الدراسات الثقافيةعلوم سياسية

علم المستقبليات: رؤية المهدي المنجرة إلى المستقبل

يُعَدّ المهدي المنجرة أول عربي اختصَّ بعلم المستقبليات، وهو العلم الذي يهدف إلى تتبّع اتجاهات الأحداث ودراسة مآلاتها في المدى البعيد.

هو ليس تنبؤا بالغيب، بل استعداد وفهم عميق للمستقبل، كما يدعى المنجرة: “القرآن مليء بالمصطلحات التي تدعونا للاستعداد لما هو آجل… نستبصر من خلاله.”

ورغم أهميته، “لا يزال علم المستقبليات ضائعا في العالم العربي، غريبا وممنوعا من الفاعلية… ولا نفع لأن نبوءة لا تُحوّل إلى طاقة فعل.”

  • “الحرب الحضارية الأولى” قبل هنتنغتون

أطلق المنجرة مصطلح الحرب الحضارية الأولى على حرب الخليج 1991، حين قال لمراسل دير شبيغل: “ليست حربا جغرافية فقط، بل مواجهة حضارية.”

وقد أطلق هذه الرؤية قبل أشهر من صدور كتاب صدام الحضارات لصمويل هنتنغتون، الذي اعترف بأن المنجرة هو من ابتدأ التعبير، مبررا أن الأولى كانت النزاع الأفغاني السوفياتي (1979–1989).

الفرق باختصار؟ هنتنغتون يقرأ بنظرة واقعية واستراتيجية تصبّ في السياسات الدفاعية الغربية، بينما المنجرة طرح مقاربة إنسانية مستقبَليّة، تُدافع عن الحوار بين الحضارات وتُحمّي القيم العالمية من مخاطر الهيمنة.

المناهج، الرؤية، والغاية:

  1. منظور وقائي استشرافي: بناء حوار حضاري يجمع بين الإنسان والثقافة، شمالا وجنوبا، بعيدا عن العنف والرهاب الثقافي.
  2. نشر العدالة الإنسانية: ترسيخ القيم المشتركة، ودفع الكراهية والكوارث عن عموم البشرية.
  3. دحض سياسات الهيمنة: تحذير من اختزال العالم إلى مظاهرات السيطرة والتمايز بين الحضارات.
  4. تحويل التنبؤ إلى طاقة فاعلة: مواجهة المستقبل بالوعي والمعرفة والاستعداد.

البنية الفكرية في مشروع المهدي المنجرة

لا يمكن فهم المهدي المنجرة خارج منظومة التوتر بين الاستقلال السياسي والارتهان الثقافي، فقد ظلّ طوال مسيرته يفضح نفاق ما يُسمى بـ”التنمية”، ويرى أن الهيمنة الغربية على العالم الإسلامي لا تتم بالأسلحة فحسب، بل عبر “العقول والمناهج واللغة والتصورات”.

في هذا السياق، يُعدّ المنجرة من أوائل المفكرين الذين نبّهوا إلى الاستعمار الثقافي الناعم، حيث اعتبر أن فرض النموذج الغربي في التعليم والإعلام ليس إلا امتدادا للتحكم الإمبريالي، مستعملا أدوات “الحداثة” كسلاح يُفرّغ المجتمعات من روحها ويُكرّس التبعية.

  • 1. نظرية الاحتقار

ابتكر المنجرة مفهوما بالغ الدلالة أسماه “نظرية الاحتقار”، ليصف به الكيفية التي تنظر بها الدول الغربية إلى الشعوب العربية والإسلامية. فالاحتقار هنا ليس شعورا عابرا، بل سياسة ممنهجة تنعكس في العلاقات الدولية، وفي قرارات الأمم المتحدة، وفي شروط “المساعدات”، وفي نمط إنتاج المعرفة وتوزيعها.

لقد فهم المنجرة مبكرا أن مستقبل الأمم لا يُبنى في القمم الدبلوماسية ولا في مكاتب “صندوق النقد الدولي”، بل يُصاغ في المدرسة، والمختبر، والكتاب، ومسرح الفكر الحرّ. ولذلك ظلّ ناقدا شرسا للمناهج التعليمية العربية، واعتبرها نسخا مشوهة لما تريده القوى المهيمنة.

  • 2. تكنولوجيا التبعية والهيمنة الرقمية

سبق المهدي المنجرة عصره حين حذّر من الهيمنة المعلوماتية وتحوّل التكنولوجيا إلى أداة استعمار جديدة. ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظمة العربية تلهث وراء “المكننة” و”المعلوميات”، كان المنجرة يطرح سؤالا جوهريا: من يملك خوارزميات السيطرة على العالم؟

ورأى أن العالم العربي إذا لم يمتلك مشروعا سياديا للبحث العلمي، والتكنولوجيا، والمعرفة، فإنه سيظل مستهلكا مشروطا، في تبعية تامة، رغم كل ما يملكه من ثروات بشرية وطبيعية.

  • 3. قطيعة مع النفاق الأكاديمي والبيروقراطية

كان المنجرة حادا في موقفه من المؤسسات الأكاديمية العربية، حيث اتهمها صراحة بأنها تُدار بعقلية بوليسية، تكمم الأفواه، وتحارب الباحثين الأحرار. ولعلّ خروجه من جامعة محمد الخامس، رغم مكانته العالمية، يعكس ذلك الصراع بين السلطة والمعرفة.

لقد اختار المنجرة الاستقلال الفكري الكامل، فرفض المناصب الحكومية، والمنح المشروطة، والتمويلات المشبوهة، ليظلّ فكرُه عصيا على التدجين. ولذلك دفع الثمن: تضييق، وتهميش، ومنع محاضراته في جامعات وطنه.

  • 4. إرثه الفكري

رغم مرور أكثر من عقد على وفاته، ما زالت أعمال المهدي المنجرة تحظى بقراءة واسعة في المغرب وخارجه. وقد تحوّلت كتبه مثل:

إلى مراجع فكرية بديلة لطلبة العلوم السياسية، والاجتماع، والدراسات ما بعد الكولونيالية. لكن المفارقة تكمن في أن المؤسسات الرسمية لم تكرّمه كما يليق بمكانته، ولم تُدرج مشروعه في المقررات، ولم تحتضن أرشيفه. وكأنّ فكر المنجرة لا يزال يشكّل تهديدا لمنظومة الفساد والتبعية.

  • المنجرة كفعل مقاوم

كان المنجرة مشروعا مستقبليا لمغرب لم يأت بعد. ولم يكن مفكرا فقط، بل جبهة مقاومة معرفية ضد السطحية، وضد “النخبة الورقية”، وضد تحالف المال والسلطة والجاهل.

في زمن “الذكاء الاصطناعي”، وحروب الخوارزميات، وترييف العقل العربي، تزداد الحاجة إلى قراءة المنجرة لا كحالة نوستالجية، بل كخارطة طريق نحو السيادة الفكرية.

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى