يتّسم القرآن الكريم بدقة بالغة في تصوير يوم القيامة، حيث تتجلى العدالة الإلهية في نظام محكم للحساب، قائم على مبادئ الإنصاف المطلق وعدم الظلم. ويكشف التأمل في آيات يوم القيامة عن قوانين إلهية صارمة تحكم إجراءات الحساب دون تدخل أو تحيّز، مما يعكس نزاهة القضاء الإلهي وشموله لكل صغيرة وكبيرة من أعمال البشر.
قوانين الحساب كما وردت في القرآن الكريم
- الملفات غير سرية
يتم تقديم سجلّ الأعمال لكل إنسان دون إخفاء أو تعديل، بحيث يطّلع على تفاصيل أفعاله بوضوح:
﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ﴾
- الحضور تحت حراسة مشددة
يُقاد كل فرد إلى ساحة الحساب، ويكون برفقته شاهد وسائق، وفق ما جاء في النص القرآني:
﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾
- استحالة وقوع الظلم
العدالة الإلهية مطلقة، فلا يُنقص من حسنات أحد، ولا يُزاد في سيئاته، كما أكد القرآن الكريم في مواضع عدة:
﴿ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾
﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾
﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ﴾
- غياب أي وسيلة للدفاع القانوني
لا يوجد وسطاء أو محامون للدفاع عن أي شخص، إذ يكون الإنسان هو المسؤول عن تقديم حججه بنفسه، كما في قوله تعالى:
﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾
- انتفاء الواسطة والرشوة
لا مجال لأي تدخل بشري أو نفوذ، إذ لن يُفيد المال أو الأبناء في تغيير الحكم الإلهي:
﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾
- عدم وجود تشابه أسماء أو خلط في الهويات
لا مجال للالتباس أو الخلط بين الأفراد، حيث يُحاسب كل إنسان على أفعاله دون أن يُنسى أو يُهمل أحد:
﴿ وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾
- استلام الحكم باليد وفق النتائج
كل فرد يتلقى كتابه بيده، مما يعكس مصيره النهائي، كما ورد في قوله تعالى:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ ﴾
﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ﴾
- لا توجد أحكام غيابية
كل البشر يُحضرون إلى ساحة الحساب دون استثناء، وفق ما ورد في قوله تعالى:
﴿ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾
﴿ وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا ﴾
- استحالة الطعن أو الاستئناف في الأحكام
الأحكام الإلهية نهائية ولا تقبل أي مراجعة أو تعديل:
﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ﴾
﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾
- غياب شهادات الزور
الأدلة ضد الإنسان تأتي من ذاته، حيث تشهد عليه جوارحه وأعضاؤه:
﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
- عدم نسيان أي ملف أو واقعة
كل صغيرة وكبيرة مسجلة بدقة، ولا يُمكن لأحد التذرع بالنسيان:
﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾
﴿ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ﴾
- وجود ميزان دقيق للحساب
كل الأعمال تُوزن بعدالة تامة، حيث لا يُهمل حتى أصغر الأفعال:
﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ﴾
﴿ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ﴾
يُبيّن القرآن الكريم بدقة نظام العدالة الإلهية يوم القيامة، حيث يخضع كل إنسان للمحاسبة وفق أعماله، دون مجال للظلم أو التلاعب. وتوضح الآيات أن الحساب سيكون علنيًا، وستُعرض السجلات أمام الجميع، بحيث لا تُغادر أي تفاصيل، مما يعكس نزاهة النظام الإلهي وسمو مبادئه.