اقتباسات

مفهوم “الكتاب” عند الجاحظ: قراءة في فلسفة الكتاب والمعرفة في التراث العربي

يحظى الجاحظ بمكانة فريدة في التراث العربي الإسلامي، ليس فقط بوصفه أديبًا موسوعيًا، بل باعتباره مفكرًا صاغ فلسفة عميقة للمعرفة والكتاب والقراءة قبل قرون من تشكّل مفاهيم الثقافة الحديثة.

ومن بين أشهر نصوصه وأكثرها تداولًا، يبرز حديثه عن مفهوم “الكتاب، حيث لا يقدّمه أداة للمعرفة فحسب، بل ككائن ثقافي حيّ: صديق، وجليس، ورفيق، ووعاء للحكمة، ووسيلة للترقي العقلي والاجتماعي.

يمثّل هذا النص خلاصة رؤية الجاحظ للكتاب بوصفه أساس العمران الفكري، وشرطًا من شروط تكوين الإنسان العاقل المستقل، بعيدًا عن التبعية والخداع والمجاملة.

وفيما يلي نص الاقتباس كما أورده الجاحظ، دون أي تصرّف في مضمونه، مع الاقتصار فقط على تصحيح ما قد يرد من أخطاء إملائية إن وُجدت.

  • مفهوم “الكتاب” عند الجاحظ (نص الاقتباس):

الكتابُ؛ هو الجليسُ الذي لا يُطريك، والصديقُ الذي لا يُغريك، والرفيقُ الذي لا يملّك، والجارُ الذي لا يستبطئك، والصاحبُ الذي لا يريد استخراجَ ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب. ومن لك بمؤنسٍ لا ينامُ إلا بنومك، ولا ينطقُ إلا بما تهوى، آمَنُ من في الأرض، وأكتمُ للسر من صاحب السر.

والكتابُ هو الذي إن نظرتَ فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود بيانك، وفخّم ألفاظك، وبحبح نفسك، وعمّر صدرك، ومنحك تعظيم العوام، وصداقة الملوك، وعرفتَ به في شهر ما لا تعرفه من أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغرم، ومن كدّ الطلب، ومن الوقوف بباب المكتسب بالتعليم، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خُلُقًا، وأكرم منه عِرقًا، ومع السلامة من مجالسة البغضاء. ومقارنة الأغنياء.

من كتاب: الحيوان – الجاحظ

  • تعريف موجز بالجاحظ:

أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني البصري (159هـ – 255هـ)، المعروف بـالجاحظ، أحد أعلام الأدب والفكر في العصر العباسي.

ألّف في مجالات متعددة شملت: الأدب، وعلم الكلام، والسياسة، والتاريخ، والأخلاق، واللغة، والنبات، والحيوان، والصناعة، ويُعدّ من أوائل من قدّموا تصورًا شموليًا للثقافة والمعرفة في التراث العربي.

  • خلاصة:

يكشف نص الجاحظ عن وعي مبكر بقيمة الكتاب يتجاوز الزمان والمكان، حيث لم يعد الكتاب مجرد وسيلة للتعلم، بل بنية أخلاقية ومعرفية تحمي الإنسان من الزيف، وتمنحه الاستقلال الفكري، وتفتح له آفاق الترقي العقلي والاجتماعي.

ولعل استمرار تداول هذا النص، وارتفاع نسب قراءته، دليل على أن رؤية الجاحظ للكتاب ما تزال صالحة ومُلهمة في زمن التحولات الرقمية، وتؤكد أن العلاقة بين الإنسان والكتاب علاقة تأسيس لا يمكن تعويضها بأي وسيط آخر.

اظهر المزيد

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى