أدب وفنونالدراسات الثقافيةفن تشكيلي

فرناند بويون.. مهندس الفقراء ونحات تحف معمارية في الجزائر

لا يمر أي زائر بحي ديار السعادة مثلًا في أعالي الجزائر العاصمة، دون أن ينتبه إلى المسحة الجمالية المميزة للعمارات بالرغم مما ألحقه الإهمال والفوضى وغرغرينا الزمن بالمكان، فشكل الشقق السكنية والساحات والممرات والحدائق المكسوة بأشجار السرو والنخيل يبهر الناظرين، ويجعلهم يدركون أنهم أمام تراث فريد، بناه باحترافية مثالية مهندس فرنسي للفقراء الجزائريين أو من كان يطلق عليهم بـ “الأنديجان”، ثم أضحى هذا المعماري الموهوب خطاط أجمل ما شيده البلد المستقل في كل ربوعه.


  • منازل فخمة للفقراء وحدائق لإسعاد الناس

كم عدد الجزائريين الذي يعرفون فرناند بويون (1912 – 1986) رغم انتشار روائعه المعمارية في كل مكان؟ الإجابة معروفة إذا ما علمنا أن اهتمام النخب أو العامة من الناس بفنون العمران والتاريخ الحضري محصور جدًا، لا سيما وأن أغلب المباني والحدائق في المدن الكبرى هي إرث كولونيالي، يعتبره السكان غنيمة حرب، فأي شيء مرتبط بالحقبة الاستعمارية هو منبوذ في وجدان المجتمع حتى وإن تعلق الأمر بمعالم حضارية منفردة، دون الانتباه لكونها جزءًا من ذاكرة البلاد وميراثها الثقافي.

ربما هذا ما يبرر الإهمال الذي يطال أعرق الأحياء في قلب المدن، في حين كان من الأجدر تصنيفها ضمن التراث الوطني والإنساني نظرًا لعمقها التاريخي وخصوصياتها الهندسية، بدلًا من بقائها عرضة للتلاشي والتداعي يومًا بعد يوم. امتدت ظاهرة الإهمال إلى ما شيد غداة الاستقلال من بنايات موغلة في الاتقان والإبهار، كما هو حال العمارات الواقعة في حي ديار السعادة، وديار المحصول بالعاصمة وصولًا إلى القصور الحديثة في الصحراء، ومرورًا بفنادق سيدي فرج وتيبازة وغيرها من مشاريع عمرانية أنجزها مهندس بحجم بويون، لم تنجز السلطات مثلها طيلة الأربعة عقود الأخيرة.

 

إلى جانب استحضار المهندسين الجزائريين تجربة هذا المعماري الموهوب في ندوات موسمية ومعارض هامشية، استطاع المصور الفوتوغرافي السويسري ليو فابريزيو نفض غبار النسيان عن سيرته وآثاره في الجزائر، ثم عرض المركز الثقافي الجزائري في باريس شريطًا وثائقيًا للمخرجة ماري كلير روباشتين في 30 سبتمبر/ أيلول الماضي بعنوان: “فرناند بويون، العمران المأهول”

ربما هذا ما شجع الحكومة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي على تصنيف خمسة فنادق مرموقة قام بإنجازها في مناطق بالجنوب ضمن التراث الوطني، ويتعلق الأمر بفنادق مكثر في مدينة عين صفراء، والريم في بني عباس، وتاهات في تمنراست، والبستان في المنيعة، والمهري في ورقلة، في انتظار استكمال تصنيف مؤسسات أخرى. وتهدف هذه المبادرة إلى الحفاظ على تراث معماري مشترك وإحياء أعمال المهندس الاستثنائي الذي ترك تراثًا فريدًا للجزائر، بما في ذلك 32 فندقا، كما جاء في بيان نشره مجمع المؤسسات الفندقية والحمامات المعدنية.

المميز في مشاريع صاحب كتاب “الأحجار المتوحشة” مقارنة بآثار المهندسين الفرنسيين والأوروبيين في الجزائر، هو اهتمامه بالسكن الاجتماعي قبل وبعد استقلال البلد، ومنح الفقراء وسكان الضواحي المهمشة والعشوائيات مباني راقية المظهر، تحمل لمسة هندسية متناغمة مع الطبيعة وفنون العيش، أو ما كان يسميه فرناند بفضاء لإسعاد الناس وحفظ كرامتهم وصقل ذائقتهم الجمالية.

 

 

 

 

 

 

  • تحرير الهندسة من النظرة الاستعمارية

    ذاع صيت بويون حول سرعة انجاز مشاريع الإسكان وبأقل تكلفة في فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، على غرار إنجازه لحي توريت الشهير في مرسيليا، وتجديد الميناء القديم لهذه المدينة، وعليه استدعاه جاك شوفاليه (1911-1971)، عمدة الجزائر العاصمة، في مايو/ أيار عام 1953.

هذا الأخير الذي عرف بمساندته لاحقًا لمطلب الاستقلال، نفذ استراتيجية الجنرال شارل ديغول في الاستجابة للمطالب الاجتماعية للجزائريين، سعيًا منه لإخماد انتفاضتهم، وفي هذا الإطار سلم العمدة المهندس مشروع بناء مساكن بالعاصمة.

يقول هذا الأخير في مذكراته: “في الظهيرة، كنت مسؤولًا عن بناء ثلاثة آلاف منزل، وفي الساعة الخامسة مساءً، صممت مخططا لثمانية آلاف مسكن. إنه من النادر جدًا أن تمنحك مغامرة ما في حياتك كل هذا القدر من الثقة”.

أضحت الأحياء السكنية الثلاثة بمثابة جواهر معمارية في مدينة الجزائر وهي: ديار السعادة التي بناها في 1954، ثم بعد سنة واحدة أقام ديار المحصول أو ما أطلق عليها اسم مدينة الوفاء بالوعد، ومناخ فرنسا في حي باب الواد في سنة 1959. كما أنجز خلال خمسينيات القرن الماضي عشرات المشاريع المماثلة في جميع أنحاء البلاد، متحررًا من إملاءات السياسة الاستعمارية وطريقة تعاملها مع الأهالي (صنفوا كمواطنين من الدرجة الثانية)

جمع بويون بين ضرورة حل مشكلة الانفجار الديمغرافي وإضفاء مسحة جمالية على المجمعات السكنية. ثم استمرت مغامرته في الجزائر المستقلة إلى غاية منتصف الثمانينيات.

فرناند بويون يتفقد مشروعه في سيدي فرج في الجزائر العاصمة عام 1964، وإلى اليسار فندق سيدي فرج حاليًا
  • مصور سويسري يقتفي خطى بويون في ليالي المدينة البيضاء

إعادة اكتشاف هذا المعماري ستكون مختلفة إذا ما نظرنا إليها بعيون المصور السويسري الإيطالي ليو فابريزيو، الذي يروي قصة ذهابه إلى الجزائر العاصمة عام 2012 في إطار مشروع للسفارة السويسرية. يقول: “خلال إحدى جولاتي الليلية، اكتشفت مباني حي ديار المحصول، حيث تتسرب من حجارتها هالة برتقالية رائعة نتيجة انعكاس أضواء الشوارع على الجدران”. تلك أول مرة يقف فيها المصور أمام عمارة المهندس الفرنسي، مفتونًا بما اعتبره عملًا ملهمًا وإنسانيًا.

بدءًا من عام 2014 وإلى غاية 2018، اقتفى ليو مع مرافقته المخرجة دافني بينغوا أثر بويون عبر ثماني رحلات في مختلف الولايات، وقد أثمر مشروعهما فيلمًا وكتابًا مصورًا بعنوان “فرناند بويون والجزائر” صدر عن منشورات “ماكولا” في عام 2019، تضمن 600 صورة و140 رسمًا تخطيطيًا لأهم ما بناه المهندس، ونصًا للكاتبة الجزائرية كوثر عظيمي استلهمت فيه حياة عائلة تعيش في أحد الأحياء التي صممها.

سلط المصوران الضوء على تجربة فرناند بويون التي مزج فيها الخرسانة مع اللوحات الجدارية، كما استوحى مخططاته من طوبولوجيا الأرض ومناخها وثقافات أهلها المحلية، ضمن ما يسميه بـ “العمارة التقليدية” المتناغمة مع تضاريس البحر الأبيض المتوسط​​، بعبارة أخرى، تلك المصنوعة من الطين الخام والمواد الطبيعية والسلع اليدوية. كما كان يحرص على استخدام الحجر.

انغمس هذا المهندس المعماري الذي اعتبر نفسه جزائريًا مسلمًا وعربيًا، في جغرافية المدينة ومخزون ذاكرتها، وهكذا استحضر حي القصبة العريق في تصميم ديار المحصول مثلًا من حيث تحصيناتها وشكل الجداريات الخزفية الكبيرة التي تغطي الواجهات، حيث تتراءى من قمة الهضبة المطلة على خليج الجزائر حديقة الحامة الفاتنة متسللة نحو البحر، تتجاور الشقق وتتعانق وسط منارة المسجد والحدائق، إلى جانب وجود فناءات داخلية مزينة ومتصلة عبر سلالم وأروقة كبيرة، توفر إطلالات رائعة على المدينة البيضاء ومياه الميناء اللازوردية.

وتظهر صور كتاب ليو فابريزيو مناظر مأخوذة من فيلا ديزاركاد، في القسم الأكثر روعة من ديار المحصول، وأقام فيها المهندس وكالته، لكنها تعرضت حاليًا إلى الإتلاف، حيث تم تدمير التمثال الخزفي الضخم الذي صنعه النحات الفرنسي الشهير جان أمادو حول شرفات البرج المطل على البحر، كما أزاحت السلطات الجزائرية نافورة ضخمة صنعها النحات الفرنسي لويس أرنو ولم يبق من تمثالها غير الأحصنة.

حي مناخ فرنسا في السنوات الأولى بعد بنائه، وحاليًا 

 

  • بناء مجتمع الانسان.. عقيدة بويون

    يبدو “مناخ فرنسا” مدينة صغيرة مطلة على حي باب الواد بالعاصمة، حيث تتوزع خمسة آلاف وحدة سكنية، يحيط بها 200 عمود وخلفها رواق مظلل يضم الأكشاك الصغيرة ومساحات خضراء، مما يجعلها شبيهة بقصر فسيح هو موطن لما يقرب من 50 ألف شخص الآن.

حيث قال فرناند بعدما نجح في تصميم الحي رغم صعوبة المنحدر الجبلي: “أردت أن يعيش الناس في فضاء شبيه بمعلم تذكاري، حتى وإن كانت الشقق صغيرة جدًا ومخصصة للفقراء إلا أنني أرغب في جعل الثقافة جزءًا من يومياتهم”.

ويضيف ليو فابريزيو: “لم يستطع بويون تقديم أمتار مربعة إضافية لهؤلاء الفقراء، لالتزامه بالمخططات الموكلة له، لكنه منحهم الكرامة”. ورغم أن التربة غير مستقرة في حي مناخ فرنسا، إلا أنه صمد في وجه الفيضانات التراجيدية التي شهدها حي باب الواد لاحقا في عام 2001.

سيستمر المهندس المعماري على ذلك المنوال خلال عودته إلى الجزائر، بعد سنوات قليلة من إعلان الاستقلال، تحديدًا من عام 1967 إلى غاية 1984. وكانت تلك حياة جديدة بالنسبة له.

