فن تشكيلي

القيم الجمالية في المفاهيمية المُطلقة وهدم الصور النمطية

 

تصورات فنون ما بعد الحداثة تحتكم لمنطق جمالي تعبيري مختلف عن الصورة النمطية في الفن وهو ما قدّمته التجربة المفاهيمية وبالخصوص مع المفاهيمية المطلقة فمنذ بداياتها التي ركّزت على الفكري المفهومي قبل المادي باعتبار أن الفكرة والموقف لها قواعدها التعبيرية قبل الخامة التي تخضع لقيم تلك القواعد بحيث يتفاعل هذا التمازج مع الخامات في التنفيذ والعرض وهي تمازجات لها حكمتها البصرية وجدلياتها الرؤيوية، وهي التجربة التي خاضها الفنان التشكيلي “تيم نوردن” في تجليات بصرية ومواقف من الفن المعاصر ومن الجماليات المعاصرة ككل.

فعندما يتساوى الغموض والوضوح ويتجادل العمق مع السطحية تنبثق الرؤى البصرية والجماليات الغرائبية في التركيبة الفنية التي يحاول “تيم نوردن” أن يبسطها للمتلقي ليأخذه معه بعيدا في التفكير ويهبه الحروف الأولى لمفاهيمه ولغته التشكيلية البصرية تلك التي اختار فيها أن يفكك الجوانب السياسية والبيئية والدينية والإنسانية والفنية، بشفافية بحث تبالغ في سخرياتها السوداء وصراحتها الوقحة ورموزها المتجردة من السطحية الظاهرة نحو العمق المطلق في المفهوم.

يعتمد تيم نوردن المفاهيمية المطلقة كأسلوب تعبيري فني معاصر التشكيلات البصرية، فهو يَخرج من فوضاه الواضحة في عالمه المليء بالترسبات الفكرية نحو الفضاءات الأرحب فنا ولغة وتعبيرا ووصفا دقيقا لكل الأحداث التي يعايشها ويتفاعل معها بفكره الثاقب الناقد والساخر.

 

ولد نوردن الفنان التشكيلي الأمريكي سنة 1945 كان الفن بالنسبة له عالما خارق التوظيفات فخاض فيه واندمج في كل أساليبه معتمدا على التجريب ومواكبا لتطوراته ليتفاعل مع الفنون البصرية المعاصرة ويتخذ من المفاهيمية المطلقة مسارا لتوجهاته ومواقفه سواء من خلال الأداء أو التجسيد والتركيب والتصوير وهو ما مكّنه من تنويع خاماته وعناصره وتجربته الجريئة التي وظّفها على مراحل نضجه البصري والفلسفي والفكري ليخترق بمفاهيمه التصورات الجمالية بصدامات فكرية عالجت راديكالية الواقع وقوالبه الجامدة وتصوراته التي تعلي الظلم المغلف بقوالب مختلفة في ثالوثها المألوف السياسة-الدين- المجتمع، وما تثيره الصدمات بينها، فقد حاول اختراقها سخرية وتهكم بمفاهيم سلّطها منطلقا من فردانياته الوجودية وتصوراته الجمالية العميقة محاولا تفسير رؤاه بصريا متكئا على حدسه وفوضاه الواضحة في فكره ومزاجه الشفاف، حيث خاض في كل القضايا التي طالت الإنسانية بدأ من العالم الاستهلاكي والتلوث البيئي والتداخلات الاجتماعية والقيم الأخلاقية والتصورات الدينية المتحكمة في المصائر الغيبية المغلفة بالتقوى والمبطنة على الحروب والقتال والمصالح الاقتصادية والسياسية.

*الثلاثية المقدسة

إن العبور في كل مرحلة نضج فني وتطويع للخامة قرّرها نوردن بكل حواسه ومواقفه واستفاد من قيمها الجمالية وعمّق معناها الماورائي دون أن يستثني منها تداخلاته الفكرية ومعانيه الوجودية وألوانه ومسطّحاته وفضاءاته وتمثلاته الجسديّة بعلاماتها البصرية الدقيقة في التعبير.

 ولعلنا سنتطرّق إلى ثلاث مراحل تعبيرية مفاهيمية  دقيقة ساهمت في اشعاعه الفني وتدفقه التعبيري من خلالها، حيث طبع اسمه في لائحة أبرز المفاهميين الذين اجتازوا بالفكرة الوجودية والفلسفية  حدود التصورات الجمالية المألوفة خاصة عندما خاض في توظيف الفكر اللاهوتي ومداه التشكيلي عندما تمكن من أن يتوافق به مع الدين والسلطة أو فكرة العبادة والتسلط، وهنا توصّل إلى تناقضات الصورة وربط المفاهيم الدينية بالدنيوية والروحية بالمادية ليوظّف استنتاجاته مع قراءاته التاريخية والحضارية التي خلقت صدامات جغراسياسية، أوقعت العالم في الانفصال الذي حوّل الدين إلى أداة تسلط فكري ومذهبي وتعبيري خال من الإنسانية ففي أعماله يتطرّق لكل الديانات البشرية مركزا على أسباب التناحر والصدام والحروب والإبادة والقتال مسخّرا علاماتها الحضارية كما في أمثولة “بوذا بين فكي القرش”.

*بين فكي القرش

تلك الدلالات التعبيرية في الخامة علامة بصرية مألوفة أرادها تعبيرا عن التحكم الصيني في تحويل فكرة الديانة سياسيا وأيديولوجيا ليتحوّل المعبود إلى أداة بين فكي العابد بحيث طغيان الفكرة الاشتراكية ومداها التحكمي في الفكر العام وظّفها في انبعاثات اللون الأحمر ودلالته السياسية والحياتية الحب أو الحرب،   أو في أمثولة الكتاب المقدس والمجلات الكرتونية المطبوعة وهي الادعاء بالقداسة والتدين من قبل السياسة الأمريكية في المطلق تلك التي كانت واضحة في عهد الرئيس جورج بوش الابن حيث أن مكتبه الذي يبدو مقدس الترتيب باتباع المذهب الديني اليميني كان في الأصل مغلفا بمجلات مصورة وقصص الأبطال الكرتونية الوهمية، كما لم يغفل عن تجسيده الأدائي لسلطة الكنيسة في ثلاثيتها المقدسة والمجازات الرمزية في حمل العذراء ثم الخواء الأجوف الذي عبّر عنه في ملابس بابا الكنيسة المتروكة على الأرض حيث ركّز على خطورة التمظهر لدى رجال الدين الذي يعني الخواء والتسلط والسخرية على السذج.

وهنا يوافق فكرته وموقفه المفاهيمي في المادة والدم والحرب في شكل الصليب المجسد بالدولارات ولونه الأخضر أو الصليب المليء بالمسدسات ولونه الأحمر أو الصليب المزخرف بالزجاج الحاد الذي بدا على شكل سيف أو التاج  المقدس المدجج بالرصاص.

كما يلقي نوردن بمواقفه الحادة على الصهيونية المغلفة بالدين من خلال الصندوق الذي يختزل فكرة التجسس والحرب ويغلف في ظاهره بالنجمة المقدسة.

وفي التصور الثاني لتجربته المثيرة مع المفاهيم الدينية والاستهلاكية والتجارة الربحية مع الإلاه أولا ومع الفن بالخصوص يحاكي نوردن  تجربة الفنان “داميان هيرست”  في عمله For the Love of God  أو من أجل المحبة الإلاهية منحوتته الشهيرة التي تعود لجمجمة رجل ثلاثيني من القرن الثامن عشر اعتمدت كمجسم فني نحت عليه تصميم لـ8601 ماسة أرادها هيرست تأملا راديكاليا لتفاهة الحياة رتبها على طبقة من البلاتين لكن نوردن تحوّل بفكرته إلى تصوّر الثالوث المقدس على المراحل الزرقاء الباردة رغم أنها مرصعة بالجواهر من خلال ثلاث صور كثيفة في التعبير والمبالغة بجرأة تستدرج المعنى نحو التهكم الإستهلاكي وموقفه من تناقضات هيرست الفنية والجمالية والمظاهر الربحية التي تستغل كل التوظيفات لتعكس الطغيان والسيطرة بفم مغلق ثم عينين بارزتين في الرؤية ثم جواهر لامعة على هيكل عظمي لوجه مرعب ثم جمجمة بلا روح كفكرة مفاهيمية لتلاشي الانسان أمام المادة كتساؤل عن جدوى الفن المال والشهرة أو الابتكار.

*الثالوث المقدس من تصور”داميان هيرست”

ولم يتمثل موقف نوردن من هيرست في تصوراته الفنية التجارية فقط بل أيضا اعتمد علاماته البصرية بشكل تضاد كامل لأطروحاته المتناقضة في التعبير عن موقفه من مفاهيميته خصوصا في تعامله مع الطبيعة مع الحيوان ومع دلالة الأسماك وسمك القرش بالخصوص فلا يمكن إنكار صيغ الرمز الفكري في مفاهيم نوردن حيث أنه يوظّف كل الأحداث والوقائع ويطّلع على تفاصيل الواقع عموما والواقع الفني بالخصوص بحواسه المبهمة وتفاعلاته المركزة ليفتتها بتناغم يتصاعد إيقاعه وفق سخريات ذلك التضاد الذي يتعايش مع فوضى الانسان ويبدو هذا من خلال مفاهيمياته التي تتحدّث عن البيئة وعن المحيط عن الثروات السمكية فالمحيط الذي صار مكب نفايات بشرية لايزال عطاؤه قائما بالأسماك للإنسان المتناقض هذا الانسان الذي يلوث المحيط بنفاياته وفي نفس الوقت يأكل منها أسماكها، وهنا يركّز على رمزية “القرش” ومدى شراسة الفكرة وتحولات البيئة التي تقضي عليه وتحوّله إلى مجرد مجسم وهنا تطغى الصورة على المفهوم المعتم في تصور تركيبي على فكرة المحيط ومساحاته الزرقاء ورؤوس الأسماك التي تطفو أو تختنق أو تحاول النجاة من مساحته معتمة.

يطرح تيم نوردن تساؤلاته واستفهاماته النابعة من تصوراته الشفافة للوجود وينقل بدقة مدى تفاعله مع واقعه ولكنه يلجأ إلى خياله المعرفي وزخم علاماته ليقدّمها بفكر نقي طيّع أمام انحرافات الأفكار الإنسانية وتناقضاتها فهو لا يفرق عن أسماكه المتصوَّرة التي تصارع في محيطها فهو أيضا يصارع القوالب الخانقة وينحدر من منعطفاتها الجارفة بعمق أحاسيسه النقية.


  • الأعمال المرفقة:

متحف فرحات الفن من أجل الإنسانية

Farhat Art Museum Collections

 

بشرى بن فاطمة

صحفية وكاتبة تونسية؛ خريجة معهد الصحافة وعلوم الاخبار بتونس صحافة مكتوبة اختصاص ثقافة وفنون. عملت بعدة صحف ومجلات تونسية وعربية وانخرطت في عدة جمعيات تونسية تعنى بالأنشطة الثقافية العربية وتنظيم التظاهرات الفنية. قدمت عدة بحوث في مجال الفنون التشكيلية منها كتاب تأثير الاستشراق في الحركة الفنية التشكيلية العربية والغربية الصادر عن مؤسسة الديوان الثقافية المصرية وسيصدر لي قريبا بحث بعنوان "مفاهيم الفراغ في التشربة التشكيلية النسائية العربية". لي عدة محاولات في ترجمة مقالات انجليزية وفرنسية عن الفنون البصرية شاركت بها في عدة مشاريع بحثية أهمها كتاب "الفيديو آرت وتأثيره على التجربة العربية والخليجية" للكاتب والباحث السعودي يوسف الحربي. نشاطي الجمعوي والتنشيطي الميداني قدمت ورشات في التحليل والقراءة الفنية للوحة والصورة الفتوغرافية والكتابة النقدية والتحرير والسرد من خلال ربطها بالجوانب الأدبية والمشاركة في الكتابة متعددة الوسائط والجمع بين الفنون. شاركت كمستشارة فنية بالتعاون مع جمعية الثقافة والفنون بالدمام بالملتقى الدولي الأول لفن الفيديو في دورته الأولى التي اختصت لأول مرة في الفيديو آرت بالمملكة العربية السعودية 2018.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

الإعلانات هي مصدر التمويل الوحيد للمنصة يرجى تعطيل كابح الإعلانات لمشاهدة المحتوى