الأدب مفهــوماً

0

 

عُرفت لفظةُ “أدب / الأدب / آداب / الآداب” أول ما عُرفت في العصر الجاهلي، وكان معناها الدعوة إلى الطعام أو الوليمة.

 يقول طرفة بن العبد :

نحن في المشتاة ندعو الجفلى ** لا ترى الآداب فينا ينتقر

ومعنى البيت، الدعوة العامة إلى الوليمة أو المأدبة، والآدِب في البيت هو الداعي.

ثم ظهرت لفظة (أدب) بمعنى التأدّب والخُلق النبيل، والسَّمْتُ الحسن، وذلك فيما ورد عن عتبة بن ربيعة وهو يصف لابنتِه هندٍ، زوْجَها أبا سفيان قائلا: “…بدرُ أرُومَتِه، وعِـزُّ عشيرتِـه، يؤدِّب أهلَه ولا يؤدِّبونه “.

في مرحلة الإسلام؛ شاعت كلمة (أدب) وشاع معها الحديثُ المشهور ” أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي”، وتمكنتْ اللفظة من معناها الخُلقي الأخلاقي، “قالوا؛ ” أدبُ النَّفسِ خيرٌ من أدبِ الدرس“، ونظمه من قال:

يا مُغرقاً في أدب الدرس *** أفضلُ منه أدبُ النفسِ.

وأهدى أبو غسان التميمي إلى الأمير نصر بن أحمد كتابا من تأليفه، فقال له؛ ما هذا يا أبا غسان، قال كتابُ أدب النفس، … وكان أبا غسان ممن يُسيء الأدب في المجالس”[1].

 شيئا فشيئا؛ بدأ مصطلح الأدب يأخذ أبعادا أخرى أوسع نطاقا وأكثر رحابة، ففي العهد الأموي، ظهر ما يُعرف باسم (المُؤَدِّب)، وهو المربِّي أو المعلم أو الأستاذ، وقد كان هذا الأمر بِدعا على الناس، ابتدعَهُ خلفاءُ وأمراءُ بني أمية لتعليم أبنائهم وتهذيبهم وتثقيفهم، وتلقينهم كل العلوم والمعارف المعروفة يومئذ. وذُكرت لفظة “الأدب” في قصة خلافة ابن المعتز، الذي ضُرب به المثل فيما لا تطول مُدتُه ويُسرع انقضاؤه، وذلك أنه وَلِيَ الخلافة يوماً وبعضَ يومٍ وأدركتْه حِرفة الأدب، فلم يلبث أمرُه أن انْحَلّ…”[2]، وقد أُكِّدتْ له صفة الأدب مع شرح معناها (العلم والتفقه والتأدّبُ..) في قصيدة رثاه فيها ابن بسام فقال[3]:

لله درّكَ من ميتٍ بمضيعةٍ  **** ناهيكَ في العِلم والأدبِ والحسبِ

ما فيه لوْ ولا ليْتَ فتنقُصَهُ ** وإنَّما أدرَكَته حِرفة الأدبِ

وقد ذُكرتْ لفظة الأدب بهذا المعنى صراحة، فيما نقله الثعالبي[4] في كتابه (ثمار القلوب في المضاف والمنسوب) في بابه التاسع والخمسون – في الأدب وما يتعلق به، عن الخليل أحمد الفراهيدي حيث قال “حرفةُ الأدب آفةُ الأدباء“، ذامَّا الأدباء (المُؤَدِّبين)، بسبب حالة التكسب التي استَشْرَتْ بينهم يومئذ.

سارت الأمور على هذا النحو مدة من الزمن؛ أصبح فيها الأديب مرادفاً للعالِـم، والأدبُ مرادفا للعلْم الذي كان يُقصد به دراسة الفقه والحديث وتفسير القرآن الكريم إضافة إلى علوم اللغة.

وفي العصر العباسي بحكم التمدد الكبير الذي عرفته الدولة الإسلامية، وضمِّها لبلدان ذات معتقدات وثقافات ومعارف مختلفة، وتأثر الثقافات المختلفة بعضها ببعض فظهرت ودخلت الفلسفة عن طريق الترجمة، وبدأت بوادر فكر عربي جديد يتأسس، وظهرت مُصنفات ومؤلفات تحمل عنوان الأدب من قبيل (الأدب الكبير) و (الأدب الصغير) لعبد الله بن المقفع، و(أدب الكاتب) لابن قتيبة، وكتاب (المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر) لابن الأثير، وغيرِه من المؤلفات، ليستقر معنى الأدب في هذه المرحلة (القرن الهجري الثالث) على المأثور من الشعر والنثر وما يتصل بهما من شرح وتفسير و(نقد).

في منتصف القرن الرابع الهجري، اتضحت مجالات العلوم والأدب واستقل بعضها عن بعض، وظفر الشعراء والكتاب بمصطلح الأدب، دون غيرهم من علماء الشريعة، وإن كان بعضهم يُوصَمُ بالأديب العالِـم الفقيه لتمكُّـنِه وموسوعيته وقوة حافظته.

في القرن السادس الهجري؛ ظهرت أولى المحاولات المنهجية لتحديد معنى الأدب، وكانت مع العلاّمة ابن خلدون الذي جعل من الأدب علما، كما جاء في مقدمته، (علم الأدب) وعرّفه بقوله: “الأدب؛ هو حفظ أشعار العرب وأخبارهم والأخذ من كل فن بطرف”.

وظل هذا التعريف هو المشهور والسائد والمهيمن إلى العصر الحديث (القرن التاسع عشر الميلادي)، حيث بدأت لفظة أدب تأخذ أبعادا دلالية مختلفة.

لقد تم توظيف لفظة “أدب” للدلالة على كل مكتوبٍ يحمل إحساسا ودفقة شعورية، للتعبير عن معنى من المعاني، ما لم يكن تقريراً، كالعقود والمواثيق والعهود، (بعض المواثيق والعهود القديمة كانت تتسم بالفنية والرقي من حيث الأسلوب والنسج والصنعة).

وزادوا على ذلك أن يكون هذا الأدب جميلا  كذلك، حاثًّا للذوق؛ يُحرِّك العواطف والوجدان  كالخُطب والأمثال والقصص والمقامات وكل ما يدخل في صناعتيْ الشعر والنثر.

يُعرّف الدكتور محمد مندور الأدب قائلا: “إن الأدب صياغة فنية لتجربة بشرية، إن الأدب نقدٌ للحيــاة“.

ويعرّف الدكتــور شوقي ضيف الأدب بأنه: “الكلام الإنشائي البليغ الذي يقصد به التأثير في عواطف القراء والسامعين شعرا كان أو نثراً“.

وقد أجمعت جل التعاريف الحديثة على أن الأدب هو: “الكلام أو النص الجيد مما جادت به القرائح، مما عُبِّر به عن خلجات النفس، وما جاش به الوجدان، وما تترنم به العواطف، وما سرَح فيه الخيال، مما له وقعٌ ووقرٌ ولذةٌ فنية في نفس القارئ أو السامع“.

  • تطور مفهوم الأدب في الغرب

إلى حدود منتصف القرن السابع عشر؛ ظلت لفظة الأدب تشمل “التاريخ والفلسفة والبيان والمسرح والشعر والرواية”[5]، واستمر الحال على هذا النحو إلى حدود القرن التاسع عشر، حيث تميزت هذه الفترة بالانتقال من “الأنسنيات التي كانت في الأساس تكوينا بلاغيا، إلى تعليم الأدب بوصفه مجالا من مجالات التربية، لا مجالا لصناعة العباقرة “[6].

مع الشكلانيين الروس؛ بدأت ملامح العلمية  تدخل إلى مبحث الأدب. ومعها بدأ التمايز يتضح بين الأدب باعتبارِه فنا، وبين دراسة الأدب التي قطع فيها الشكلانيون الروس مع الانطباعية، وعمِلوا على إقامة علمٍ ينهض بالدرس الأدبي مستفيدا مما راكمته البويطيقا. أثمر فيما بعد علم السرد أو السرديات؛ التي يمثل فيها السَّرديُّ (المشتغل بالسرد) درجة أعلى من الناقد من حيث الاستناد إلى العِلمية في الدراسة والتحليل.


[1] عبد الملك بن اسماعيل الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، الباب التاسع والخمسون – الأدب وما يتعلق به، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى 2003، المكتبة العصرية، ص 658.

[2] عبد الملك بن اسماعيل الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى 2003، المكتبة العصرية، ص 191.

[3] عبد الملك بن اسماعيل الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى 2003، المكتبة العصرية، ص 193.

[4] عبد الملك بن اسماعيل الثعالبي، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة الأولى 2003، المكتبة العصرية ص 658.

[5]Delfau Gérard et Roche Anne 1977, Histoire littérature, éd. Seuil, P 22. 

[6]Touret Michel 1993, L’histoire littéraire: objet et sens ; in : Enseigner l’histoire littéraire, Académie de Rennes 2, p 9.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.