تحدث المعماري عن تجربته الجزائرية في كتاب ألفه في السجن: “مذكرات مهندس” الصادر عن منشورات سوي عام 1968، حيث أمضى ما يقرب من عامين في قضية تتعلق بالاختلاس المالي في فرنسا، حيث وجد نفسه عند إطلاق سراحه في عام 1965، مفلسًا ومثقلًا بالديون والضرائب، عندها لبى نداء سلطات الجزائر المستقلة التي كلفته ببناء مجمعات سياحية وفنادق.

كان ذلك بمثابة حلم لتحقيق طموحاته المفعمة بالخيال والغرائبية، قضى وقتًا رائعًا في إثراء مخططاته بملامح الشرق ورموز العمارة الإسلامية، فكانت النتيجة مبهرة وصامدة في وجه الزمن. إضافة إلى تشييده لعدد من المدارس والإقامات الجامعية والفيلات، أوكلت له مهمة إنجاز البنية التحتية للسياحة في بلد يعادل خمسة أضعاف حجم فرنسا، جاب بويون 1200 كيلومتر من طول الشريط الساحلي، وصمم فنادق وقرى سياحية، على غرار فنادق المرسى والرياض والمنار والرمال الذهبية في زرالدة بسواحل الجزائر العاصمة، والمجمعات السياحية في مدينة تيبازة، والأندلسيات بوهران، والمنتزه في عنابة التي تبدو أمكنة بيضاء فخمة شبيهة بمتاهات تطل على مناظر طبيعية مذهلة.

وامتدت مشاريعه الفندقية من القالة شرقًا إلى الغزوات غربًا، تتخللها حدائق معلقة، ونوافير المياه المنعشة، كما نهل من ملامح صحراء ميزاب، وأطلال المنيعة وتيميمون لتشييد مباني ذات واجهات طينية، ومحاطة ببساتين النخيل في أقصى الجنوب.

من الأعلى، ديار المحصول المطلة على خليج الجزائر، وفي أسفل الصورة فندق المنتزه في عنابة شرق الجزائر وفندق القرارة في تميمون قلب الصحراء الجزائرية
  • مبان صامدة في وجه التخريب والفوضى

    في كتاب “الجزائر، التاريخ الحضري” الصادر عن منشورات بوشان الفرنسية عام 2001، يحلل الكاتب جان جاك دولوز الحس الجمالي التي كان يملكه المهندس فرناند بويون، وكيف قام بتصميم المخططات الأولية للمدينة من خلال معاينة الفضاء الحضري، حيث جعل المساكن هرمية ومترابطة مع الساحات، والحدائق، والمراكز التجارية، والأروقة، والممرات، والأبراج… إلخ، ومتناغمة من حيث شكلها وأحجامها مع الظلال والأضواء والديكور الطبيعي.

وبسبب افتقار أغلب الإدارات الجزائرية لثقافة التوثيق، لا نعرف عدد مشاريع هذا المهندس الاستثنائي بالتحديد في البلد، لكن ما يظهر من إنجازاته دليل على موهبته ومحبته للجزائريين، فرغم تلك الهوائيات والمكيفات وأحبال الغسيل، والتعديلات العشوائية وغياب الصيانة التي تحيط بواجهة المباني وسطوحها اليوم، إلا أنه لا يمكن نكران تلك الروح السخيّة المنبعثة من أعماله، ولن تستطيع الفوضى المنتشرة في تلك المباني والأحياء النيل من جمال ورونق ما أنجزه من روائع معمارية على مدى ثلاثين سنة.

المجمع السياحي زرالدة في ضواحي الجزائر، وفندق القرن الذهبي بمدينة تيبازة وفيه مدرج مستوحى من المسارح الرومانية، ومن كتاب ليو فابرزيو صورة لفندق بساحل سيدي فرج 

 


ضفة ثالثة

فائزة مصطفى

بالعربية: موقع عربي غير حكومي؛ مُتخصص في اللّغة العربية وعلومِها ومباحثِها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

لمشاهدة المحتوى يرجى تعطيل كابح الإعلانات