منبرُنا

كورونا: الفيروس المُتَوَّج

 

في البدء كانت ” كورونا” مجرد فيروس ظهر في أقوى بقعة في العالم، فيروس سبقته فيروسات شبيهة. كثر اللغط حول كيفية تسرب هذا الفيروس أكثر من مدى خطورته ؟ وهل هو من صنع انساني أو بلاء رباني؟ اتهامات من هنا وهناك وحرب بيولوجية تلوح في الأفق بين أعتى الدول.

ما بين التصديق والتكذيب، والتخوين والاستهتار، انتشر الفيروس “المتوج” انتشار النار في الهشيم، فأربك كل الحسابات. بسرعة البرق سقطت الأقنعة، كل الأقنعة وسقطت معها عشرات الالاف من الأرواح. فأعلن المنتظم الدولي ” الفيروس المتوج” وباء وجائحة عالمية. كيف للمتوج ان يكون وباء قاتلا؟ وكل لغات العالم تُدخل ألفاظ المتوج والمتوجين والتاج في خانة ” النجاح” و”الفلاح” و” الفوز” و”الصحة” و”السعادة “.

فالصحة كما يقال في الكلام المأثور “تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراه الا المرضى” ، وتاج الملك وتاج العروس. وللمتوجين والمتوجات حكاية تروى.

ثم أصبحت كورونا- أو كوفيد 19 خطرا يهدد العالم، وباء قاتل عابر للقارات. لا يفرق بين غني وفقير ولا بين وجيه وحقير. وُصف سخرية بالمنصف والعادل في استهدافه. لم يضرب افريقيا كما فعل صنوه ايبولا والملاريا وغيرهما من الاوبئة التي استوطنت الاجساد المنهكة والاوطان الفقيرة، حيث يهرع أغنياؤها ومستوطنوها الى الرحيل خارجها عبر طائرات خاصة. وانما انطلقت من آسيا واوروبا واكتساح كامل لكل القارات متنقلة عبر المسافرين الفارين من قدَر مؤجل الى قدَر قد يكون محتوما.

ارتبكت الحكومات والشعوب وأُعلن الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي كوسائل للتخفيف من انتشار الفيروس. استبد القلق والخوف والوسواس بالناس من أن يعلق بأحدهم هذا المخلوق الغريب. ماذا لو كنا نملك عيون زرقاء اليمامة في هذه الجائحة. أو مجرد امتلاك مجهر أو مكبر يرافقنا علنا نتحاشاه ونراوغه، لم تمهلنا التكنولوجيا لنرسم تمثلا لهذا المخلوق العجيب.

انتشرت الفديوهات والتسجيلات الصوتية والصور المرعبة لفيروس صغير جدا “متوج بقرون “.فالصور والرسوم المبثوثة هنا وهناك في هذا الموقع وهذه القناة كانت كافية لتمثل هذا الفيروس كرة خضراء أو حمراء بقرون بارزة تتدحرج، تلتحم فيما بينها وتلتف حول كل من علقت به، تكبر مع كل دحرجة وتصدم كل من صادفته في طريقها. تعشق التجمعات الكبرى والأسواق والأماكن الباردة المنعشة والمرعوبين والضعفاء. وفي المقابل تمقت الفراغ والوحدة والمقاومة والنقاء.

لم تكن من وسيلة أنجع سوى المكوث في البيوت. العالم بأسره يعيش حالة الطوارئ والحجر الصحي والتباعد الاجتماعي. توقف هذا العالم عن الحركة والتجوال والسفر الا للضرورات القصوى وبتصريحات موقعة من الجهات المسؤولة. وفي المقابل أزهرت الطبيعة وتنقى الهواء وافرغت الشوارع والممرات من الازدحام والاوساخ والنشل والتحرش، وخرجت الحيوانات تصول وتجول في بعض المناطق كسابق عهدها قبل انتشار الاسمنت والحديد ومجاري المياه العادمة. توقفت الحروب ولو لحين.

وتوحدت لغة العالم، لغة التضامن والتآزر وتقاسم التجارب. وبدأ التسابق لنشر العلم والمعرفة وتنظيم اللقاءات والندوات والمؤتمرات عن بعد بلا وسائط ولا فنادق ولا طائرات ولا هدر أموال.

لم يكن الحجر الصحي صحيا بالنسبة للجميع. فمن يُحجر في أماكن فسيحة يستطيع التكيف مع الوضع في غياب كماليات فقط كمن يقطن فيلا مزهرة أو ضيعة مثمرة او مزرعة شاسعة او قصر فسيح أو اقامة فاخرة ليس كمن يحجز في اماكن ضيقة حيث منسوب العنف الأسري مرتفع والراحة منعدمة أو تكاد تنعدم، كان يقطن شقة ضيقة أو كوخا او بيتا قصديريا أو مجرد غرفة أو بدون سقف.

كما لم يكن الحجر غريبا على من عاش حجرا مثيلا أو أفضع، كحجر إداري في مكتب معزول من قبل مسؤول يعاني انفصاما مهما حاول إخفاءه تطفو ساديته على السطح وشططه في استعمال السلطة أو في حجر في مصنع أو مقاولة يديرها جشِع لايرى سوى تزايد الانتاج. ولكن هذا الحجر العام كان فرصة للجميع للتأمل والتفكير وإعادة النظر في أمور شتى: في انسانيتنا في بيئتنا وعلاقاتنا.

كلما خرج احدنا للضرورة القصوى تجتاحه لحظات غريبة، لم نعد كما كنا، بل أصبحنا نلقي التحية من بعيد على غير العادة على القلة التي نصادفها اثناء ولوجنا مخبزة أو سوبر ماركت او بقال بالجوار. لدى عودتنا الى البيت يتملكنا الرعب، رعب من استقدام ” متوج” معنا في قفة الخضار أو في أكياس المشتريات.

وتبدأ عمليات التعقيم والتنظيف المبالغ فيه وزجر الاولاد والعويل والصراخ إذا ما لمس أحدهم شيئا قبل التعقيم. يوم الخروج للضرورة القصوى أصبح مرعبا كذلك أفضل منه المكوث في البيت.

احساس رهيب حينما يشعر المرء أنه ليس هو. كم هو صعب ان نعيش بحرية محروسة ولو من أنفسنا؟
هذا الكون الذي غدا سجنا كبيرا إثر اجتياح ” كورونا” ، ذكرنا بفلسطين الجريحة، بشعب عاش الحصار ستون عاما. عاش التجويع عبر اغلاق المعابر متنقلا لطلب تصريح للمرور الى جزء من ارضه المنتزعة منه غصبا في الضفة الأخرى ومع ذلك ظل صامدا مرابطا قويا ينشد أطفاله في انشودة معروفة:

ياليتني غيمة// ياليتني غيمة // أعلو بساط الريح أمضي بلا تصريح.


فاطمة ياسن : كاتبة مغربية؛ عضو شبكة القراءة بالمغرب

 

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

‫4 تعليقات

  1. لكل شيئ تداعياته، الحروب، الأوبئة، والكوارث الطبيعية، ما حصل هو أمر طبيعي لما أصبحنا عليه، المتوج هو سلطان توجته سلوكيات العالم المتوحش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى