات اشتغال واعية ولاواعية في إنتاج خطابه عن “الآخر” المُسلم؛ إذ قادت متابعة عبد الغني عماد لـ”كيف تُمارِس الأيديولوجيا مَكْرَها في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا بعد أن سقط الاستشراق، قديمه وجديده، في فخّ صناعة المغايرة وأدلجتها”، إلى استنتاج أنّ صور الاستشراق القديم وتمثُّلاته عن “الآخر” لم تمّحِ، وأنّه اتّخذ هيئاتٍ جديدة وصوراً وتمثّلاتٍ مُتعدّدة ومُختلفة، “هي بالتأكيد لا تُشبه القديم منها، لكنّها تَدمج في أحشائها بعضاً من جيناته المترسّبة والساكنة في اللّاوعي، أو حتّى في الوعي الذي يوظّف مكر الأيديولوجيا المتعولمة وخبثها”.

فاستشراق ما بعد العولمة ليس هو هو استشراق القرن التاسع عشر، حيث إنّ العنصريّة التي يتضمّنها الاستشراق الجديد لم تعُد تقرّ بالأعراق والجينات وعنصر الدمّ كعناصر أو متغيّرات ثابتة تُحدِّد سلوك الأفراد، بل بالثقافة بوصفها عنصرَ مُفاضلة بين البشر. حتّى أنّ “هناك “استشراقاتٍ” متنوّعة بدأت بالاحتكاك والفضول المعرفيّ وتطوّرت إلى حاجةٍ ووظيفةٍ في العصر الكولونيالي”، وباتت الآن، أي في عصر العولمة “فاقدة لصلاحيّتها وموضوعها ونفوذها”.


الاستشراق الجديد بدا على تخوم الأيديولوجيا والأنثروبولوجيا بعدما شهدت دراساته تحوّلاتٍ جذريّة في النصف الثاني من القرن العشرين بفعل انفتاح العقل الأوروبي على المُجتمعات الشرقيّة وعلى النقد ما بعد الحداثي المشكِّك بكونيّة الحقيقة وبالعقلانيّة الغربيّة لصالح مفاهيم النسبيّة والتعدّديّة الثقافيّة وتفكيك الأساطير المؤسِّسة للحداثة الغربيّة، التي استفاد منها المشروع الاستعماري الغربي.

لكنّ ذلك لم يفضِ إلى التحرُّر من المركزيّة الغربيّة “كثقافة متوطّنة في البنية العميقة للغربيّين، الذي كشفت كثيراً من مَعالمه سياساتُ ما سمّي “الحرب على الإرهاب”، التي راحت تُسوِّق لـ”المُغايرة” و”الاختلاف” وصدام الحضارات وإثارة الرعب والخوف من الإسلام، وأصبحت معها الإسلاموفوبيا صناعة أكاديميّة وإعلاميّة تُعيد تعريف المُسلم كمشروعٍ إرهابي والإسلام كأيديولوجيا للعنف”.

والاستشراق الجديد بات يتكوّن اليوم أيضاً من مفكّري المؤسّسات البحثيّة وسياسيّين وصحافيّين وخبراء هوليوود وخبراء مال ووسائل إعلام وسواهم، وبات تأثيرهم يطال مجال استراتيجيّات السياسة الخارجيّة والعلاقات الدوليّة، من حيث إنّهم – أي العرب والمُسلمين – يشكّلون تهديداً للقيَم الثقافيّة والحضاريّة للغرب.

ولعلّ الاهتمام المتزايد بدراسة الشرق الأوسط “كوريث أكاديمي حديث للاستشراق الكلاسيكي” يبقى خير شاهد على الانتقال من الاستشراق الديني والتاريخي إلى الاستشراق الأيديولوجي والسياسي والقومي المُعاصر، لكن مع استخدامٍ مكثّف لمنهجيّات العلوم الاجتماعيّة وطُرقها.

وقد بيّن الكاتب عبر توقّفه عند حقل الدراسات الإسلاميّة في الغرب، ولاسيّما المُتخصّصين في دراسة الحركات الإسلاميّة، أنّ هناك إجماعاً على تشكُّل تيّار من “الإسلاميّين الجُدد”، يمثّلون ما يُطلق عليه تعريف “ما بعد الإسلامويّين” أو ما بعد الإسلام السياسي للتفريق بينهما، وهو ذو خصائص يُمكن حصرها بعناصر خمسة: تجديد التديُّن، والتدرّجيّة، والتحديث، وإعادة تعريف القوميّة، وتحسين العلاقات مع الغرب.

غير أنّ هذا الحقل موزَّع بين تيّارين: التيّار الاستشراقي الجديد المحافظ على الباراديغم الموروث عن الإسلام والمُسلمين وعلاقته بالسياسة والمُجتمع، والتيّار النقدي السوسيولوجي ذي الرؤية التفكيكيّة النقديّة للحداثة الغربيّة ومقاربتها الاستشراقيّة، الكلاسيكيّة والجديدة، التي طرحت منظوراتٍ جديدة في تحليل المُجتمعات والمدينة الإسلاميّة وإشكاليّات التمدين والتديُّن وصعود الحركات الإسلاميّة.

فضلاً عن مداخل جديدة ومفاتيح تحليليّة جديدة متحرّرة من النماذج الجاهزة، تمثّلت بأعمال براين تيرنر وأرماندو سلفاتوري وزكاري لوكمان وروجر أوين وأوليفيييه روا وفرنسوا بورغا وآصف بيات وجون أسبوزيتو في مجال الإسلام السياسي منذ مطلع التسعينيّات. لكنّ هذه التطوّرات البحثيّة والمُقاربات التحليليّة التي أسهمت في توليد وعي جديد بالمجال الإسلامي، بحسب عماد عبد الغني.

وعلى الرّغم من ديناميّتها وخروجها من القوالب والنماذج الجاهزة التي تحكّمت بمفاصله لفتراتٍ طويلة، لا تعني “اختفاء التمثيلات الاستشراقيّة والصور المسبقة التي يعود اليمين المحافظ الصاعد اليوم في الغرب إلى إيقاظها واستثمارها، والتي تتجلّى بمظاهر إرهابيّة دمويّة في أكثر من مكان”.

لقد كشف الكِتاب عن أهميّة المُقارَبة المُتداخلة الحقول المعرفيّة لفكّ شيفرة حقلٍ تضافرت اختصاصاتٌ متعدّدة لتشكيل مفاهيمه ونماذجه التحليليّة، والذي يبدأ بالاستشراق وينتهي، وربّما لا ينتهي، بالأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والسيميولوجيا وغيرها من العلوم التي أسهمت في بناء صورة الآخر المُسلم. تلك الصورة غير المطابقة لحقيقتها وأصلها، لكونها أوّلاً وآخراً “صورة متمثَّلة، مُنتَجة ومُتخيَّلة”.


مؤسّسة الفكر العربي

close

مرحبا 👋

قم بالتسجيل في النشرة البريدية لتتوصل بجديد مقالات منصة "بالعربية"، كل أسبوع.

نحن لا نرسل البريد العشوائي! اقرأ سياسة الخصوصية الخاصة بنا لمزيد من المعلومات.

رفيف رضا صيداوي

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات