اقتصاد

متى بدأ الناس باستخدام العملات؟

- ترجمة: علي حسين -تدقيق: حسين جرود

أحيانًا تُصادفك ورقة دولار متسخة، تبدو كأنها وُجدت هكذا منذ فجر التاريخ. بالتأكيد هي ليست كذلك. يعود تاريخ استخدام البشر للعملات إلى وقت بعيد جدًا، يربو على 40,000 عام.

تتبع العلماء تاريخ تبادل العملات والتجارة اعتمادًا على السجلات الأثرية، بدءًا من العصر الحجري القديم الأعلى، عندما بدأت مجموعات من الصيادين بالتجارة للحصول على أفضل الأسلحة والمعدات، وبدايةً كانت تقع بين طرفين يعقدان الصفقات مباشرةً من أجل أشياء مرغوبة.


جاء استخدام المال بعد ذلك بفترة وجيزة، تطور شكل المال على مر العصور بدءًا من المواد الطبيعية إلى العملات المعدنية، إلى العملات الورقية حتى العملات المشفرة، استخدم البشر العملات منذ وقت طويل وسيلةً للتبادل وطرقًا للدفع ومعيارًا للقيمة ومخزنًا للثروة ووحدة حساب.

يقول بروفيسور الأنثروبولوجيا تشابوروكا كوسيمبا: «بصفتي أنثروبولوجيًا اكتشف العديد من العملات القديمة، فإنني مهتم بكيفية تطور مسار التبادل المالي عبر التاريخ، وما بوسع تلك الاكتشافات الأثرية أن تُخبرنا عن نوع التجارة بين المجموعات المتباعدة».


  • لماذا نحن بحاجة إلى العملات ؟

توجد العديد من النظريات حول نشوء العملات. للمال استخدامات متعددة، فهو يُسهل التبادل لأنه مقياس للقيمة، ويساعد على جمع المجتمعات المختلفة معًا بواسطة تبادل الهدايا، ويديم التسلسل الهرمي الاجتماعي، وأخيرًا هو وسيلة الدولة لبسط نفوذها.

من الصعب تحديد تاريخ عمليات التبادل بالعملات، لكن الأدلة تشير إلى أنها بدأت عند بداية تبادل الهدايا وسداد الديون.


صارت المواد التي يصعب إيجادها في الطبيعة، التي يمكن التحكم في تداولها بكفاءة وحدات ذات قيمة للمداولة والتجارة. ومن تلك المواد الأصداف، مثل التي تداولها سكان الأمريكتين على نطاق واسع، والأصداف التي استُخدمت في أفريقيا وأوروبا وآسيا وأستراليا،

وكذلك استُخدم النحاس والحديد والعنبر والخرز والذهب والفضة وسبائك الرصاص عملةً، حتى أن الناس استخدموا الحيوانات الحية مثل الأبقار -حتى وقت قريب نسبيًا- شكلًا من أشكال العملة.


ظهر أول شكل معروف للعملة في بلاد ما بين النهرين منذ نحو 5000 عام وكان يطلق عليه تسمية (شيكل). أما أقدم دار لسك العملة، فتوجد في آسيا الصغرى، ويعود تاريخها إلى (650 – 600) قبل الميلاد، إذ استخدمت الطبقات العليا في ليديا وإيونيا عملات فضية وذهبية مختومة وسيلةً لتمويل الجيوش.

يشير اكتشاف أعداد كبيرة من العملات المعدنية المسبوكة من الرصاص والنحاس والفضة والذهب في جميع أنحاء العالم -خاصةً في أوروبا وآسيا وشمال إفريقيا- إلى أن العملات المعدنية هي الوسيلة التي امتازت بها حقبة الألفية الأولى قبل الميلاد.

أما تداول العملات المعدنية الرومانية والإسلامية والهندية والصينية فيشير إلى التجارة ما قبل الحديثة (1250 – 1450 ميلادي).


إلى حد بعيد، يعود السر في نجاح العملات المعدنية إلى سهولة النقل والمتانة والقيمة المتأصلة فيها. إضافةً إلى ذلك، فإن عمليات معالجة العملة من التعدين والصهر والسك تعطي فرصة للقادة السياسيين للتحكم في إنتاج العملات وتداولها واستخدامها.

نجحت أشكال أخرى من الثروة والمال في خدمة المجتمعات الرعوية مثل الأبقار، لكن لم يكن من السهل نقلها، وبالطبع كانت عرضة للكوارث البيئية.

سرعان ما أصبح المال أداة للسيطرة السياسية. إذ تحصلها النخبة بواسطة جمع الضرائب من العامة للاستفادة منها في تمويل الجيوش. يمثل المال أيضًا قوة استقرار تعزز التبادل السلمي للسلع والمعلومات والخدمات بين الجماعات.


على مر التاريخ، كان المال بمثابة سجل وذاكرة للمعاملات والتفاعلات. مثلًا، استخدم الأوروبيون في العصور الوسطى عصي التعداد على نطاق واسع وسيلةً لتسجيل الديون.

  • المال وسيلةً لمعرفة طرق التجارة:

في الماضي، كما هو الحال اليوم، لم يكن أي مجتمع يتمتع بالاكتفاء الذاتي تمامًا، وكان المال يسمح للناس بالتفاعل مع المجموعات الأخرى. استخدم الناس أشكالًا مختلفة من العملات لتحصيل الموارد وتقليل المخاطر وإنشاء تحالفات وصداقات، استجابةً لظروف اجتماعية وسياسية محددة.

تشير وفرة العملات والأدلة العالمية على حركة السلع الغريبة عبر مناطق مختلفة، يسكنها أشخاص مستقلون عن بعضهم، من صيادين وجامعي ثمار إلى رعاة ومزارعين وسكان مدن، تشير إلى أهمية العملة بوصفها مبدأً موحدًا، مثل لغة مشتركة بوسع الجميع التحدث بها.

مثلًا، الأمريكيون الذين عاشوا في الفترة التكوينية المبكرة التي يرجع تاريخها إلى (1450- 500) قبل الميلاد، استخدموا حجر السبج وصدفة عرق اللؤلؤ وخام الحديد ونوعين من الفخار عملةً للتجارة، في واحدة من أقدم الأمثلة على التجارة العالمية الناجحة.


ربطت تجارة طريق الحرير البحري، بين عامي (700 – 1450) ميلاديًا، الأوروبيين والآسيويين والأفارقة في تجارة عالمية كانت نقطة تحولية وتأسيسية.

يذكر كوسيمبا: «في أعمال التنقيب التي قمت بها سنة 2012، استعدت عملة صينية عمرها 600 عام في ميناء التجارة الكيني القديم ماندا في المحيط الهندي. كانت العملات المعدنية الصينية أقراصًا صغيرة من النحاس والفضة بها ثقب في المنتصف كي يمكن ارتداؤها على حزام.

أصدر الإمبراطور يونغلي من أسرة مينج هذه العملة. إذ كان مهتمًا بالبعثات السياسية والتجارية إلى الأراضي الواقعة وراء بحر الصين الجنوبي، وأرسل الأدميرال تشنغ لاستكشاف تلك الشواطئ، قبل ما يقرب من 80 عامًا من وصول فاسكو دا جاما إلى الهند من البرتغال».


توضح مثل هذه الاكتشافات الأثرية اندماج إفريقيا في التفاعلات التجارية في المحيط الهندي. وتظهر دليلًا على أن اقتصادات السوق القائمة على الأموال النقدية كانت تتطور في ذلك الوقت. على ساحل شرق إفريقيا، وُجد تجار وملوك محليون سواحيليون اتبعوا الإسلام وأسسوا الاتصالات الخارجية مع تجار المحيط الهندي الآخرين.

إذ أرادوا تسهيل التعاملات التجارية، في حين كان لتجار الشرق الأدنى وجنوب آسيا جهات اتصال تجارية أخرى. لم يمثل سك العملة شأنًا محليًا فحسب، بل كان أيضًا وسيلة للتعارف والاتصال.

كما أظهر تاريخ النقود، فإن تأثير العملة ذو حدين، فقد مكّن حركة السلع والخدمات، والهجرة والاستقرار بين الغرباء، وجلبت الثروة للبعض مع تسريعها تطوير الفروق الاجتماعية والاقتصادية وغيرها.

اليوم، تتكشف الأنماط نفسها مع العلاقة الحديثة بين الصين وإفريقيا، التي أصبحت الآن أكثر تشابكًا وبعدًا عن المساواة مقارنةً بما كانت عليه، عندما جلب الأدميرال تشنغ للمرة الأولى عملات معدنية من الصين في لفتة دبلوماسية، امتدادًا رمزيًا للصداقة عبر المسافة الفاصلة بين القارتين.

اليوم، يُعد امتلاك العملة النقدية ما يميز الأغنياء عن الفقراء، والمتطور عن النامي، والشمال العالمي عن الجنوب العالمي.

المال شخصي وغير شخصي على حد سواء، ويرتبط التفاوت العالمي اليوم بإضفاء الطابع الرسمي على المال مقياسًا للرفاه المجتمعي والاستدامة. حتى مع استمرار تطور العملة في عصرنا الرقمي، فإن استخداماتها اليوم ستظل مألوفة لأسلافنا القدامى.


أنا أصدق العلم

بالعربية

بالعربية: منصة عربية غير حكومية؛ مُتخصصة في الدراسات والأبحاث الأكاديمية في العلوم الإنسانية والاجتماعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى