الحاج عبدالله: المستشرق المولع بالغرائبية

 

(the first footstep in east africa يعد كتاب الرحالة/المستكشف الإنكليزي ريتشارد فرانسيس بيرتون (من النصوص الكلاسيكية المهمة من الناحية السوسيولوجية التي كتبت عن الصوماليين، وهي تقارير كتبها عن رحلة قام بها إلى منطقة شرق أفريقيا في عام 1854م، ووجه أهمية هذا الكتاب يكمن في المساحة الجغرافية الشاسعة التي شملتها هذه الرحلة؛ فقد شملت مدينة زيلع وهرر وبربرة، فضلا عن غزارة المعلومات التي دوّنها بيرتون أثناء رحلته، وكانت هذه التقارير عبارة عن مهمة كلفته بها “الجمعية الجغرافية الملكية” البريطانية التي كانت تموّل تكاليف أسفاره، وهي جمعية نهضت بدور المستكشف تمهيدًا لتنفيذ مخططات المستعمر الأوروبي.

إضافة إلى كونه رحالة ومستشرقاً وجاسوساً وجندياً خدم في صفوف الجيش البريطاني، كان ريتشارد بيرتون لغوياً يتقن 29 لغة ويترجم فيما بينها، ومن بين الكتب الكلاسيكية التي نقلها من العربية إلى الإنكليزية الكتاب الشهير ألف ليلة وليلة. وكان بيت القصيد من رحلته إلى شرق أفريقيا التمكن من دخول مدينة هرر التي كان يُمنع دخولها لغير المسلمين، كما هو حال مدينتي مكة والمدينة، ويذكر عن أسماء أصدقاء له حاولوا دخول هرر، منهم هنري سالت، وجون ستارت، وجون لودج كراف، لكن انتهى أمرهم بالفشل، إلا أنه نجح في دخولها بعد أن تنكّر بهيئة شخص مسلم، وأطلق على نفسه الحاج عبدالله، وكان يواظب على أداء الصلوات وقراءة القرآن أثناء رحلته التي استمرت قرابة سبعين يوماً.

يقع هذا الكتاب في النسخة التي أعاد تحريرها الكاتب غوردن ولترفيلد عام 1966م وصدرت في ترجمة صومالية هذا العام بعنوان “رحلة ريتشارد بيرتون إلى شرق أفريقيا” أنجزها المترجم بودري وسمه، في أحد عشر فصلاً تبدأ من انطلاقته من عدن واتجاهه إلى مدينة زيلع، ومن زيلع إلى هرر، ومن ثم انتقاله من هناك إلى بربرة حيث يبحر منها عند عودته إلى عدن.

تكاد النظرة الاستشراقية الأوروبية تتكرّر في صفحات الكتاب، ويظهر السيد بيرتون ولعاً شديداً بجمع الغرائبية وإصراراً على التقاط “المختلف” والنبش في كل ماهو منفّر، فيتحدث ذات مرة -على سبيل المثال- عن حادثة يقول فيها إن البرابرة (وهو وصف قدحي أطلقه الإغريق والرومان ومن بعدهم الأوروبيون للتدليل على الهمجية والتخلف) رأوا أشخاصاً بدون سلاح، فيبادر البرابرة إلى سؤالهم لماذا هم بدون سلاح؟ فيجيبون إنهم عائدون من الحج، فيقوم البرابرة باختطافهم لغرض قتلهم، بتفحّص سريع لا تبدو هذه الرواية صحيحة من وجهين على الأقل، فمن جهة هي غير متناسقة مع طبيعة المجتمع الصومالي الذي يعظّم كل ما يتعلق بالشعائر الدينية خاصة الحج والحجاج، ولا أدلّ من ذلك على أن بيرتون نفسه أطلق على نفسه لقب “الحاج” لكي يسلم من الأذى، ومن جهة أخرى، ما تنقله المرويات الشفهية المعروفة بأن الشخص الذي يذهب إلى الحج يكون لديه قدر من الاحترام والهيبة عند الناس، ويؤكد نفسه ذلك في صفحات تالية في معرض حديثه عن مدى انتشار الخرافات. يشير على سبيل القدح أيضا إلى أنهم يتبركون بمن يحجّ إلى مكة، إننا أمام روايات متناقضة يجمعها الولع بالغرائبية والبحث عن المنفر، ولا تأبه كثيرا بإيجاد منطق منظم للتصورات.

