منبرُنا

عن المنتخب “الفرنسي – الإفريقي” !؟

كل العالم يتحدث عنه.. إنه “المنتخب الفرنسي-الإفريقي”!
مند الفوز الفرنسي بكأس العالم سنة 1998 بفريق كروي ذو أصول إفريقية في أغلبه، إذ يتشكل من بيض و سود و ملونين و مغاريين، قُدّم هذا الفريق على أنه يشكل رمزاً للتكامل و التعددية الفرنسية، التي صهرت كل مكونات الأمة في فريق واحد.


بعد هذا الانتصار الكروي تم الحديث في فرنسا عن استراتيجية جديدة من أجل تعبئة الشعور بالانتماء للأمة الفرنسية الواحدة الموحدة من خلال “منتخب وطني”، يمحو الفوارق الهوياتية والثقافية والعرقية و يتجاوزها في آن، لكن هذه الاستراتيجية لم يُكتب لها أن تكون فعالة و ناجعة لترسيخ الشعور بالانتماء إلى فرنسا من خلال كرة القدم، لقد انتهت كل المحاولات و المجهودات التي تمت على مستوى “النفسانية الجماعية” الفرنسية، إلى فشل ذريع.


و يمكن أن نكتفي، في هذا السياق، بالتذكير بمظهرين، على الأقل، لهذا الفشل الذريع:
المظهر الأول هو أن هذه الاستراتيجية مرهونة بالنجاح الرياضي و الضفر بالألقاب القارية و العالمية، لكن عندما تكون النتائج مخيبة للآمال تتحول الأصوات الإعلامية، مباشرة بعد أية هزيمة، إلى اتهامات عنيفة وإدانات أخلاقية مقيتة لا تخلو من نفس عنصري، كما حصل أثناء كأس العالم سنة 2002، عندما أُقصيت فرنسا في الدور الأول.

و شاهدنا، حينها، كيف بدأ بعض الإعلام الفرنسي يتساءل ما إذا كان المنحدرون من أصول مهاجرة يستحقون ارتداء القميص الوطني و تمثيل الدولة و الأمة الفرنسيين، و يخشى أصحاب الأصول الإفريقية باستمرار مع كل مناسبة عالمية تنافسية أن يعيد التاريخ نفسه، و يستعيد الإعلام التساؤل ذاته.


المظهر الثاني هو أن هؤلاء الأفراد، الذين ينحدرون من أصول مهاجرة، يجدون أنفسهم مندمجين داخل فئات اجتماعية متباينة ثقافيا و متعددة عرقيا، ولهذا فما نسميه الإنتماء إلى “هوية وطنية” فرنسية قد يتعايش مع انتماءات أخرى للهوية، و لذلك لا يستوعب الفرنسيون كثيرا كيف أن شابا من أصول مغربية أو كاميرونية، مثلا، ولد و عاش كل حياته في فرنسا ويحمل جنسيتها، ومع ذلك يشجع المنتخب المغربي أو الكاميروني عوض المنتخب الفرنسي.


وهذا مسألة مزعجة لجمهور اليمين المتطرف، إذ يأخذها باستمرار كمادة للدعاية الإعلامية الفجة، وذلك من أجل تأكيد استحالة الاندماج داخل المجتمع الفرنسي و الحفاظ في نفس الوقت على ثقافة أصلية، وبالتالي ترويج السردية اليمينية المتطرفة التي تصر على ضرورة التمييز بين “أمة فرنسية فعلية”، نقية وحقيقية، قائمة على ثقافة غربية ذات أصول يونانية عقلانية و تقاليد روحانية كاثوليكية عريقة، وبين “أمة فرنسية متخيلة”، مختلطة و مصطنعة، قائمة على نفسانية الكرة المستديرة و أوهامها التي تحاول، عبثا، إدماج ما لا يمكن إدماجه.


وهذا ما يُستشف من تصريحات المرشح السابق للانتخابات الفرنسية “إيريك زمور”، عندما عبر عن أسفه لحقيقة أن العديد من لاعبي المنتخب الفرنسي من أصل إفريقي وبشرة سوداء، الأمر الذي فتح سجالا مع عمدة “بلدية كودراي”، وأحد نواب البرلمان الفرنسي، الذي طالب الإتحاد الفرنسي لكرة القدم بوضع شكاية في الموضوع قائلا: “يجب أن نضع حدا لهذا، لأننا سنرتكب خطأ جماعيًا بعدم الرد، قبل فوات الأوان”.

حسن زهير

كاتب وباحث من المغرب؛ أستاذ مادة الفلسفة، حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في شعبة الفلسفة، تخصص: "فضاءات الفكر في الحضارة العربية الإسلامية" من جامعة محمد الخامس بالرباط. كاتب مقالات حول علاقة الفكر بالسياسة، والثقافة بالمجتمع في المجلات والمواقع الإلكترونية و الصحف المكتوبة والمنصات الرقمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى