“نقد الخطاب السلفي، ابن تيميّة نموذجاً” لرائد السمهوري

0

الطبعة الأولى من كتاب: “نقد الخطاب السلفي، ابن تيميّة نموذجاً”[1] للباحث السعودي رائد السمهوري[2] ظهرت في لندن عن دار طوى للثقافة والنشر والإعلام سنة2010، وهو كتاب ثمين تكمن أهميته في جرأة صاحبه على مراجعة تراث ابن تيميّة وتفكيك خطابه واعتباره خطاباً مؤثّراً وفاعلاً في الفكر السلفي اليوم، وما آل إليه حال الأمّة الإسلاميّة من تكلّس وانغلاق في العقائد والفكر نتيجة لغياب المراجعة والتمحيص.

ويتألَّف هذا الكتاب – بعد مقدِّمة المؤلِّف – من أربعة أقسام رئيسة، وضمن كلِّ قسم فصول ومسائل متعدِّدة، هي:

¨ القسم الأوَّل: موقف ابن تيميَّة من الآخر (نظرة في جذور سائدنا الثقافي في التعايش)، وقد جاء في خمسة فصول:

 —الفصل الأوّل: ابن تيميّة والآخر غير المسلم.

 —الفصل الثاني: ابن تيميّة والآخر المسلم

 —الفصل الثالث: ابن تيميّة والمرأة.

 —الفصل الرابع: ابن تيميّة وغير العرب

 —الفصل الخامس: ابن تيميّة وموقفه من علماء الطبيعة.

 ¨القسم الثاني: قواعد منهج ابن تيميّة في التوحيد.

أ. جهود ابن تيميَّة في نقض مقدِّمات المتكلمين

ب. قواعده البديلة وهي ثلاث قواعد:

— القاعدة الأولى: وقوامها أنَّ الله تعالى يُعرف ضرورةً بالفِطرة، وأنَّ معرفة الله أوضح من كون الواحد نِصفَ الاثنين، وتحدَّث أيضاً عن الفِطرة واختلاف تفسيراتها واضطراب ابن تيميَّة فيها.

— القاعدة الثانية: وأساسها وجوب الأخذ بظاهر النصِّ دون تأويل، وقد ذكر فيها معاني التأويل عند ابن تيميَّة، وناقشها.

— القاعدة الثالثة: وأساسها الاكتفاء بما في النصِّ القرآني من حُجج وأقيسة دون الخروج عنها، وفيها تحدّث شيخ الإسلام عن طريقة تقرير القرآن لمسائل أصول الدين، وهي تشمل:

أ- الدَّلالة على آيات الخَلق بعامَّة وخَلْق الإنسان بخاصَّة.

ب- الأدلَّة القرآنيَّة العقليَّة.

ج- الأمثلة والأقيسة القرآنية (وقياس الأَوْلى خصوصاً).

¨ القسم الثالث: “القدر في فكر ابن تيميّة”:

– الأسباب وأفعال العباد

– والأسباب مؤثِّرة في المسبَّبات.

– وأفعال العباد بين التخيير والتسيير

– وأقسام النَّاس تجاه القَدَر وموقف ابن تيميَّة منها.

– نظرية المكتوب، والعلم الأزلي.

– ثِمار عقيدة العلم الأزليِّ كما يفهمها شيخ الإسلام.

¨ القسم الرابع: هل العقل مقدّم على النقل؟ (قراءة نقديّة في كتاب درء التعارض) واشتمل على تمهيد وفصلين.

— التمهيد: تحدّث فيه الكاتب عن المِفتاح الذي نَفهم به كتاب “درء التعارض” لابن تيميّة وعن المخاطَبين بهذا الكتاب وأنواعهم، وعن مقاصد الرجل من كتابه، ثمَّ حدَّد محلَّ النِّزاع وأنَّه يدور حول: “أصول الدِّين بين ظواهر الكتاب والسُّنة ومقدِّمات المتكلِّمين العقليَّة”.

— الفصل الأول: خصّصه للحديث عن وجوه الردِّ على المتكلِّمين عند ابن تيميَّة، فذكر الردَّ الإجمالي، ثم ذكر الأربعة وأربعين وجهاً التي ردَّ بها ابن تيميَّة على المتكلِّمين، معلِّقًاً على كلِّ ذلك وناقضاً له.

 —الفصل الثَّاني: جعله لتناول استراتيجيَّات ابن تيميَّة في ردِّه على المتكلِّمين، وذَكَر المؤلِّف أنَّه يمكن حصرها في أربع: الحِجاج العقلي، والحِجاج اللُّغوي، وتشنيع حال الخَصم، والدَّعم والتَّعزيز، موجِّهاً النقد لذلك كلِّه.

قراءة في الكتاب:

هذه المراجعة التي يعرضها السمهوري لتراث ابن تيميّة الفكري هي مُراجعة جريئة، ومُختلفة، فهي قراءة مُغايرة للكثير من الأطروحات التي قرأت تراث الرجل واشتهرت بأسلوب التمجيد والتعظيم. ولعلّ اللافت للنظر أنّ الباحث السعوديّ يميل إلى تحميل شيخ الإسلام ابن تيميّة ما وصلت إليه حالة الحضارة العربيّة الإسلاميّة من انسداد وعجز بسبب ما نخرها من تلوّث في العقائد والمقوّمات الفكرية، ونتيجة لما أصابها من شلل حضاري أو تصادم سلوكي مع الآخر بمختلف أشكاله، وذلك نتيجة ترسبات فكرية وعقدية وردت في كتبه وظلّت تتناقلها الأجيال دون تمحيص أو مُراجعة.

وقد أكّد الباحث في مقدّمة كتابه أنّ ما دفعه إلى قراءة كتب ابن تيمية ومناقشتها في هذا الكتاب هو رغبته في مُجادلة بعض الباحثين المُتعصّبين لفكر هذا الفقيه حيث أنّهم[3] يعمدون دائماً إلى دعم آرائهم بأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية في موضوعات عدة، مثل مسألة التعامل مع الرأي المخالف أو مُجادلة غير المسلمين.

وقد نوّع السمهوري من اعتماد نصوص ابن تيميّة في مواضيع مختلفة من كتابه، ووسمه “بنقد الخطاب السلفي.. ابن تيمية نموذجاً”، لأنّه يعتقد أنّ هذا الفقيه أثّر تأثيراً كبيراً في ما يُعرف بالصحوة الإسلامية بتياراتها المختلفة، لا سيما التيار السلفي.

وحلّل المؤلّف بعد ذلك مصطلح “السلف الصالح” فأشارإلى أنّه لا يخلو من اختلافات حيث أنّ لكل طائفة من المسلمين “سلفاً” ترى فيه: “سلفها الصالح”، في حين ترى غيرها من “المبتدعين المُخالفين”، وقد تساءل عن ذلك قائلاً: “لماذا كان ما ترويه تلك الفئة بعينها من العقائد هو العقيدة الصحيحة دون ما ترويه – في العقائد أيضاً – الفئات الأخرى المعاصرة لتلك الفئة؟”.[4]

ويستهلّ المؤلّف بحثه بقسم أوّل مُعنون بـ”موقف ابن تيمية من الآخر”، ويذكر أنّه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الدامية التي شهدتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة على أيدي ما يُسمّى بالجماعات الإرهابية حصلت بين المُهتمين بالشأن العربيّ والباحثين نقاشات حول تلك الأحداث التي كان بعضهم يبرّرها ويستشهد لها بأقوال شيخ الإسلام ابن تيمية، مّما حفّزه على القراءة والبحث أكثر في كتب ابن تيمية ومعرفة كيف تواصل ابن تيمية مع الآخر وكيف فكّر فيه.

ويقول الباحث السعودي إنّه لم يفعل أكثر من استنطاق شيخ الإسلام وتقديمه: “كما هو، بحلوه ومرّه، بقسوته ولينه، بعقلانيته وتهوّره، بانسجامه وتناقضه.”[5] مُؤكداً أنّ شيخ الإسلام إنسان يُخطئ ويصيب، شأنه في ذلك شأن غيره من المُصلحين الكبار مُلتمساً له العذر في كون البيئة الثقافيّة التي نشأ فيها كانت بيئة حافلة بالاختلافات والتناقضات.

ثمّ يُعدّد المؤلف في الفصل الأول من هذا القسم أقوال شيخ الإسلام التي تعبّر عن وجهة نظره في غير المسلم، أو تلك التي يجيب بها عن سؤال: من هو الكافر؟ وطريقة تصنيف الكفار من خلال تعاملهم مع رسالة الإسلام أي: المُكذّب، والمُتردد بحثاً عن الحقيقة أو عن هوى، والغافل سواءً بلغته أم لم تبلغه. وكل هؤلاء يدخلون عند ابن تيميّة في مُسمّى الكافر الذي تجري عليه أحكام الكفر. أمّا العقوبة الأخروية فهي لمن بلغته الرسالة فقط، يقول المؤلِّف: “وفي شأن بلوغ الرسالة يقول ابن تيميَّة: “وقد ثبت بالكتاب والسُّنة والإجماع أنَّ مَن بلغته رسالة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فلم يؤمن به فهو كافر لا يُقبل منه الاعتذار بالاجتهاد؛ لظهور أدلَّة الرسالة وأعلام النبوة، ولأنَّ العذر بالخطأ حُكم شرعي…”.”[6]

ثم يبرز أسباب أخذ ابن تيميّة بهذا الرأي قائلًا: “والحجج التي احتجَّ بها ابن تيميَّة في النصِّ السابق هي:

1ـ أنّ أدلَّة الرِّسالة وأعلام النبوَّة ظاهرة.

2- أنَّ الخطأ حُكم شرعي، والمؤاخذة فيه مرفوعة فقط لهذه الأمَّة دون غيرها.”[7]

وذكر أيضاً كلام ابن تيمية عن الكفّار المُقاتلين وغير المقاتلين الذين لا يملكون أموالهم ملكاً شرعياً ولا يحق لهم التصرف في ما بين أيديهم، إلى غير ذلك من نصوص تجيز لعن اليهود والنصارى وأديانهم وإذلالهم.

وخصّص السمهوري الفصل الثاني من هذا القسم لقراءة نصوص ابن تيمية في تعامله مع الآخر المُسلم، أو الذين اصطلح على تسميتهم بأهل الأهواء والبدع، وقد عدّد جملة من القواعد التي نهجها ابن تيمية في تعامله مع المُسلم المُخالف، أهمّها: الأمر بالجماعة والنهي عن الفرقة والاختلاف، واعتبار تكفير طائفة لغيرها من المسلمين بدعة مُنكرة، واعتبار أنّ المتأوّل سواء أكان مبتدعاً أم مرتكباً للكبيرة يُعذر بالجهل، وأنّه ينبغي ألا يُكفّر أو يُفسّق حتى تُقام عليه الحجة، ولفت المؤلّف الانتباه إلى أنّ منهج ابن تيميّة يقوم على التفريق بين تكفير وتفسيق المُطلق والمعيّن.

وقد تحدّث الباحث السعودي أيضاً عن قواعد تعامل ابن تيمية مع المُبتدع المُتأوّل الذي أراد الحق فأخطأه، ومنها: قبول ظاهره والبعد عن امتحانه، ووجوب الإنكار عليه وعقوبته إذا أعلن بدعته.

ونظر المؤلّف بعد ذلك – في الفصل الثالث من هذا القسم- في نصوص ابن تيمية عن المرأة مثل قوله: “المرأة كاللحم على وضم وهي أحوج إلى الرِّعاية والملاحظة من الصبي”. أو حديثه عن تعليم المرأة، وعن كونها عورة وناقصة في مقابل كمال الرجُل، وحديثه كذلك عن الخلوة والاختلاط، وأنَّ المرأة أسيرة للزوج وهي كالمملوك له وعلى المملوك والعبد الخِدمة، وعن أوجه الشَّبه بين المرأة وبين العبد المملوك، وغير ذلك.

ثمّ عالج في الفصلين الرابع والخامس موقف ابن تيمية من غير العرب، وموقفه من علماء الطبيعة والرياضيات والكيمياء التي يعتبرها ابن تيمية مضاهاة لخلق الله.

أمّا القسم الثاني من الكتاب فقد خصّصه رائد السمهوري لقواعد ابن تيمية في التوحيد وجهوده في نقض مُقدّمات المُتكلمين وما حشده في كتابه “درء تعارض العقل والنقل” من الأدلّة العقليّة والنقليّة ليبيّن بها عدم التعارض بين العقل والنقل وتقدّم النقل على العقل واستحالة معارضة العقل للنقل. وقد ذكر في ذلك جملة من القواعد منها: معرفة الله ضرورة بالفطرة، ولفت الانتباه خاصّة إلى: “اضطرابات ابن تيمية في تعريفاتها.”

ومن القواعد التي يقف عليها ابن تيميّة: “وجوب الأخذ بظاهر النص دون تأويل”، واستغلّ ذلك ليناقش معاني التأويل عند شيخ الإسلام ونفيه للمجاز في القرآن، والاكتفاء بما في النص القرآني من حجج وأقيسة.

يذكر ابن تيميّة كذلك قاعدة أخرى هي قاعدة الاكتفاء بما في النصِّ القرآني من حُجج وأقيسة دون الخروج عنها، وفيها تحدّث عن طريقة تقرير القرآن لمسائل أصول الدين، وهي تشمل عنده:

أ- الدَّلالة على آيات الخَلق بعامَّة وخَلْق الإنسان بخاصَّة.

ب- الأدلَّة القرآنيَّة العقليَّة.

ج- الأمثلة والأقيسة القرآنية (وقياس الأَوْلى خصوصاً).

أمّا القسم الثالث من هذا المؤلّف فيقصره رائد السمهوري على موضوع “القدر في فكر ابن تيمية”، وقد نقد في التمهيد الذي خصّصه لهذا القسم حالة الفصل بين المقدمات ونتائجها والعلل ومعلولاتها التي وجدها عند ابن تيميّة وكرّسها الفكر الجبري مُتستّراً في ذلك خلف بعض مقولات التسليم بأقدار الله، مثل:

– “يفعل في ملكه ما يشاء.”

– و”لا يكون في ملكه إلا ما يريد.”

وهذا ما يتعارض – في رأي المؤلّف – مع قيم الفاعلية والعمل والانطلاقة الحضارية وغيرها من متطلبات الفعل النهضوي.

وقد اعتبر هذا الفكر حالةً عقليةً لا ترى في الكون ارتباطاً مُحكماً بين المقدمات والنتائج، ممّا يؤدي إلى تعطيل السنن الربانية وهو ما يُكرّس الفكر الخرافيّ. ونبّه إلى أنّ مثل هذا الفكر ظاهره “الإجلال والتنزيه” وباطنه “الإساءة والقدح” للأقدار التي هي في حقيقتها مفعولات لله.

وتعرّض في ذلك إلى أسئلة شهيرة مثل: هل الأسباب مؤثرة في المسببات؟ وذكر مذاهب المتكلمين كما أوردها شيخ الإسلام في كتبه ثم عرّج على رأي ابن تيمية الذي يقول إنّ الله ـ سبحانه ـ خالق الأسباب والمسببات، وأنّ هذه الأسباب مُؤثرة[8] ولكنّها ليست مُؤثرة بنفسها بل هي مجرد وسائط يفعل الله بها مفعولاته، أي أنّ لكل فعل سبباً بعينه، وهو بذلك يختلف عن المعتزلة الذين يجعلون الأسباب مؤثرة وفق سنن الله بشكل جار على قانون ينتظمها في كل الأفعال.

وخاض المؤلّف كذلك في رأي شيخ الإسلام ابن تيمية الشهير حول مسألة “أفعال العباد بين التسيير والتخيير”، وهي مسألة تقوم في فهم ابن تيمية على اعتبار فعل الإنسان إنّما هو مفعول لله تعالى الذي أقامه في الإنسان، وأنّ الله استعمل القدرة الإنسانية ليخلق بها هذا الفعل الإنساني، فالقدرة الإنسانية هي سبب وواسطة في خلق الفعل مثلما خلق الله النبات بالماء وخلق الغيث بالسحاب.

حاصل هذا القول – في هذا المستوى- أنّ أفعالاً كثيرة مثل الكفر أو الزنى أو أكل الربا هي أفعال خلقها الله في العبد بواسطة قدرة العبد، وبهذه القدرة خلق الله الكفر والعناد وغيرهما من المعاصي في قلبه وعلى جوارحه، ثم هو سيصليه نار جهنّم يوم القيامة على أساس أنّ هذا الفعل هو فعل العبد، لا لأنّ العبد هو فاعله حقيقة، ولكن لأنّ هذا الفعل قام بالعبد كما يقوم “السواد بالأسود والبياض بالأبيض”. والنتيجة أنّ الله هو الذي خلق الكفر في العبد بواسطة قدرته المحدثة، وأنّ العبد ليس مُؤثراً في أفعاله باستقلال كما أنه ليس مؤثراً في أفعاله تلك بمعاونة ومشاركة بل التأثير إنما هو لله.

والمُلاحظ أنّ المؤلّف لا يختلف مع مقولة رئيسيّة وردت في فكر ابن تيميّة حول خلق الله لعباده، وأساسها أنّ الله تعالى خلق العبد قادراً ومريداً، بمعنى أنّ له قدرة مُحايدة، وأنّ له الحق في أن يختار هذا الفعل الحسن أو ذاك الفعل السيئ، ولكنّه يجد إشكالاً في فهم أسئلة وردت عند شيخ الإسلام مثل: هل أراد الله لهذا العبد – قدراً وتكويناً- أن يفعل هذا الفعل الحرام بعينه؟ وهل الله هو الذي خلق حركة هذا الفعل الحرام في جسده وفي ذهنه؟ هل الله هو خالق هذه الأشياء؟

ويُجيب السمهوري عن هذه الإشكاليّة التي يتصدى لها ابن تيميّة بجملة من الأسئلة الإنكاريّة منها: هل الذي يصنع السكين هو الذي يقتل بها؟ فإذا خلق الله الإنسان قادراً، فهل معنى هذا أنّ الله هو الذي وجّه القدرة ليفعل بها هذا الفعل؟ فإذا صنع أحدهم سكيناً وأهداها لأحد الناس وأوصاه ألا يستعملها إلا في الخير، فاستعملها في قتل الأبرياء، يفترض ألا نعتبر صانع هذه السكين هو فاعل تلك الجرائم، وكذلك الحال في مسألة القدرة والإرادة، إذ أنّ الله أعطى الإنسان القدرة وأعطاه الإرادة، لكنّ إرادة هذا الشيء المُعيّن هو فعل الإنسان وحده وليس فعل الله تعالى.

ويعتبر المؤلف أنّ هذه المقولات هي التي مهّدت الطريق للجبريّة القدرية، بمعناها الحقيقي الذي تعيشه الأمّة اليوم، وأنّه بمثل هذه العقائد لا يمكن أن تنهض الأمّة، وأن تتغير إذا ما استبطنت تلك العقائد الجبرية التي تنفي عن الإنسان حقيقة الفعل والإرادة والتغيير، وتعيد مصائبه وأحواله وتخلّفه إلى أقدار الله وإرادته.

وقد ورد القسم الرابع من الكتاب تحت عنوان: “قراءة نقدية في كتاب درء تعارض العقل والنقل” وخلص فيه الباحث إلى أنّ الخلاف الحقيقي ليس بين النص والعقل، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وإنّما هو نزاع بين منظومتين عقليتين: إحداهما تثبت المعنى الظاهر للنص وتقدّم الأدلة العقلية لإثبات هذا الظاهر وتلغي ما عداها، والأخرى تثبت الأدلة العقلية التي تخالف ظاهر النص وتؤوّل النص إلى معنى من المعاني التي يحتملها ليتفق مع تلك الأدلة على ضوء أساليب العرب وطرائقها في الكلام.

ويثبت الباحث أنّ لابن تيميّة استراتيجيّة فكريّة يسير عليها للردّ على المتكلّمين تقوم أساساً على عناصر أربعة هي: استراتيجيّة الحجاج العقلي، واستراتيجيّة الحجاج اللغوي، واستراتيجيّة تشنيع حال المخالف، وأخيراً استراتيجيّة الدعم والحشد.

وينتهي رائد السمهروري في خاتمة بحثه إلى أنّ فكر ابن تيمية فكر ثري وغزير وذو تأثير بالغ على حالة الأمّة الإسلاميّة اليوم، وأنّ هناك جوانب مازالت بحاجة إلى دراسات موضوعيّة، خاصة نظرية ابن تيمية السياسية، ونظريته في الإصلاح الاجتماعي.


[1]– رائد السمهوري: نقد الخطاب السلفي، ابن تيميّة نموذجاً، دار طوى للثقافة والنشر والإعلام، منشورات دار الجمل، لندن، الطبعة الأولى، 2010.

[2]– باحث وناقد سعودي مختصّ في الأدب والفكر الإسلامي، يهتمّ بالفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه، وبصدد إعداد دكتوراه في الدراسات الإسلامية في جامعة المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت. له من الكتب: “نقد الخطاب السلفي ابن تيمية نموذجاً”، و”علي الطنطاوي وآراؤه في الأدب والنقد”، و”تهافت أبي يعرب المرزوقي، وأدلوجته الاسمية، ودعاواه على ابن تيمية وأئمة الإسلام”، و”علي الطنطاوي وأعلام عصره (سيد قطب وآخرون).

[3]– يجعل رائد السمهوري الأمر شخصيّاً في هذه المقدّمة عائداً إلى: “احتكاكات جرت بيني وبين بعض الإخوة.” كما يقول.

[4]– رائد السمهوري: نقد الخطاب السلفي، ابن تيميّة نموذجاً، سبق ذكره، ص 10

[5]– نفسه، ص 22

[6]– نفسه، ص 30

[7]– نفسه، ص 31

[8]– وهو ما يعيدنا إلى مذهب المعتزلة في هذا المستوى، ولكنّه سرعان ما سيختلف عنه.


 

عبد المنعم شيحة:
باحث تونسي، حاصل على دكتوراه في اللغة والآداب والحضارة العربيّة- الجامعة التونسيّة. مهتم بقضايا الفكر الإسلاميّ والنصوص المؤسّسة للحضارة العربيّة . 


المصدر 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.