من المشاهد التي طالما أثارت فضول المشاهدين في الأفلام التاريخية والدينية القديمة تلك الأنشودة الغامضة التي كان الكفار يرددونها أثناء طوافهم بالكعبة قبل الإسلام:
«نحن غرابا عك، عك إليك عانية، عبادك اليمانية، كيما نحج الثانية، لبيك اللهم هبل».
ورغم طابعها الغنائي الطقوسي، إلا أن لهذه الأنشودة جذورا عميقة في الممارسات الدينية الوثنية التي سبقت الإسلام، وتعكس تصور العرب الأوائل للعبادة والحج.
- أصل الأنشودة ومعناها:
تعود هذه الأنشودة إلى قبيلة «عُكّ»، وهي قبيلة يمنية الأصل كانت تأتي إلى مكة سنويا لأداء نوع من الحج الجاهلي، الذي لم يكن بالضرورة خالصا لعبادة الله الواحد، بل امتزج بتقديس الأصنام والطقوس الوثنية.
كان أهل عُكّ يرسلون أمامهم عبدين أسودين يطوفان بالكعبة، يرفعان أصواتهما بالإنشاد:
«نحن غرابا عك»
أي نحن عبدا قبيلة عك، إذ كان يُطلق على العبد الأسود قديما لفظ «الغراب» تشبيها بلون سواده.
وكان قومهم يردون عليهما قائلين:
«عك إليك عانية»
أي عك جاءت إليك خاضعة، مستسلمة،
ثم يتابعون:
«عبادك اليمانية كيما نحج الثانية»
أي جئنا من اليمن لنؤدي الحج مرة أخرى.
يتضح من هذه الألفاظ أن الحج الجاهلي كان يحمل بعدا طقوسيا واجتماعيا، أكثر من كونه عبادة توحيدية، إذ ارتبط بمظاهر الخضوع الرمزي للأصنام وبالولاء القبلي والجهوي.
- البنية الطقوسية للإنشودة:
الأنشودة كانت نوعا من التقرب الغنائي إلى الآلهة، تُؤدى أثناء الطواف ضمن مشهد جماعي يعكس الخضوع والتمجيد للأصنام، وعلى رأسها هُبَل، كبير أصنام قريش.
ومن اللافت أن عبارة «لبيك اللهم هبل» كانت تحاكي من حيث الصيغة اللفظية تلبية الحج الإسلامي الحالية، لكنها تختلف جذريا في المقصد والمعنى.
ففي حين كان الوثنيون يلبون لهبل، جاء الإسلام ليحرر هذه الصيغة من الوثنية ويعيدها إلى التوحيد الخالص بقول المسلمين:
«لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك».
- التحول الديني والتاريخي:
عندما بعث النبي محمد ﷺ برسالة التوحيد، ألغى جميع الطقوس التي كانت تدور حول الأصنام في مكة، وحرر الكعبة من مظاهر الشرك، فصار الطواف عبادة خالصة لله وحده.
لقد كان الطواف قبل الإسلام طقسا قبليا تتنافس فيه القبائل لإظهار الولاء، بينما صار بعد الإسلام شعيرة روحية تعبّر عن وحدة المسلمين ومساواتهم أمام الله.
وهكذا، انتقلت الكعبة من مركز للوثنية والطقوس الجماعية ذات الطابع الغنائي إلى بيت الله الحرام، رمزا للتوحيد والعبودية الخالصة، واحتفظت بمفهوم “التلبية” لكن بروح جديدة قائمة على الإخلاص والإيمان.
- دلالة تاريخية وثقافية:
تحمل أنشودة «نحن غرابا عك» قيمة تاريخية مزدوجة:
-
فهي شاهد لغوي وأنثروبولوجي على الطقوس العربية قبل الإسلام.
-
كما تمثل دليلا على عمق التحول الحضاري الذي أحدثه الإسلام في بنية الفكر العربي، إذ غيّر من طبيعة العلاقة بين الإنسان والمقدّس، من طقوس الأصنام إلى عبادة الإله الواحد.
خلاصة:
تختزل هذه الأنشودة رحلة طويلة من التحول الروحي والتاريخي في الجزيرة العربية، من زمن الأصنام إلى عهد التوحيد. وهي تذكير بأن الإسلام لم يبدأ من فراغ، بل جاء لينقّي الموروث الديني العربي من شوائب الوثنية، ويعيد له وجهه النقي، فيتحول قول الجاهليين «لبيك اللهم هبل» إلى «لبيك اللهم لبيك».