رسم ريتشارد بيرتون في هذا الكتاب “الصومال المتخيل” على غرار الشرق المتخيل، ووضع الكثير من الصور الذهنية الشائعة إلى اليوم عن الصوماليين، التي ستكون مدار الحديث عن قرنين لاحقين، ومنها مقولته الشهيرة بأن الصوماليين أمة من الشعراء، وهو يبدي دهشته من أن لغة غير مكتوبة تبلغ هذا المدى من الفصاحة والبلاغة، والمفارقة أن هذا النص يعد أهم المراجع التاريخية عن منطقة الصومال، التي يحيل إليها المؤرخ الصومالي نفسه، وتلك مفارقة عويصة، وذلك لندرة إن لم نقل غياب نصوص أخرى تقارع التصورات التي يعرضها هذا الكتاب، بسبب غياب التقاليد الكتابية في المجتمع الصومالي وقتذاك. فضلاً عن أن غزارة المعلومات المتوفرة في هذا النص تجعل الباحث التاريخي لا يملك تجاهله، إنه تعامل ضروري لكنه حذر في الوقت نفسه.

تحدث السير بيرتون عن التدين والشعر والبيئة والأشجار والحيوانات ونظام الإنتاج الاقتصادي والتجارة والزواج والطلاق ومراسم الدفن والتعليم الديني والسلاح المفضّل للصوماليين، ويقول عن الأخير “أنه الرمح، والخنجر، وأن القوس والسهم مخصوص للطبقات المحقرة. ويخافون من السلاح الناري ويعتقدون أنه سلاح الجبناء الذي بإمكانه أن يقتل أشجع الرجال”. أثناء رحيله ستحدث مشادة بينه وبين السكان تنتهي بقتل أحد رفقائه الإنكليز بالرمح.

استقر هذا الرحالة في زيلع سبعة وعشرين يوما ومن ثم غادر إلى هرر، والتقى مع أميرها أحمد بن أبي بكر وهو شاب في الـ25 من عمره، ومكث هناك عشرة أيام، وكتب عن تفاصيل ما شاهده عن الأرومو بوصف وسرد يُعايِنان الجغرافيا والإنسان والثقافة واللغة والبيئة، ومن ثم اتجه إلى صوب بربرة، وبنبرة حادة في التعبير يعبر عن انزعاجه من المظاهر التي كان يشاهدها أثناء طريقه، كالبداوة والجلافة والبيئة القاسية، والإنسان الذي يعيش فيها الذي وسمه بالبربرية والهرطقة والقذارة والتخلف والاستغلال والاستعباد، في إشارة إلى واقع الرقيق، لكنه يغفل الدور البريطاني حيال تجارة الرقيق ويلقي اللوم فقط على الصوماليين.

ورغم رؤيته النابعة من صورة الإنسان الأوروبي المريض بالتفوق، والممهّد لحركة استعمارية، فإن هذا النص يحمل أهمية لدراسة كثير من المناحي السياسية والثقافية والدينية الصومالية وجيرانهم، من مثل ما كتبه عن الوجود العربي الذي كان أغلبه من تجار حضرميين اختلطوا مع السكان وتزاوجوا معهم، وعن الأجناس الأخرى مثل الهنود والفرس.

وجدير بالملاحظة في هذا السياق، أن كثيراً من المفاهيم والمصطلحات التي أخذت منحى سلبيا أو قدحيا بفعل هيمنة الحداثة الأوروبية على الثقافات التقليدية، لم تكن وقتئذ موضوعات سلبية لذاتها، مثل الأمية والبداوة إلى آخره من النعوت التي وضعها سياق الاستعمار الأوروبي الذي عمل على خلق وتكريس صورة متخيلة وملفقة لخدمة أجندة معينة، وثمة حاجة ملحة لتفكيك رموز هذه المصطلحات وإدراجها تحت الهدف الرئيس التي وضعت في سبيلها، وهي النيل من الثقافات المحلية التقليدية وتشييئها تمهيداً لتدميرها وتجريفها.

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.