الفلسفة في مواجهة قضايا الراهن

0

 

في الحوار اليتيم الذي أجرته معه الأسبوعية الألمانية الشهيرة “دير شبيغل” في ربيع عام 1966، والذي لم ينشر إلا في شتاء عام 1976، بعد وفاته بأيام قليلة، أشار مارتن هايدغر إلى أن التفكير الفلسفي بات “يسير في طريق ضيق”. لذا هو مُهدّد بـ”العقم والعجز” أكثر من أيّ وقت مضى. ويعود ذلك بحسب رأيه إلى السيطرة التي تتمتع بها العلوم، والتي توحي للإنسان بأنها -أي العلوم- قادرة على أن تنير له الطريق، وتوفر له ما يساعده على التحكم في الطبيعة، وعلى مواجهة مختلف القضايا سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم نفسية أم اجتماعية أم غيرها..

ومع تنامي وسائل الاتصال الحديثة، وهيمنتها على العالم مطلع الألفية الجديدة، ازداد الفكر الفلسفي انحسارا وفقرا، ولم يعد هناك فلاسفة بقامة وعبقرية الفلاسفة القدماء أو المحدثين أمثال هايدغر أو هوسرل أو كارل ياسبرس أو غيرهم، قادرون على أن يقدموا أجوبة لمختلف القضايا التي يتخبط فيها العالم راهنا.

ولتجنّب “موت الفلسفة”، و”انقراض الفلاسفة”، شرعت كبريات دور النشر في البلدان الغربية في إعادة طبع العشرات من الكتب الفلسفية التي تعود إلى عصر الإغريق، أو عصر النهضة، أو العصور الحديثة. كما أنها أصدرت سير كبار الفلاسفة منذ القديم وحتى عصرنا الراهن للتعريف بهم، وبأفكارهم، وأطروحاتهم حول مختلف القضايا.

إلى جانب ذلك، ظهرت في العديد من العواصم الأوروبية ما أصبح يسمّى بـ”المقاهي الفلسفية”. ويرتاد هذه المقاهي طلبة وأساتذة وعمال وموظفون عاديون لمناقشة القضايا التي تشغلهم اعتمادا على مؤلف فلسفي قديم أو حديث. وفي ألمانيا وفرنسا، تشهد مجلة الفلسفة التي تصدر شهريا في هذين البلدين انتشارا واسعا لدى القراء العاديين..

ولعل الهدف الأساسي من كل ما ذكرت هو جعل الفلسفة متاحة للجميع، وليست مقتصرة فقط على المختصين فيها، وعلى الحلقات الأكاديمية الضيقة. فقد كان سقراط يرى أن كلّ إنسان قادر على التفكير السليم إذا ما اعتمد على ما يسمّى بـ”المايوتيقا”، أي على تلك الطريقة الحيوية لتوليد الأفكار من خلال طرح الأسئلة. ولكي يجذب عامة الناس إلى الفلسفة، كان سقراط يقول إنه “لا يعرف إلاّ القليل”، بل هو “لا يعرف شيئا”. لذا كان يكثر من طرح الأسئلة للحصول على أجوبة مقنعة ومفيدة.

وللتأكيد على أن الفلسفة ليست “مهنة” حفنة من الناس يعيشون في أبراجهم العاجية، أو هم منشغلون بقضايا يعسر فهمها والإحاطة بها من قبل عامة الناس، كان إبيقور يحرّض الناس على ضرورة التدرّب على “التفلسف” انطلاقا من سنوات الشباب. وعليهم ألاّ يكفوا عن ذلك حتى بعد أن تدركهم الشيخوخة لكي يظلوا “دائمي اليقظة”. ولم يكن نيتشه يتردد في نزع “المهابة” التي تحيط بالفيلسوف. وكان يقول بأن “الفيلسوف الحقيقي هو الذي يعيش حياة غير فلسفية”. بل لعله يعيش حياة موسومة بـ”المخاطر” لأنه قد يرتكب أخطاء جسيمة حتى بعد أن يكون قد أجهد نفسه في العثور على أجوبة للقضايا التي تشغله.

أما الهدف الآخر من خلال “إحياء الفلسفة” هو إقناع عامة الناس بأن الفلاسفة القدماء والمحدثين قادرون على أن يضيئوا لهم الطريق ويمدونهم بما يمكنهم من مواجهة القضايا الراهنة المتمثلة في الانتشار السريع والخطير لداء الشعبوية في كافة بلدان العالم، الفقيرة منها والغنية، وفي الصراعات بين الأديان والثقافات بسبب الهجرات، وفي المخاطر الجسيمة التي تهدد البيئة والمحيط الطبيعي. كما تتمثل هذه القضايا في استفحال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي أصبحت تعصف باستقرار العديد من البلدان المتقدمة.


حسونة المصباحي: كاتب وروائي تونسي، درس الآداب الفرنسية في جامعة تونس. ترجم من الفرنسية إلى العربية عشرات المؤلفات منها «أصوات مراكش» لإلياس كانيتي، «قصص للأطفال» جاك بيرفير، «الحب هو البراءة الأبدية» منتخبات من الشعر العالمي.

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.