أي منهج لدراسة الظواهر الإنسانية والثقافية ؟

1

 

“All humans tend to impose on the world a common encompassing conceptual organization, made possible by universal mechanisms operating on the recurrent features of human life. This is a central reality of human life and is necessary to explain how humans can communicate with each other, learn the culture they are born into, understand the meaning of others’ act, imitate each other, adopt the cultural practices of others, and operate in a coordinated way with others in the social world they inhabit.” Tooby and Cosmides (1992), 91.

 

  • مقدمة

لقد أدت الثورة المعرفية التي شهدتها حقول علمية كالذكاء الاصطناعي واللسانيات وبعض تخصصات علم النفس العصبي والأنساق الإدراكية، منذ منتصف القرن العشرين على وجه الخصوص، إلى تطورات أعادت النظر، تدريجيا، في مناهج باقي العلوم المتصلة بدراسة طبيعة الإنسان ومحيطه، ومنها علوم الأحياء والأناسة والعلوم الإنسانية والاجتماعية، التي أصبحت ملزمة، باعتبارها علوما معرفية، بأخذ نتائج هذه التطورات بعين الاعتبار والاندماج بصورة طبيعية في البحث الساعي إلى بلورة ما أصبح يسمى اليوم نظرية صورية للمعرفة (formal theory of cognition).

ومما يعنيه هذا الاندماج ربط دراسة المعرفة الاجتماعية/الثقافية (موضوع العلوم الإنسانية والاجتماعية) بدراسة كل ملكات الذهن/الدماغ (لدى الإنسان والحيوان) وعلى كافة المستويات، بما في ذلك البنيات الذهنية التي قطع البحث في خصائصها أشواطا هامة كالبنيات البصرية والموسيقية واللغوية.[1] كما يعني فرز الأوليات التصورية والأنساق الفرعية التي تشكل هندسة المعرفة الاجتماعية/الثقافية وربطها بالخصائص الهندسية الملاحظة في باقي الملكات الأخرى داخل بيئة الذهن/الدماغ المعرفية العامة.

فكان من الطبيعي أن تؤدي هذه التطورات إلى تفنيد التصورات التي سادت منذ نهاية القرن التاسع عشر وطيلة العقود الأولى من القرن العشرين في دراسة الظواهر الإنسانية والثقافية، والتي أهملت الخصائص الذاتية للبنية المعرفية/الأحيائية لدى الإنسان ودورها الحاسم في تشكيل تجربته الاجتماعية/الثقافية وبنائها بكيفية مخصوصة دون كيفيات ممكنة أخرى.

1 منهج دراسة الظواهر الإنسانية والثقافية في النموذج المعيار

1.1 عن الفصل بين العلوم

لقد ظلت العلوم الإنسانية والاجتماعية لفترة طويلة وإلى حد كبير بمعزل عن تصور اندماجي للمعرفة العلمية. فرغم اعتماد العلماء الاجتماعيين على عدد من وسائل علماء الطبيعة وممارساتهم (كالقياس الكمي، والملاحظة المراقبة، والنمذجة الرياضية، والتجريب، الخ.)، فقد كانوا ميالين إلى إهمال المبدأ المركزي القائم على أن المعرفة العلمية السليمة، سواء تعلقت بنفس المجال أو بمجالات مختلفة، يجب أن تكون متعاضدة الأجزاء؛ وأن المجالات العلمية المختلفة يجب أن تكون متكاملة، وأن تشكل أجزاء من نفس النسق المعرفي الواسع. فقد مالت العلوم الاجتماعية، خاصة في مجالي علم الاجتماع والأناسة، إلى الانعزال الواعي، على غرار عالم الاجتماع الفرنسي دوركهايم الذي كان يعتبر الظواهر الاجتماعية نسقا مستقلا لا يقبل التفسير إلا على أساس ظواهر اجتماعية أخرى. وكان الأمر كذلك أيضا لدى مؤسسي الأناسة في أمريكا، مثل بواس وموردوك ولوفي الذين اعتبروا أن ظواهر الثقافة مستقلة عن قوانين الأحياء وعلم النفس، وأن الثقافة لا يمكن تفسيرها إلا بالثقافة.

لقد كان من عوامل بطء تقدم العلوم الاجتماعية عدم اهتمامها بالروابط المنطقية التي تربطها بباقي المجالات العلمية الأخرى، أي بربط موضوعها سببيا بشبكة المعرفة العلمية الواسعة. ويتعلق الأمر هنا بما سماه توبي وكوسميدس (1992): نموذج علم الاجتماع المعيار  (Standard Social Science Model). وهي نظرة إلى طبيعة الظواهر الاجتماعية والثقافية شكلت خلال قرن، الإطار الثقافي لتنظيم علم النفس والعلوم الاجتماعية، والتبرير التصوري للقول باستقلال هذه العلوم عن باقي العلوم الأخرى. فكان من نتائج هذا النموذج المعيار إهمال الروابط السببية بين الظواهر التي بدت غير منظمة ولا تخضع لمبادئ تتصف بالعمومية والغنى.[2]

2.1 الثقافة والتعلم

قام النموذج المعيار في دراسة الظواهر الإنسانية والثقافية على مجموعة من المبادئ يمكن إجمالها في مبدأين عامين:

أ. بخلاف الكائنات الأخرى التي تحددها خصائصها الأحيائية، فإن الكائن البشري تحدده الثقافة باعتبارها نظاما مستقلا من الرموز والقيم. ومادامت الثقافات متحررة من القيود الأحيائية، فإنها يمكن أن تختلف في ما بينها بطرق اعتباطية وإلى ما لا نهاية.

ب. يولد البشر غير مزودين بشيء سوى ببعض ردود الفعل غير الإرادية، وقدرة واحدة على التعلم الذي يعتبر عملية موحدة صالحة لكل الأغراض ولكل مجالات المعرفة تكسب الأفراد ثقافتهم من خلال آليات التنشئة الاجتماعية.[3]

1.2.1 الثقافة تخلق الفرد

ينطلق النموذج المعيار من افتراض مفاده أن صغار (أطفال) بني البشر، أينما كانوا، يتشابهون، وأن كبارهم، أينما كانوا، يختلفون اختلافا عميقا في السلوك والتنظيم الذهني. ومادام “الثابت” (أي العدة الأحيائية البشرية الملاحظة عند الطفل) لا يمكنه أن يفسر “المتغير” (أي الاختلافات الملاحظة عبر الجماعات في التنظيم الذهني أو الاجتماعي لدى الكبار)، فإن “الطبيعة البشرية” (أي البنية المتطورة للذهن البشري) لا يمكن أن تكون السبب في التنظيم الذهني لدى الكبار من البشر، وفي أنساقهم الاجتماعية وثقافتهم وتغيرهم التاريخي، الخ. وبما أن هذا التنظيم الذهني الحاصل لدى الكبار (السلوك المبنين أو المعرفة أو الواقع المبني اجتماعيا، الخ) غائب بوضوح لدى الأطفال، فإن هؤلاء عليهم أن “يكتسبوه” من مصدر خارج عنهم، يوجد في العالم الاجتماعي في صورة سلوك أعضاء الجماعة المحلية الآخرين وتمثلاتهم الثقافية والاجتماعية. وهي تمثلات تقولب الفرد وتسبقه وتقع خارجه. إن الذهن لا يخلقها، بل هي التي تخلق الذهن.

ومن ثمة، فما ينظم جوهر الحياة البشرية ويشكلها بكيفية معقدة وغنية، وما يعتبر هاما ومميِّزا وجديرا بالدراسة هو هذا الجوهر المسمى “ثقافة”؛ وهو الذي يوصف بأوصاف متنوعة منها السلوك، والتقاليد، والمعرفة، والرموز الدالة، والوقائع الاجتماعية، والأنساق السيميائية، والمعلومات، والتنظيم الاجتماعي، والعلاقات الاجتماعية، والعلاقات الاقتصادية، والعوالم القصدية، أو الوقائع المبنية اجتماعيا. ومهما بدت هذه الصفات مختلفة في بعض جوانبها فإن الذين يتبنونها، في إطار النموذج المعيار، يتفقون في أن هذا الجوهر الذي يقوم على عملية سببية تحول طفلا عديم الصورة إلى كائن بشري (ثقافي) تام، يعتبر “خارجا عن الفرد” بتعبير دوركهايم، الذي سبق له أن لخص مجمل الاعتبارات السابفة في النص التالي:

“لكن [الخصائص العامة للطبيعة البشرية] ليست سبب [الحياة الاجتماعية] وليست من يعطيها صورتها الخاصة؛ إنها تجعلها ممكنة وحسب. إن التمثلات الجماعية والانفعالات والميول ليس سببها بعض حالات الوعي لدى الأفراد وإنما الشروط التي توجد فيها الجماعة الاجتماعية في كليتها. ويمكن طبعا لهذه الأعمال أن تتجسد فقط إذا لم تجد مقاومة من الطبائع الفردية؛ لكن هذه الطبائع الفردية ليست سوى مادة غير محددة تقولبها العوامل الاجتماعية وتغيرها. إن مساهمتها تنحصر في مواقف عامة جدا، وفي استعدادات غير واضحة المعالم ومن ثمة مرنة لا يمكنها، من تلقاء ذاتها وفي غياب تدخل عوامل أخرى، أن تتخذ الصور المحددة والمعقدة التي تتصف بها الظواهر الاجتماعية”. [قواعد المنهج الاجتماعي، صص 105- 106].

2.2.1 من يخلق الثقافة؟

يتعلق المبدأ الهام الثاني في النموذج المعيار بكيفية جوابه عن السؤال:”إذا كانت الثقافة تخلق الفرد، فمن يخلق الثقافة إذن؟”. وتأتي أهمية مثل هذا السؤال من ارتباطه بما يسمى في علم الأحياء “بحجة التصميم”، أو تفسير “التصميم المعقد”. ذلك أن الحياة البشرية منظمة بصورة معقدة وغنية؛ أو أن الثقافات البشرية (أو أنساق الرموز لدى البشر) “ذات معنى”؛[4] وهو ما يوجب التساؤل عن تصميمها وصانعها، مثلما سبق لوليم بيلي أن عبر عن ذلك عند مقارنته بين الحجر والساعة ذات البنية المعقدة التي لابد أن يكون لها صانع قام بتصميمها: ” لنفترض أن رجلي اصطدمت بحجر أثناء عبوري أحد المروج، ثم سئلت عن الكيفية التي جاء بها هذا الحجر في ذلك المكان؛ فمن الممكن لي أن أجيب، في غياب أي تفسير آخر أعرفه، أن هذا الحجر كان ملقى هناك منذ الأزل: وربما لن يكون من الممكن لأحد أن يبين مدى سخف هذه الإجابة. لكننا لو افترضنا أنني وجدت ساعة مطروحة على الأرض، وسئلت عن الكيفية التي جاءت بها إلى هناك؛ فإن من الصعب علي أن أفكر في الإجابة التي أعطيت من قبل، أي أن الساعة، بقدر ما أعرفه، كانت هناك منذ الأزل.”[5]

إذا كان هناك، إذن، تنظيم معقد وذو معنى في حياة البشر الاجتماعية الثقافية، فمن هو خالقه أو صانعه؟ أي أن السؤال ليس عن ما هي القوى التي تعمل في الثقافة البشرية وتؤثر فيها، بقدر ما هو سؤال عن مُوَلِّد التنظيم المعقد والدال في الشؤون البشرية.

يتفق المتبنون للنموذج المعيار بخصوص من ليس صانعا وبخصوص المكان الذي لا يوجد فيه الصانع: إنه ليس في “الفرد” – أي في الطبيعة البشرية أو المجال النفسي المتطور – الذي لا يتجلى إلا في ما يولد الطفل مزودا به من استعدادات أولية. وما دام اتجاه العملية السببية التنظيمية، كما رأينا، يسير من العالم الخارجي إلى داخل “الفرد”، فإن الاتجاه الذي يمكن أن نبحث فيه عن مصدر التنظيم يبدو واضحا، وهو العالم الاجتماعي خارج “الفرد”. إن مولِّد التنظيم المعقد والدال في الحياة البشرية، في تصور النموذج المعيار، هو مجموعة من العمليات التي تتحقق محدِّداتها في مستوى الجماعة. ويعتبر هذا المستوى الاجتماعي الثقافي منفصلا ومستقلا وعلة ذاته. فينفي النموذج المعيار، بذلك، أن يكون “للطبيعة البشرية” – أو الهندسة المتطورة للذهن البشري – أي دور ملحوظ في توليد التنظيم الدال للحياة البشرية؛ ويجرد هذا المفهوم من أي محتوى جوهري، ويحيل هندسة الذهن البشري إلى مجرد مستقبل “للقدرة على الثقافة”. ومهما اعتبر الذهن معقدا، فإن إجراءاته تبقى بدون محتوى. وما يقود النسق ويعطيه تنظيمه الوظيفي هو الدخل البيئي أو المحيطي.

فلا غرابة، إذن، أن ينحصر دور علم النفس، أساسا، في دراسة عملية التنشئة الاجتماعية ودراسة مجموع الآليات التي تتضمن ما يسميه علماء الأناسة “القدرة على الثقافة”؛ وأن يكون المفهوم المركزي في هذا العلم هو التعلم (Learning). فالشرط المسبق الذي يجب أن تخضع له أي نظرية نفسية في إطار النموذج المعيار، هو أن تعتبر أي آلية نفسية، بدون محتوى أو عامة الغرض، أو عامة المجال، الخ. فالآليات النفسية يجب أن تكون مبنية بكيفية تجعلها قادرة على تشرب أي نوع من المعطيات الثقافية أو من عناصر الدخل البيئي. ويجب علاوة على ذلك أن لا تفرض بنياتها ذاتها أي محتوى جوهري خاص على الثقافة.

ونتيجة لهذا سيطرت قي مجال الدراسات النفسية طيلة ما يزيد على السبعين سنة الأخيرة، مفاهيم كالتعلم والتنشئة الاجتماعية والغرض العام. وكانت سلوكية سكينر، طبعا، من بين التجليات الناجحة لبرنامج النموذج المعيار هذا في مجال علم النفس؛ ورغم الانتقادات التي تعرضت لها بسبب نفيها المتطرف لأي اعتبار ذهني، فإن علماء النفس في إطار النموذج المعيار ظلوا يشتركون معها في اعتبار الآليات الذهنية خالية من أي عمليات متخصصة المحتوى وأنها آليات مصممة للأغراض العامة. لقد تجنبوا، في معظمهم، دراسة الكيفية التي تتكون بها الأنشطة الوظيفية كاختيار الزوج، واختيار الغذاء، والجهد التدبيري؛ وظلت مبادئ مثل تكوين التصورات والتفكير والتذكر، وما إلى ذلك، مجرد أدوات محايدة سابقة للتجربة وبدون أي محتوى، وظلت إجراءاتها مجردة من أي سمات مصممة للتعامل مع أنماط خاصة من المحتويات. وهو ما سيفنده علم النفس المعرفي على أساس مفاهيم كالقالبية (modularity) وخصوصية المجال (domain specificity).

بناء على ما سبق، يمكن أن نجمل أثر النموذج المعيار في تطور التصورات الحديثة للثقافة ودورها في الحياة البشرية، في الافتراضات التالية:

تحدد الجماعات البشرية نمطيا باعتبارها صاحبة ثقافة معينة (خاصة) تقوم على عناصر مشتركة من ممارسات سلوكية ومعتقدات وأنساق من التمثيلات، والرموز الدالة. وتعتبر الثقافات كيانات محدودة إلى هذا الحد أو ذاك، رغم أن بعض العناصر الثقافية يمكنها أن تتجاوز الحدود. وتحافظ “الجماعة” التي تعتبر كيانا مستمرا عبر الأجيال على هذه العناصر المشتركة وتنقلها من جيل إلى جيل؛ وهو ما يفسر الائتلاف داخل الجماعة والاختلاف بين الجماعات.

ويتم ضمان نقل الثقافة عبر عملية التعلم وتنشئة الفرد الاجتماعية، الذي يعتبر بذلك متقبلا سلبيا للثقافة التي تزوده بكل محتواه الذهني المنظم. وهو محتوى (ثقافي) لا يستقي صورته أو مادته الخاصتين من الطبيعة البشرية (الأحيائية) أو أي تصميم نفسي موروث، وإنما من المحيط الاجتماعي الثقافي الذي يعتبر المولد الأصلي للتنظيم الدال، الذهني والاجتماعي، لدى البشر؛ أما الجانب النفسي فيعتبر مجرد “صندوق أسود” في عملية التعلم يضمن القدرة على الثقافة.

2 نحو تصور معرفي/أحيائي للظواهر الإنسانية/الثقافية

رغم التماسك الظاهر في تصور النموذج المعيار واعتماده مجموعة من الأفكار التي تحمل كثيرا من عناصر الصواب، فإنه يقوم على فئة من الاختلالات الكبرى التي تجعله، غير صالح باعتباره إطارا للعلوم النفسية والاجتماعية. كما تجعله، نتيجة ذلك، عاملا من عوامل انحسار العلوم وجعلها تبدو، خطأ، مستقلة عن باقي العلوم الأخرى.[6]

لقد أدت التطورات، خلال العقود الأخيرة في عدد من التخصصات منها الأحياء التطورية والعصبية والعلوم المعرفية وعلم النفس واللسانيات والأناسة الاجتماعية والأحيائية، الخ.، إلى تبين طبيعة الظواهر التي تدرسها العلوم الانسانية والاجتماعية وتبين الروابط التي تجمعها بمبادئ باقي العلوم، ومنها العلوم الطبيعية. فسمح ذلك بظهور نموذج معرفي جديد يسميه توبي وكوسميدس (1992) النموذج السببي المندمج (Integrated Causal Model)، لقيامه على اندماج مكونات المعرفة العلمية وعدم استقلالها. وهو نموذج يسعى إلى أن يكون حصيلة تعاون بين عدد كبير من الباحثين العاملين في حقول مختلفة من حقول العلوم النفسية والاجتماعية وغيرها، خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين. وقد ارتبط هذا البعد التعاوني الجوهري باستكشاف الترابطات السببية الطبيعية التي تمكن من اندماج حقول علمية مختلفة، في إطار نظرية صورية شاملة للمعرفة مبنية على اندماج نتائج مختلف العلوم واتساقها؛ وليس على تصور يختزل الظواهر في بعدها النفسي أو الأحيائي.[7]

ومن مقتضيات هذه النظرية أن الذهن البشري يقوم على مجموعة من الآليات النفسية المتطورة لتحليل المعلومات، الممثلة في النسق العصبي؛ وهي آليات تشكل جوهر الهندسة الذهنية لدى الإنسان وتتصف بمحتويات بنيوية غنية ومتخصصة وظيفيا لإنتاج سلوكات تتعامل مع مشاكل تكيفية خاصة مثل اكتساب اللغة، وانتقاء الزوج، والعلاقات الأسرية، والتعاون، ومختلف معطيات الثقافة البشرية. وليس للغياب الظاهر لبعض مظاهر هذه الهندسة الذهنية لدى الإنسان عند ولادته أي علاقة بما إذا كانت تشكل فعلا جزءا من الهندسة المذكورة، كما افترض النموذج المعيار بناءا على تصورات ساذجة ومغلوطة مستقاة من نظريات التطور المتجاوزة. فمثلما تكون الأسنان أو الأثداء غائبة عند الولادة ثم تظهر خلال النمو، فإن الآليات النفسية المتطورة يمكنها أن تتطور في أي مرحلة من مراحل الحياة. ولذلك فإن عددا من سمات التنظيم الذهني لدى الإنسان الغائبة عند الولادة لا تحتاج إلى إرجاعها إلى تأثير الثقافة المنقولة، وإنما يمكنها أن تتبلور عبر أسباب لا تلتفت إليها التحاليل التقليدية، التي انبنت على تحليل مختل لعلاقة الطبيعة بالثقافة (nature-nurture) (أو”الطبع” “بالتطبع”)، يقوم على خطأ في تقدير الدور الذي تلعبه العملية التطورية في تنظيم الصلة بين العتاد (الأحيائي) الكلي الموروث المرتبط بالنوع (البشري)، أو العمليات النفسية المتطورة لدى الإنسان، وسمات المحيط. إن إعادة النظر في النموذج المعيار التي انبثقت من مكتسبات العلوم المعرفية والتطورية لا تتعلق بكونه يقلل من أهمية العوامل الأحيائية في مقابل العوامل المحيطية في حياة الإنسان، بقدر ما تتعلق بالإطار العام الذي يمثله هذا النموذج الذي يفترض أن “العوامل الأحيائية” و “العوامل المحيطية” تحيلان على مجموعتين سببيتين تنفي الواحدة منهما الأخرى. فينتج عن ذلك أنه كلما ازدادت الظواهر المفسّرة “أحيائيا”، كلما قلت الظواهر المفسَّرة “اجتماعيا”  أو “بيئيا”. والحال، على العكس من ذلك، أن الاعتبارات المحيطية تتطلب وجود هندسة معرفية متطورة غنية لتحليلها، تنزع، بفضل آلياتها ذات المحتوى الحساس البالغ الغنى إلى فرض أنماط معينة من المحتوى والتنظيم التصوري على الحياة الذهنية للإنسان، ومن ثمة تشكِّل بقوة طبيعة الحياة الاجتماعية وما ينقل ثقافيا عبر الأجيال.[8]

وقد خضعت هذه الآليات المتخصصة وظيفيا أو الخاصة المجال، لأبحاث متعددة الاختصاصات منذ أواخر السبعينيات من القرن العشرين على الخصوص. منها، مثلا، تجارب هوبل Hubel وفيزل Wiesel ، في مجال فيزيولوجية الجهاز العصبي عموما، والإدراك البصري على وجه الخصوص، التي أدت إلى خلاصة، تعيد النظر في التصورات التجريبية التقليدية بصدد “الصفحة البيضاء”، مفادها أن الأفعال الإدراكية تقوم على بنيات قبلية يوجد عدد منها منذ الولادة. فقد طورت هذه التجارب تقنية دقيقة لتحسيس الاستجابات النوعية لبعض الخلايا العصبية في القشرة البصرية، عندما يُعرَض شكل معين (كالخطوط الأفقية، والعمودية، والزوايا الحادة، والنقط المتحركة) في المجال البصري لحيوان معين. وتبين أنه بعد ساعات فقط من الولادة، تكون بعض الخلايا العصبية ذات حساسية نوعية، فلا تستجيب إلا لطبقة محددة من المنبهات البصرية. مثال ذلك، أن الخلايا العصبية المهيأة فطريا للاستجابة عندما يُعرَض خط أفقي في المجال البصري للهرة الصغيرة، تبقى ساكنة إذا عُرض خط عمودي. والعكس صحيح. وقد دفع هوبل وفيزل التجربة إلى حدود البرهنة على أن نمطا من الخلايا العصبية المتخصصة، يمكن أن يتعطل بالمرة، إذا نشأت الهرة الصغيرة، منذ ولادتها، في محيط فقير من حيث المنبهات البصرية، كأن تنشأ في مكان (أسطواني الشكل) لا توجد فيه إلا الخطوط العمودية أو الأفقية. وبذلك فإن طبقة الخلايا العصبية المتخصصة في استقبال الصورة التي يقدمها هذا المحيط ” المفقـَر “، هي وحدها التي ستبقى نشيطة، بينما تتعطل باقي الخلايا العصبية البصرية الأخرى. ومن بين الاستنتاجات التي سمحت بها هذه التجارب: 1) أنه توجد منذ الولادة (أو بالفطرة) مصاف إدراكية ذات تخصص عال، 2) وأن هذه المصافي تصور العالم البصري تبعا لأشكال هندسية جوهرية، 3) وأن المحيط الهندسي الخارجي (أي بنية العالم) يحدث استجابات نوعية داخلية (أي تشكيلا منظما لنشاط الخلايا العصبية)، لكنه لا يحدد صورة الاستجابة، (وهذا يعني أن هناك تنشيطا لآليات مدمَجة بصفة قبلية).[9] وقد سميت هذه الآليات المتخصصة: “قدرات معرفية” أو “أعضاءا ذهنية” (عند شومسكي (1975) و(1980))، أو “تخصصات تكيفية” (عند روزين (1976)) أو “قوالب” أو “ملكات” (عند فودور (1983) وجاكندوف (2002) و(2007)) على سبيل التمثيل لا الحصر؛ وتعتبر، في جزء منها ومن وجهة نظر تاريخية، استعادة لبعض الأفكار القديمة وترجمتها إلى أطر معرفية جديدة في ضوء ما نتج عن التجارب المذكورة؛ إذ لا يخفى أن علم النفس التقليدي، ومنه العربي الإسلامي، كان يهتم بتعداد الملكات الأساسية عند الإنسان، كالإدراك والذاكرة والإرادة والحكم والتخيل، إلخ.، والملكات النوعية كاللغة والموسيقى والرياضيات، إلخ. فقد اعتبر ابن سينا، مثلا، أن إدراك المعاني المجردة، أو الكليات، ينتج عن تضافر مجموع قوى الإدراك الحسي (النفس الحيوانية) والإدراك العقلي (النفس الناطقة) لصياغة الكليات من الجزئيات. وعلى مثل هذه القوى (أو الملكات)، تحيل المصطلحات الأساسية في تعاريف القدماء من العرب المسلمين للدلالة اللغوية اللفظية: “فالخيال” يحيل على قوة من قوى الإحساس الباطني تكتفي بحفظ صور المحسوسات بلواحقها المادية، ومنها “المسموعات”؛ و “النفس” تحيل على الإدراك العقلي الذي يدرك المعاني مجردة من لواحقها المادية.[10]

  لقد شكل علم نفس الملكات، بمعناه الحديث، حجر الزاوية في بناء علمي ينتقل من اعتبار الذهن البشري أشبه بحاسوب واحد عام الغرض بدون برمجيات ذاتية ذات محتويات خاصة، إلى اعتباره بمثابة شبكة متداخلة من الحواسيب المحددة الوظائف، كل واحد منها يستجيب لتحليل طبقة مختلفة من المعطيات المحددة كتعرف الوجوه، وتعرف الانفعالات، والقرابة، والمعرفة الاجتماعية، واكتساب اللغة، والبنيات الحسية الحركية، والانتماء إلى المجموعة، وإدراك الألوان، وتحليل مجال الرؤية، وتمثل الحركة وإدراكها، إلى غير ذلك من ظواهر ثقافة الإنسان وعالمه،[11] التي لا يمكن اشتقاقها حصرا من لائحة محدودة من “الدوافع” ولا من “قيم” متعلّمة اجتماعيا ومتغيرة ثقافيا.

1.2 إطار التحليل المعرفي/الأحيائي

من مكتسبات العلم المعرفي الحديث الجوهرية، إذن، أن الذهن/الدماغ البشري يقوم على مجموعة محدودة من الأنساق أو القوالب أو الملكات المعرفية تحلل مختلف أنماط المعلومات وترمزها وتشكل في مجموعها العدة الأحيائية التي تضمن بلورة العمليات المعرفية ومردوديتها وتضافرها في تكوين تصور موحد للعالم لدى الإنسان.  فهندسة الذهن الوظيفية قائمة على مثل هذه الملكات المعرفية المتمايزة التي تمتلك كل واحدة منها بنيتها الخاصة ومبادئها النوعية، وليس على مبادئ أحادية (أو موحدة) للتعلم والتلاؤم والتمثل والتجريد والاستقراء والاستراتيجيات المعرفية المختلفة، تنطبق على منبهات مختلفة لإنتاج معرفتنا بسلوك الأشياء في العالم، الخ.[12] ومن الأسس التي قام عليها هذا التصور أساسان هما الموقف الذهني والتأليفية. ومادام تبلورهما قد تم إلى حد كبير في مجال الدراسات اللسانية بمعناها الحديث، فسنتخذ من هذا المجال مثالا لتوضيحهما بصورة مجملة.

أما بخصوص الموقف الذهني، فتعتبر كل نظرية لغوية نظرية ذهنية/نفسية إذا افترضت أن اللغة موضوع نفسي، وأن بناء التعابير اللغوية ليس إلا جزءا من العمليات النفسية أو الذهنية التي تقوم عليها القدرة اللغوية الباطنية لدى المتكلم. وأما التأليفية، فتعتبر من الخصائص الجوهرية التي تطبع اللغة الطبيعية، وتتجلى في قدرة متكلميها على خلق عدد لا محدود من الأقوال وفهمها انطلاقا من التأليف بين عناصر محدودة العدد، تبعا لمبادئ معينة أو قواعد. وتعتبر هذه الخصيصة، المرتبطة بمفهوم النسق التوليدي، من الخصائص الجوهرية في تصور النحو التوليدي بمعناه الحديث، عند شومسكي، الذي انبنى على التطور الذي حصل في التقنيات الصورية لوصف القواعد وأنساق القواعد، والذي اشتق من العمل المتعلق بأسس الرياضيات خلال النصف الأول من القرن العشرين. وهي التقنيات نفسها التي قادت إلى تطوير الحاسوب. وعندما نضع التأليفية في إطار الموقف الذهني من موضوع اللغة، تصبح المسألة كالتالي: بما أن عدد الأقوال الممكنة في اللغة الطبيعية عدد لا محدود، فإن مستعملي اللغة لا يمكنهم تخزين الأقوال في رؤوسهم؛ بل إن رصد المعرفة اللغوية بطابعها الإبداعي يتطلب لائحة محدودة من العناصر البنيوية الصالحة للتأليف، ومجموعة محدودة من المبادئ والقواعد للتأليف بين العناصر المذكورة، أو ما يسمى “نحوا”.[13]

وعن الموقف الذهني والتأليفية ينتج سؤال الاكتساب: كيف تقوم في ذهن الطفل قواعد لغته؟ وما هي المعرفة المسبقة التي يجب أن يملكها الطفل حتى يتمكن من لغته؟ وهو السؤال الذي يعبر عنه عادة باصطلاح فقر المنبه، ومفاده أن الطفل يجد  نفسه أمام عدد من التعميمات المختلفة الممكنة للمعطيات، لكنه ينشأ بالتعميم “الصائب” الذي يوافق تعميمات المجموعة اللغوية؛ أي أنه يعرف مسبقا الاختيار المناسب. ومن ثمة يكون على النظرية اللسانية أن تجيب عن “مفارقة اكتساب اللغة” هذه. وذلك بتحديد خصائص المعرفة الوظيفية اللغوية التي لا تتعلم، وإنما تشكل أساس التعلم. وهو ما يصطلح عليه بالنحو الكلي.[14]

2.2 بعض خصائص الأنساق القالبية

لقد اعتبر فودور في كتابه الرائد: قالبية الذهن، سنة 1983، أن الذهن قائم على نمطين مختلفين من الأنساق المعرفية أو القوالب:

-أنساق الدخل  (input systems)(أو الأنساق المحيطية)، وتمثلها العمليات القالبية (كنسقي الإدراك البصري والإدراك اللغوي) التي تقدم إلى الفكر مادته وتحول الإحساسات الناتجة عن تفاعل الذات مع محيطها إلى تمثيلات قابلة لأن يعالجها الفكر. إن أنساق الدخل تحول “إحساسات” خام إلى “إدراكات” ذات بعد قصدي، أو تعرض العالم على الفكر.

– الأنساق المركزية (أو “الفكر”)، وتمثلها العمليات غير القالبية التي تقارن بين التمثيلات، وتقوم بحساب استلزاماتها وبتثبيت المعتقدات العلمية.

وترتبط قالبية أنساق الدخل بامتلاكها مجموعة من الخصائص لا تملكها العمليات المعرفية المركزية، وتجعل منها أنساقا أشبه بردود الأفعال المنعكسة في سرعتها وإلزاميتها. ومن هذه الخصائص:

أ- خصوصية المجال: هناك قيود موضوعة على “الفرضيات” التي تستعملها القوالب لمعالجة المعلومات، تجعل منها قوالب متخصصة أو خاصة المجال من حيث إنها لا تنطبق إلا على طبقة محددة من المنبهات، كقالب إدراك اللغة الذي ينطبق على المنبهات اللغوية دون غيرها. فخصوصية المجال تعني تميز الآلية الذهنية بمعالجة مجال منبهي متميز كذلك، وعدم صلاحيتها للقيام بوظائف معرفية أخرى.

ب- الإلزامية: تتصف العمليات القالبية بكونها إلزامية (mandatory) أو أوتوماتيكية وضرورية. فنسق المعالجة الصواتية أو التركيبية للجمل نسق إلزامي، إذ متكلم العربية، مثلا، ليس حرا في أن يمتنع عن معالجة المعلومات اللغوية التي تصله، فلا خيار له في أن يدرك جملة عربية باعتبارها شيئا آخر غير تلفظ بجملة عربية. كما أنه لا يستطيع أن يرى تشكيلا مرئيا إلا باعتباره أشياء موزعة في فضاء ثلاثي الأبعاد، الخ.

ج- المنع من حيث المعلومات: إذا كانت أنساق الدخل خاصة المجال لأن هناك قيودا على طبقة الفرضيات التي تستعملها، كما سبق، فإن هذه الأنساق أيضا مانعة من حيث المعلومات (informationally encapsulated) لأن هناك قيودا على كمية ونوع المعطيات التي يمكنها أن تحللها. فالأصوات اللغوية مثلا تشكل الطبقة الوحيدة من المعطيات التي يمكن أن تعالجها آليات الدخل المتخصصة في تعرف الأصوات اللغوية دون غيرها من المعطيات. إن المنع من حيث المعلومات هنا يرتبط بعدم التسرب المعرفي (cognitive impenetrability) إلى العمليات الإدراكية القالبية، أي أن خرج الأنساق الإدراكية يكون مستقلا إلى حد كبير عما يعتزمه المدرك أو يريده. وتعتبر خاصية المنع من حيث المعلومات في أنساق الدخل جوهر طابعها القالبي وأساس قياسها على الأفعال المنعكسة في سرعتها وإلزامها.

د- السرعة: تتصف عمليات الدخل، في مردوديتها الحسابية، بالسرعة الفائقة مقارنة بالبطء النسبي للعمليات المركزية. فنحن يمكن أن نقضي ساعات أو أكثر بصدد مشكل في الفلسفة أو الشطرنج، وبالمقابل، ليس هناك ما يدعو إلى أن نفترض أن التعقيد الحسابي لهذه المشاكل أكبر من تعقيد المشاكل التي تحل بسرعة يوميا وبدون جهد خلال عمليات الإدراك.

إن السرعة الفائقة التي تتصف بها عمليات تحليل الدخل وثيقة الصلة بطابعها الإلزامي. ذلك أن هذا الطابع الأوتوماتيكي هو الذي يمكن من توفير أو اقتصاد الحسابات التي كانت ستخصص –لو لم يكن الأمر كذلك- لاتخاذ قرار إنجاز العمليات وتحديد كيفية ذلك. ومثال ذلك أن إغماض العين استجابة سريعة لأنها فعل منعكس، أي لأنه ليس لك أن تقرر فيما إذا كان عليك أن تغمض عينك أم لا، عندما يوجه أحد أصبعه إليها. وهذا مرتبط بكون الاستجابات الأوتوماتيكية تتصف بعدم الذكاء.

أما الأنساق المركزية فتشكل عند فودور (1983) أسرة من الأنساق المعرفية غير القالبية، بالنظر إلى اختلافها عن أنساق الدخل في الطابع الحسابي، وخاصة فيما يتعلق بخصوصية المجال وبالمنع من حيث المعلومات. فالوظيفة المميزة للأنساق المركزية هي تثبيت المعتقد الإدراكي (fixation of perceptual belief) أو العلمي. ويتم ذلك عن طريق النظر، بكيفية متزامنة، في التمثيلات التي تقدمها مختلف أنساق الدخل، وفي المعلومات المتوافرة في الذاكرة، للوصول إلى أفضل فرضية ممكنة حول الصورة التي يجب أن يكون عليها العالم، بناء على هذه الأنواع المختلفة من المعطيات، ولذلك، فالآليات التي تنجز عمليات مثل هذه لن تكون خاصة المجال، مادام تثبيت المعتقد يتم عن طريق استغلال كل المعلومات المتوافرة لدى الذات، بغض النظر عن المجالات المعرفية التي تستخلص منها هذه المعلومات. ويتضح هذا خاصة في مجال الإنجاز اللغوي. فاستعمال اللغة الفعلي يتطلب استخدام معلومات متنوعة: مرئية أو مسموعة أو ذاكرية أو فكرية عامة. وطبيعي أن يكون مجال الآليات المسؤولة عن هذا الاستخدام أقل خصوصية من مجال الدخل.

كما أن تثبيت المعتقد العلمي غير مانع من حيث المعلومات. وذلك لاتصافه بخاصيتين: فهو إيزوتروبي(isotropic)  من جهة، وكوايني (Quinean) من جهة أخرى.

والمقصود بالخاصية الأولى أن الوقائع الواردة في إثبات فرضية علمية يمكن استخلاصها من أي مصدر في حقل الحقائق التجريبية التي سبق التوصل إليها. وباختصار، فإن أي شيء يعرفه العالم يعتبر، مبدئيا، واردا في تحديد أي شيء آخر يمكن أن يعتقده. وهذا يعني أن الإثبات العلمي يقوم علي عمليات معرفية “عامة” وشاملة، ومن ثمة فهي غير مانعة من حيث المعلومات.

والمقصود بخاصية الكواينية، في الإثبات العلمي، أن درجة الإثبات التي تسند إلى فرضية معينة، تكون تابعة لخصائص نسق المعتقدات العلمية بكامله، أي أن صورة العلم في كليتها تؤثر في المنزلة الإبستيمية لأية فرضية علمية وذلك من حيث تدخل اعتبارات مثل البساطة والمعقولية أو المحافظة، في إثبات فرضية معينة بشكل أفضل من إثبات فرضية أخرى منافسة تقدم نفس التنبؤات التي تقدمها الفرضية الأولى بصدد المعطيات المعالجة. إن جوهر الخاصية الكواينية هو أن اعتبارات كالبساطة والمعقولية والمحافظة، خصائص تملكها النظريات بفضل علاقتها بالبنية الكلية للمعتقدات العلمية في مجموعها. فقياس المحافظة أو البساطة يعتبر هنا، قياسا على الخصائص الشاملة لأنساق المعتقدات العلمية. وهذا ما يميز خاصية الكواينية من خاصية الإيزوتروبية رغم التعالق الوثيق بينهما.[15]

على أن هناك ما يدعو إلى افتراض مفاده أن الطابع القالبي يشمل كل الأنساق الذهنية وليس فقط أنساق الدخل كما سبق. لقد رأينا أن من الاعتبارات التي بنى عليها فودور (1983) تقسيمه الذهن إلى أنساق دخل (قالبية) وأنساق مركزية (غير قالبية)، اختلاف في الوظيفة: أي تحليل الدخل مقابل تثبيت المعتقدات، واختلاف في موضوع المعالجة: أي خصوصية المجال مقابل حياد المجال. إلا أن الاختلاف في الوظيفة لا يستلزم بالضرورة اختلافا جوهريا في بنية الأنساق من حيث قالبيتها. فالقدرات المركزية أيضا يمكن أن تقسم إلى قوالب خاصة المجال، وذلك على أساس التمييز بين صور التمثيلات التي تحللها هذه القدرات التي تقوم، تبعا لذلك، بدمج المعلومات التي تقدمها مختلف قوالب الدخل، في تصور موحد للعالم، وعلى أساس هذا التصور تنبني الأعمال. فكل واحد من هذه القوالب المركزية يملك قوته التعبيرية الخاصة ودوره في توجيه الفهم والفعل. وتبدو هذه الاختلافات، صوريا، باعتبارها اختلافات في مستوى التمثيل أو البنية تشبه الاختلافات بين التمثيل التركيبي والصواتي مثلا. ومن ثمة فإن التصور القالبي يصدق على الملكات المركزية كما يصدق على ملكات الدخل؛ ويتم إفراد هذه الملكات أو القوالب، خلافا لتصور فودور (1983)، على أساس التمثيلات التي تحللها أو صور البنيات المعرفية التي تصلها أو تشتقها وليس على أساس وظيفتها باعتبارها ملكات للدخل أو للخرج.[16]

ومن أمثلة الأنساق الفالبية قالب المعرفة الفضائية الذي يستلزم أوليات تصورية ترمز الأشياء الفيزيائية الواقعة في فضاء ثلاثي الأبعاد والمتحركة فيه والمتفاعلة عبر ما يمارسه بعضها من قوة على البعض الآخر. والقالب البصري الذي ينبني على عدد من القوالب الفرعية المستقلة، كل واحد منها يختص بمظهر بصري معين، كالحجم والحركة واللون والعلاقات الفضائية؛ وتتفاعل هذه القوالب الفرعية في ما بينها عبر وجاهات (interfaces) محددة. وقالب البنية التصورية الذي يقوم على أوليات كالأفراد والأحداث والمحمولات والمتغيرات والأسوار، وهو من أقرب الأنساق إلى القالب اللغوي، إذ من خلاله يتم فهم الأقوال اللغوية في سياقاتها، بما في ذلك الاعتبارات الذريعية والمعرفة الموسوعية؛ كما أنه البنية المعرفية التي ينبني عليها التفكير والتخطيط.

أما النسق اللغوي فيقوم على مستويات تمثيلية مستقلة ومتفاعلة هي المستويات الصواتية والتركيبية والدلالية. وتبنى البنية التركيبية على قواعد تكوين تضمن سلامة البنيات التركيبية أساسها أوليات كالمقولات التركيبية: س(الاسم)، ف(الفعل)، ح(الحرف)، ص(الصفة) (أو سماتها التفكيكية)، والمقولات الوظيفية (أو سماتها)، مثل الزمن والجنس، والشخص، والإعراب، والعدد، ومبادئ كمبادئ البنية المركبية (مثل نظرية سَ أو البنية المركبية العارية أو ما يعادلها)، ومبادئ التبعية والتطابق والوسم الإعرابي، الخ. ويقوم النسق التوليدي الصواتي أيضا على قواعد تكوين تتضمن، بنفس الصورة، أوليات مثل السمات الصواتية المميزة، ومفاهيم المقطع والكلمة والمركب الصواتي التنغيمي، والمحيط التنغيمي. كما تتضمن مبادئ للتأليف الصواتي كقواعد البنية المقطعية والنبر والانسجام الحركي، الخ.[17] أما مستوى الدلالة اللغوية فيتصل بالبنية التصورية التي تعتبر نسقا تمثيليا يهم اللغة ويتجاوزها في حد ذاتها، وعليه يقوم التفكير والتخطيط وتكوين المقاصد، وفهم الجمل في سياقاتها، مع ما يرتبط بذلك من اعتبارات تتعلق بالمعلومات الذريعية وبالمعرفة “الموسوعية”، كما سبقت الإشارة. وتنبني البنية التصورية على كيانات مثل الأشياء والأحداث والخصائص والأزمنة والمقادير والمقاصد والفضاءات والأعمال، الخ. وتأتلف هذه الكيانات في ما بينها تبعا لمبادئ تأليف علاقية كعلاقة المحمول بالموضوع والمقولة بالنعت والسور بالمتغير المربوط.

3 – في بنية المعرفة الاجتماعية/ الثقافية

انطلاقا مما أوردناه بخصوص نقض النموذج المعيار، وبخصوص التصور المبني على “علم نفس الملكات”، يبدو أن هناك دلائل على وجود قالب معرفي في الذهن يتعلق بالمعرفة الاجتماعية/الثقافية أو “القدرة على الثقافة”، ويشكل تخصصا فرعيا داخل نسق البنية التصورية. وهو قالب مختص في تكوين صورة مندمجة عن الذات في المجتمع،[18]ويبنى بالتأليف بين دخل (input) محيطي وأساس فطري لاكتساب الثقافة يقدم إمكانات كافية تسمح بالاختلاف بين الثقافات دون أن تسمح بالتنوع الاعتباطي. وهو أساس يقوم على عدد محدود من البنيات أو المبادئ التي تسمح لنا بإدراك عدد لا محدود من الأوضاع الاجتماعية والظواهر الثقافية المتجددة والتعامل معها بشكل ملائم إلى هذا الحد أو ذاك.[19]

1.3 بين القدرة الاجتماعية/الثقافية والقدرة اللغوية

إن هناك تماثلا عميقا بين اكتساب القدرة الاجتماعية/الثقافية ومشكل اكتساب اللغة الذي شكل موضوع النظرية اللسانية خلال الأربعين سنة الأخيرة. ومن المناسب هنا التذكير بالمعطيات العامة لهذا المشكل قبل ترجمتها إلى ما يلائم المعرفة الاجتماعية.

تعتبر النظرية اللسانية الحديثة، كما بينا آنفا، نظرية ذهنية تهتم بخصائص القدرة المعرفية لدى مستعمل اللغة. وهي قدرة تمكن الإنسان من إنتاج وفهم عدد لا محدود من أقوال لغته، لم يسبق له أن سمع معظمها من قبل. وبذلك تستلزم القدرة على استعمال اللغة نسقا تأليفيا من المبادئ (أو نحوا) موجودا في ذهن/دماغ مستعمل اللغة، يسمح ببناء البنيات اللغوية انطلاقا من رصيد محدود من العناصر المتعلَّمة مخزن في الذاكرة. ولا يكون هذا النحو في متناول وعي مستعمل اللغة، باستثناء خرجه (output) الذي يكون كذلك. وعلى الطفل أن يكتسب هذا النحو خلال تعلمه استعمال اللغة دون أن يكون له دليل مباشر عليه سوى الخرج المتمثل في المنتوجات اللغوية لدى المفاعلين معه. ويقتضي التعلم، زيادة على ذلك، بناء تنظيم في ذهن/دماغ المتعلم؛ وهو أمر قد يقتضي أو لا يقتضي نشاطا تعليميا يمارسه المتفاعلون مع المتعلم. وحتى يمكن للطفل أن يستعمل الأقوال في محيطه دليلا على النحو، فإن عليه أن يستمد موارد داخلية من الذهن/الدماغ. وبما أن هذه الموارد الداخلية غير متعلَّمة بحكم تعريفها، فيجب أن تكون ناتجة عن بنية الدماغ البشري الذاتية.

إن لهذا ما يوازيه في مجال المعرفة الاجتماعية. فالملاحظة الأساس أن الإنسان يمكنه أن يندمج في عدد لا محدود من التفاعلات الاجتماعية ويفهمها، علما بأنه لم يسبق له أن واجه معظمها من قبل بنفس الصورة المعيَّنة. لذلك يجب أن تستلزم القدرة على التفاعل الاجتماعي نسقا تأليفيا من المبادئ في ذهن/دماغ كل فرد، حتى يتمكن من بناء فهم الأوضاع الخاصة انطلاقا من رصيد محدود من العناصر المخزنة. وتختلف المعرفة الاجتماعية عن المعرفة اللغوية في تضمن الأولى مبادئ واعية لدى الفرد. لكن هناك أيضا مبادئ للتفاعل والفهم الاجتماعيين، ليست في متناول الوعي (أو “حدسية’) وهي بذلك تشبه قواعد اللغة. وسواء أكانت مبادئ المعرفة الاجتماعية واعية أم غير واعية، فإن على الطفل أن يكتسبها خلال عملية التنشئة الاجتماعية. وبغض النظر عن المبادئ الواعية، فإن ما يكون في متناول الطفل بخصوص المبادئ غير الواعية، هو الأمثلة الفعلية للسلوك الاجتماعي بدون أي تأويل واضح. وهذا يعني أن على الطفل أن ينتج تأويلات تقود إلى اكتساب مبادئ التفاعل الاجتماعي. ولتحقيق ذلك، فإن الطفل لا يخبط خبط عشواء؛ يل يجب أن تكون في دماغه موارد داخلية تجعل هذا التعلم ممكنا. وما دامت هذه الموارد الداخلية غير متعلَّمة، بحكم تعريفها، فيجب أن تكون ناتجة عن بنية الدماغ البشري الذاتية. ومن جوانب التوازي كذلك، أن اللغة والثقافة يحتاجان، طبعا، إلى وجود جماعة بشرية لاشتغالهما ونقلهما. فحتى يمكن للغة وللمجتمع في كليته أن يعملا بالشكل المناسب ويحافظا على استقرارهما، يجب أن يكون للأفراد الذين يستعملون اللغة أو يشاركون في الثقافة، نفس التنظيم المعرفي من حيث الجوهر، مع وجود مساحة للتنوع الفردي. وهذا الاستقرار والوحدة النسبية في النسق هما اللذان يخلقان الانطباع بأن اللغة والثقافة كيانان موضوعيان مستقلان يتعاليان على الأفراد.[20]

2.3 بعض أوليات المعرفة الاجتماعية/الثقافية

تنبني المعرفة الاجتماعية/الثقافية على عدد من الأنساق والأنساق الفرعية (أو القوالب والقوالب الفرعية) المتفاعلة تغذي مضمونها وتخدم وظيفتها في تحليل ما لا حصر له من ظواهر التفاعل الاجتماعي والثقافي وتنظيمه. ومن أبرز هذه الأنساق أنساق ذات طابع إدراكي وحركي (motor) ترتبط بتخصصات دماغية في الإدراك الاجتماعي؛ وأنساق ذات طابع تصوري تنتمي إلى البنية التصورية.

1.2.3 في الأنساق الإدراكية والحركية

من الأوليات المركزية التي تقوم عليها المعرفة الاجتماعية تصور الشخص (person). فبينما العناصر الأساسية في المعرفة الفضائية هي الأشياء الفيزيائية في الفضاء، فإن العناصر الأساسية في المعرفة الاجتماعية هي الأشخاص في التفاعل الاجتماعي. وبينما تتعلق المعرفة الفضائية بأسئلة مثل: ما هو؟ وأين هو؟ تتعلق المعرفة الاجتماعية بأسئلة مثل: من هو؟ وما هي علاقة هذا الشخص بي وبالآخرين؟ فالتصورات الاجتماعية تشكل مجالا منفصلا عن إدراك الأشياء العادي (في الفضاء) وعن مقوَلتها (categorization)؛ إذ ما يجعل من شخص معين عما أو رئيسا أو رفيقا يختلف عما يجعل من شيء معين كلبا أو طاولة أو ذهبا. ويبدو أن مثل هذه الاعتبارات ترتبط، كما هو الحال في مثال اللغة، بمبادئ تحتية تمكن الطفل البشري من تعلم المواضعات الثقافية الخاصة التي ينشأ فيها. ومن هذه المبادئ المبدأ القاعدي الذي يعود إلى كاتز وبيكر ومكنمارا (1974)، ومفاده أن الأطفال الذين لا يتجاوزون السبعة عشر شهرا يعرفون أن أسماء الأعلام، التي تعين أفرادا مخصوصين، يمكن أن تنطبق على أشباه الأشخاص من الأشياء مثل الدمى دون الأشياء غير الحية الأخرى مثل العلب. ويقع هذا شهورا قبل قدرة الأطفال أنفسهم على إنتاج بنيات نحوية تميز أسماء الأعلام من أسماء الأجناس. وهذا يعني أن الأطفال معدون بصفة قبلية لإقامة تمييز معرفي، وارد في حالة المعرفة الاجتماعية، بين الأشخاص وبين أي شيء آخر. كما أنهم معدون بصفة قبلية أيضا لإيجاد تمييز لغوي يرمز هذا الفرق.

وبالنظر إلى أهمية تعيين الأشخاص في مجال المعرفة الاجتماعية، هناك مجموعة من القوالب المتخصصة ركبت على الإدراك العادي لتمكيننا من التمييز الدقيق واستخلاص المعلومات الضرورية الخاصة بهذا المجال. ومن هذه القوالب الواردة في تحليل المعلومات المتصلة بالتفاعل الاجتماعي الأربعة التالية.

1.1.2.3 تعرف الوجه

ويشكل تخصصا فرعيا داخل النسق البصري، يوجد في منطقة خاصة من الدماغ ويملك مساره التطوري الخاص. والأفراد الذين يعانون من إصابة في هذه المنطقة من الدماغ تكون قدرتهم ضعيفة (أو منعدمة) على تعرف الوجوه، بما في ذلك وجوههم، دون أن يفقدوا المقاصد العامة للمعرفة القضائية.

2.1.2.3 تعرف الصوت

وهو تخصص فرعي داخل النسق السمعي. وبينما تعنى قوالب أخرى، في هذا النسق الأخير، بتحليل الإشارات الواردة لغويا مثلا، أي بما يقوله المتكلم، فإن نسق تعرف الصوت يعنى بتحليل الإشارات الصوتية المتصلة بهوية الشخص المتكلم، أي بمن هو. ومعلوم أن هناك أفرادا لا يتعرفون شخصا معينا عند رؤيته إلا إذا تكلم.

3.1.2.3 تعرف الخصائص التعبيرية الانفعالية في الصوت

وهو تخصص داخل النسق السمعي كذلك، يعنى بتحليل نغمات الصوت المعبرة عن حالة الشخص الانفعالية؛ إذ من مستلزمات الفهم الاجتماعي أن نعرف هل الشخص المتكلم متعاطف أو متوجس أو محايد أو مندهش أو خائف، إلى غير ذلك من الخصائص التعبيرية الانفعالية في نغمة الصوت التي يملك بصددها صغار بني البشر حساسية ظاهرة في سن مبكرة.

4.1.2.3 تعرف الخصائص التعبيرية الانفعالية في الوجه

وهو تخصص داخل النسق البصري يعنى بالتقاط الخصائص الانفعالية في تعابير وجوه الآخرين وحركاتهم وأوضاع أجسادهم. وهو تخصص حساس بالقدر الذي يمكننا من قراءة التعبير الانفعالي مهما كانت إشاراته مختزلة، كما هو الحال في الرسوم التالية المستلهمة من جاكندوف (1994):

فالناس يصدرون باستمرار إشارات تعبيرية انفعالية سواء عن وعي أو عن غير وعي، وهو الغالب. ولإنتاج مثل هذه الإشارات يجب أن تكون هناك أنشطة دماغية تحول التعبير الانفعالي إلى بنيات حسية كالابتسام وتقطيب الوجه وهز الحواجب، الخ. وبعض الإصابات الدماغية تورث لدى ضحاياها مظاهر انفعالية “مسطحة” أو عجزا تاما عن إظهارها.

إن هذه القوالب الإدراكية والحركية الأربعة ترتبط بتخصصات فطرية متمايزة في الدماغ، قد يصاب أحدها دون القوالب الأخرى. وهي قوالب تخدم ملكة المعرفة الاجتماعية؛ إذ بالنظر إلى ارتباط هذه الملكة بالعلاقات بالأشخاص الآخرين، فهي تحتاج إلى معلومات دقيقة عن هؤلاء الأشخاص المتفاعلين وعن حالتهم الذهنية المحتملة.[21]وهي كيفيات لا يبدو أن هناك علة وظيفية خاصة، خارج هندستنا المعرفية الذاتية، تفسر لماذا على البشر أن يتبعوها في تكوين ثقافاتهم دون كيفيات أخرى ممكنة.

2.2.3  في العلاقات التصورية الاجتماعية

هناك علاقات تصورية أولية أكثر تجريدا تكمن خلف فهمنا للعلاقات والتفاعلات الاجتماعية؛ وهي مظاهر معرفية لا تتعلق بالأنساق الإدراكية والحركية السابقة، وليس لها ارتباط متخصص، مثلا، بمظهر الشخص أو بوضعه الفضائي؛ وإنما هي عناصر تأليفية تتضمنها البنية التصورية وتتصل بخصوصية مجال التنظيم الاجتماعي/الثقافي. ومن أبرز هذه العلاقات التصورية القاعدية: تصور القرابة (kinship)، وتصور عضوية الجماعة (group membership)، وتصور السيطرة (dominance).

1.2.2.3 القرابة

إن للأفراد في كل الثقافات علاقة خاصة بأشخاص كالوالدين والأبناء والزوج والأشقاء. ونجد كثيرا من مظاهر هذه العلاقة لدى الثدييات، حيث يجب على الوالدين، أو الأم وحدها، تبعا لاختلاف الأنواع، العناية بالصغير لفترة معينة من الزمن. وهي عناية تقوم على بنيات إدراكية وسلوكية تجعلها ممكنة ومرغوبا فيها. ونجد في جل الثقافات (أو كلها) عادات وواجبات وحقوقا ترتبط بعلاقات القرابة، كزنى المحارم الذي يختلف وضعه من ثقافة إلى أخرى. ولا تتأسس علاقات القرابة على اعتبارات إدراكية مباشرة فحسب، كما هو الحال في العلاقة بأعضاء الأسرة الأقربين، وإنما على اعتبارات تصورية كذلك، كالعلاقة بالأشخاص الذين يقال لنا إنهم أقرباء، فنتصرف اتجاههم، تبعا لذلك، بكيفية مختلفة.

2.2.2.3 عضوية الجماعة

إن تصور الجماعة، مثله في ذلك مثل تصور القرابة، يعتبر نواة لمظاهر أغنى في التنظيم الاجتماعي البشري. وهو الأساس الذي يقوم عليه تصورنا باعتبارنا أعضاء عدد كبير من الجماعات المختلفة في نفس الوقت. فنميز بعضنا من بعض عن طريق تجمعنا في جنسيات وأعراق وأديان وطبقات اجتماعية ومهن ومعتقدات سياسية؛ ويتخذ انتماؤنا إلى هذه الجماعات أهمية تؤثر في تعاملنا مع الأشخاص تبعا لكونهم “داخل الجماعة” أو “خارجها”. وقد كان المفكر العربي فؤاد زكريا يقول ما معناه: لو لم يختلف الناس أجناسا وأمما وأديانا لاختلفوا طول أنوف وقصر قامات.

3.2.2.3 السيطرة

وهي تصور قاعدي أساسه علاقة بين فردين يذعن بموجبها أحدهما، وهو المسيطَر عليه، للآخر، وهو المسيطر. والملاحظ في عدد من التجمعات الحيوانية أن السيطرة لا تبنى دائما على الحجم والعدوانية، بل يمكن أن تبنى على علاقات القرابة، كما في جماعات قرود الفيرفيت حيث يرث أبناء الأمهات الأعلى رتبةً رتبةَ أمهاتهم.[22]وهذا يعني أن السيطرة ليست علاقة قائمة على أسس إدراكية فقط، بل تحتاج إلى أسس تصورية كذلك. وتنتظم السيطرة في المجتمعات الحيوانية عادة في علاقات خطية: أي إذا كان أ يسيطر على ب، وكان ب يسيطر على ج، فإن أ يسيطر على ج كذلك.

وفي المجتمعات البشرية أيضا، تنظم علاقات السيطرة على مستويات مختلفة، كعلاقة الوالدين بالأبناء ورب العمل بالعامل، الخ. ويبدو أن علاقات السيطرة السلّمية عندما تتسع لدى البشر، تتخذ، بخلاف النظام الخطي الملاحظ في الجماعات الحيوانية، نظاما هرميا. وهو نظام قائم على وجود شخص في أعلى الهرم يسيطر على عدد متساو نسبيا من الأشخاص، كل واحد منهم يسيطر على مجموعة أخرى، وهكذا.

إن هذه الأنماط الثلاثة من العلاقات وما يرتبط بها من تصورات لا تقل أهمية كالملكية (باختلاف حقوقها عبر الثقافات)، وتمايز الأدوار الاجتماعية، ووجود طقوس منظمة تبرز الانتماء إلى الجماعة أو تمثلها، تشكل بنيات تصورية كلية عالية التجريد تزودنا بها هندستنا الذهنية المعرفية، لتمكيننا من تنظيم علاقاتنا بالآخرين وتعاملنا معهم وما يجب أن ننتظره منهم. وعلى أساسها نتعلم معرفة الأقرباء والجماعات التي ننتمي إليها، ومن لا ينتمي، ومن هو المسيطر والمسيطر عليه، وفي أي سياق؛ كما نتعلم الكيفيات التي ترمَّز بها هذه العلاقات داخل ثقافاتنا الخاصة التي رغم ما يبدو عليه تنوعها من اتساع وغني، إلا أنه ليس تنوعا اعتباطيا،[23] وإنما هو مجموعة من الاختيارات أو البرامترات الممكنة التي تسمح بتحقيقها عُدّتنا الأحيائية باعتبارنا بشرا.

خاتمة

قدمنا في الفقرات السابقة بعض الأسس النظرية والمنهجية العامة التي يقوم عليها تصور الظواهر الإنسانية والثقافية، بناءا على موقف ذهني تأليفي لملكة المعرفة الاجتماعية/الثقافية وطبيعتها الأحيائية. كما حاولنا على الخصوص تفحص الدواعي التي فرضت تجاوز المنهج الذي ارتبط بالنموذج المعيار في هذا المجال؛ واستدللنا على ورود مجموعة من الأوليات والمبادئ الخاصة التي تميز هندسة الملكة الاجتماعية/الثقافية وتقيم توافقا بين هندستها وبين الخصائص الهندسية التي تطبع الأنساق التصورية والإدراكية الأخرى؛ وهي نتيجة تسمح لهذه الملكة بالاندماج الطبيعي في بيئة الذهن/الدماغ المعرفية الشاملة التي تحدد قاعدة الاختيارات الثقافية لدى الكائن البشري وتعامله مع العالم وسلوكه فيه.


  • مراجع

ابن سينا، أبو علي الحسين، النجاة، نشرة محيي الدين صبري الكردي، القاهرة، 1938.

ابن سينا، أبو علي الحسين، رسالة أحوال النفس، ت. أحمد فؤاد الأهواني، دار إحياء التراث العربي، القاهرة، 1949.

ابن سينا، أبو علي الحسين، الإشارات والتنبيهات، ت. سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، 1971.

بنكر، ستيفن، 1994، غريزة اللغة، كيف يبدع العقل اللغة، ترجمة: حمزة المزيني، دار المريخ للنشر، الرياض، 2000.

غاليم، محمد، 1999، المعنى والتوافق، مبادئ لتأصيل البحث الدلالي العربي، منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالرباط.

غاليم، محمد، 2007 أ، النظرية اللسانية والدلالة العربية المقارنة، مبادئ وتحاليل جديدة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.

غاليم، محمد، 2007 ب، “النمذجة الذهنية في الدلالة اللغوية”، بحث قدم في ندوة: ” الأنموذج والنمذجة في الإنسانيات”، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس، تونس، من 15 إلى 17 فبراير 2007، قيد النشر.

غاليم، محمد، 2008، ” بعض مهام اللسانيات في السياق المعرفي”، مجلة فكر ونقد، السنة العاشرة، عدد: 96، الدار البيضاء.

 

Cheney, D. L. and Seyfarth, R. 1990, How Monkeys see the World, Chicago: Chicago University Press.

Chomsky, N. 1975, Reflections on Language, New York: Random House.

Chomsky, N.: 1979, “L’approche linguistique”, dans: Piatelli-Palmarini (ed.) : Théories du Langage, Théories de l’Apprentissage, Seuil.

Chomsky, N. 1980, Rules and Representations, New York: Columbia University Press.

Durkheim, E. 1895/1962, The Rules of the  Sociological Method, Glencoe, IL: Free Press.

Fodor, J. A. 1983, The Modularity of Mind, Cambridge, MA: MIT Press.

Jackendoff, R. 1992, Languages of the Mind, MIT Press.

Jackendoff, R. 1994, Patterns in the Mind, New York: Basic Books.

Jackendoff, R. 1997, The Architecture of the Language Faculty, MIT Press.

Jackendoff, R. 2002, Foundations of Language, Brain, Meaning, Grammar, Evolution,   Oxford University Press.

Jackendoff, R. 2007, Language, Consciousness, Culture, Essays on Mental Structure, MIT   Press.

Jackendoff, R. Forthcoming. “The role of Linguistics in cognitive science: The state of the art”, The Linguistic Review.

Katz, N., Baker E. And Macnamara, J. 1974, “ What’s in a Name? A Study of How Children Learn Common and Proper Names”, Child Development 45, 469-473.

Piatelli-Palmarini, M. 1979, “Commentaire du Chapitre 4”, dans: Piatelli-Palmarini (ed.).  

Rozin, P. 1976, “The Evolution of Intelligence and Access to the Cognitive Unconscious”, in: Sprague and Epstein (eds.): Progress in Psychobiology and physiological Psychology, New York: Academic Press.

Tooby, J. and Cosmides, L. 1992, “The Psychological Foundations of Culture”, in: Barkow, Cosmides and Tooby (eds.): The Adapted Mind, Evolutionary Psychology and the Generation of Culture, Oxford University Press.

  • الهوامــش

[1]  انظر جاكندوف (قيد النشر) Jackendoff ؛ وانظر غاليم (2007 ب)؛ و(2008).

[2] انظر توبي وكوسميدس (1992) Tooby and Cosmides، صص. 21-22.

[3]  انظر بنكر (1994) Pinker ، ص. 515.

[4]  انظر توبي وكوسميدس (1992)، ص. 25-27.

[5]  انظر بنكر (1994)، ص. 455.

[6]  انظر توبي وكوسميدس (1992)، ص. 27-33.

[7]  نفسه، ص. 114-115.

[8]  نفسه، ص. 33-34.

[9]  انظرشومسكي (1979)، صص. 172-173. وانظر بياتيلي –بالماريني (1979) Piatelli-Palmarini ، صص. 167-168.

[10] ابن سينا، أحوال النفس، صص. 60-61؛ والإشارات والتنبيهات، ج2، ص. 361؛ والنجاة، صص. 165-166؛ وانظر غاليم (1999)، الفصل الأول.

[11] انظر توبي وكوسميدس (1992)، صص. 93-94.

[12]  انظر شومسكي (1980)، ص. 47.

[13] جاكندوف (2002)، صص. 38-39.

[14] انظر جاكندوف (2007)، ص. 29-30؛ وغاليم (2007 ب).

[15]  انظر فودور (1983)؛ وغاليم (1999)، صص. 394-423؛ و(2007 أ)، صص. 21-23.

[16]انظر جاكندوف (1992)، صص.69-71؛ و(1997)، صص. 41-42؛ و (2002)، ص. 220؛ وغاليم (1999) صص. 426-428؛ و(2007 أ)، صص. 23-26.

[17]  انظر جاكندوف (1997)، صص، 26-28؛ وانظر غاليم (2007 أ)، ص. 17؛ وغاليم (2007 ب).

[18] انظر جاكندوف (1992)، ص.72.

[19]  انظر جاكندوف (1994)، ص. 204-205، وص. 209.

[20]  انظر جاكندوف (2007)، صص. 147-150.

[21]  انظر جاكندوف (1992)، صص. 72-74؛ و(1994)، صص. 210-211.

[22]  انظر شيني وسيفارت (1990) Cheney and Seyfarth.

[23]  انظر جكندوف (1994)، صص. 212-214؛ و(2007)، صص. 166-167.

تعليق 1
  1. د. عبد الحافظ الخامري يقول

    نشكر لكم هذا العطاء والإثراء المتواصل لرفدالثقافة العربية بالمعرفة الرصينة … نرجو دوام هذا التدفق
    ودمتم بخير

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.