عندما كتب دوستويفسكي لأخيه .. أرسل لي القرآن!

0

 

“سوف نلتقي يا أخي قريبا، أشعرُ بأن روحي شفافة ورائقة في هذه اللحظة، المستقبل لي، المستقبل كله لي، وأرى منذ الآن ما سأفعله، كما لو أنه تحقق الآن أمامي، أنا راض عن حياتي، أرجوك أن ترسل لي القرآن، ونقد العقل الخالص لكانط وكتاب هيجل عن تاريخ الفلسفة”.

هذا مقتطف من مراسلة الكاتب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي التي بعث بها إلى أخيه من سجنه بعد أن حظي بعفو ملكي قبل لحظات من تنفيذ حكم الإعدام عليه مع عدد من رفقائه، أُلقي القبض على دوستويفسكي عام 1849 لانتمائه لرابطة بيتراشيفسكي المحظورة، وهي مجموعة أدبية كانت تناقش في السر الكتب الممنوعة التي تنتقد النظام الحاكم في روسيا الإمبراطورية، لكن الحكم بالإعدام خُفّف إلى أربع سنوات من الأشغال الشاقة، وست سنوات في المنفى، كان يراسل في هذه الفترة أخاه ميخائيل، كتبَ إليه من السجن قائلاً “ليس أهل السجن يا صديقي حيوانات مفترسة، بل بشر ربما أفضل مني وأرقى، سنلتقي مرة أخرى، لا أطلب منك إلا أن تراسلني وتمدني بالكتب، لا بد من القراءة بكثرة هنا”.

وُلد دوستويفسكي في موسكو عام 1821، توفّيت والدته عام 1837 وعُمره 15 سنة، كان مسيحيا أرثوذوكسيا متشربا بالفكر المسيحي، تعلم الإنجيل في سن مبكرة وكان يحرص على حضور قداس الكنيسة بانتظام مما أشعل في نفسيته شغفَ البحث والتقرب من الأديان السماوية منذ نعومة أظفاره، خصوصا وأنه كان يحب التأمل والنظر إلى السماء كما قال صديقه رانجل، صاحب الإخوة كارامازوف والأبله والشياطين تربّع في مرتبة أعظم النفسانيين في الأدب العالمي وتُرجمت كتبه إلى أكثر من 170 لغة، عنايته بالدين الإسلامي لم تجدْ صدى من الباحثين الذين اهتموا أكثر بارتباطه الوثيق بالمسيحية، إلا أن إعجابه بالإسلام وبمحمد صلى الله عليه وسلم بدا واضحا في كتاباته وآراءه، راعته رسالة الإسلام السمحة إلى البشرية جمعاء فتقرب منها وأحبَّ الغوص في نفحاتها وهذا ما يُفسّر احتفاظه الدائم بنسخة من القرآن الكريم في مكتبته الخاصة مترجمة

وجد الكاتب العالمي دوستويفسكي في القرآن الكريم صدى لأفكاره التي آمن بها ودعا إليها عبر كتاباته التحليلية للتجربة الإنسانية، ولم يتردد لحظة في إبداء إعجابه الشديد برسول الإسلام ودعوتهِ رغم تعلّقه بشخصية المسيح

إلى الفرنسية التي كان يُتقنها إلى جانب الإنجليزية والألمانية، كان يغبط الكاتب تولستوي وبوشكين لمعرفتهما العميقة بالقرآن أكثر منه، واختار قصيدة الرسول التي كتبها الشاعر ألكسندر بوشكين عام 1826 مستلهما إياها من القرآن الكريم ليقرأها على الملإ في مهرجان الاحتفال بذكراه عام 1880، تقول القصيدة: “مضني بالظمأ الروحي، تعذبتُ في صحراء موحشة، ظهر لي فجأة عند مفترق الطرق الملاك، وبأصابع خفيفة كالحلم لمس قرّة عيني، ثم لمس أذني وملأهما رنيناً، فسمعت رعدة السماء، وتحليق الملائكة في الأعالي، انحنى الملاك وشق صدري، ناداني صوت، انهضْ يا بني وأبصرْ ولبِّ إرادتي حب البحار والأراضي، وألهبْ بقولك قلوب الناس”.

كان دوستويفسكي من أشد المؤيدين لآراء الفيلسوف توماس كارليل في كتابه “الأبطال وديانة الأبطال”، الذي اعترف فيه بشكل صريح بعظمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: “الرجل العظيم الذي علّمه الله العلم والحكمة”. أما في رواياته فقد جاء ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم في مواضع شتى، كما في رواية “المزدوج” التي تُرجمت إلى العربية تحت عنوان “المثل” واستُعملَ فيها التعبير: “تيمّناً بالنبي العظيم”، وكذلك في روايته الممسوسون كثيرا ما كان يَستخدم بعض التعابير الإسلامية أو الإحالات إلى الإسلام والقرآن، وفي روايته الشهيرة الجريمة والعقاب وضع النبي محمد في قائمة الزعماء الذين كانوا يُشهد لهم بالحكمة والذكاء مثل قيصر ونابليون وهذا يُوضح وإن كان التشبيه بعيداً عن روح الإسلام مدى تقديره واحترامه لمكانة النبي محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين.

وجد الكاتب العالمي دوستويفسكي في القرآن الكريم صدى لأفكاره التي آمن بها ودعا إليها عبر كتاباته التحليلية للتجربة الإنسانية، ولم يتردد لحظة في إبداء إعجابه الشديد برسول الإسلام ودعوتهِ رغم تعلّقه بشخصية المسيح في فترات من حياته، وهذا يُوضّح إلى حد بعيدٍ مدى انفتاحه على الإسلام وعلى القرآن الكريم تحديدا، ورغم الإرث الكبير الذي تركه دوستويفسكي للبشرية في مجال القصة والرواية والتحليل النفسي والفلسفة، إلا أنه وهو المسيحي الأرثوذوكسي خصص من وقته الكثير لسبر معاني القرآن والتدبر في آياته رغم ما كان يُعانيه أثناء هذه التجربة من محنِ السجن ومشقّتِه.


عادل أعياشي : مدون مغربي
 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.