الجسد بين السرد ومقتضيات المشهد الجنسي

- قراءة في رواية " الضوء الهارب " - لـ :محمد برادة

 

لا تشكل هذه القراءة إحاطة كلية بالوقائع المسرودة والموصوفة في هذا النص، كما لا تدعي تقديم تأويل شامل ونهائي له. إنها قراءة جزئية. وهي كذلك لأنها لا ترغب في الوصول إلى دلالة كلية ونهائية للنص (ولن تصل إلى ذلك ولو أرادت). إنها تقف عند حدود بعينها : يتعلق الأمر بمساءلة مجموعة من “الوقائع النصية” وتحديد موقعها ووظيفتها ضمن البناء العام للنص الروائي.

إنها قراءة جزئية، لأن تأويل هذه الوقائع تأويل “متحيز”. فلقد ولدت لدينا القراءات المتعددة لهذا النص فرضية تأويلية قادتنا إلى التركيز على عناصر بعينها ومساءلتها باعتبارها تشكل نسقا فرعيا ضمن النسق العام للنص الروائي. ولسنا في حاجة إلى الدفاع عن تصور من هذا النوع، فكل قراءة تنطلق -بشكل حدسي في غالب الأحيان- من تصور أولي للمعنى في أفق تحيين مجموع الإمكانات الدلالية، أو البعض منها وفق تصور معين، وهو ما يشكل نقطة إرساء بدئية داخل مسار تأويلي تتحدد وفقه سبل وآفاق القراءة.

وبالفعل، فإن التأويل هو في نفس الآن سيرورة في التكوين وفرضية للقراءة وإجراء تحليلي. فلا حديث عن تأويل جاهز، بل يعود الأمر إلى فرضيات للتأويل، وليس هناك تأويل مطلق، بل يتعلق الأمر بمسارات تأويلية. فالوحدات (الوقائع) لا تدرك إلا ضمن نسق بعينه، ولهذا فهي لا يمكن أن تؤول معزولة. وبناءعليه، يمكن القول إن تعدد الأنساق وتداخلها مرتبطان بتعدد المسارات التأويلية وتنوعها. فإذا كانت “الواقعة النصية” الواحدة قابلة لأن تدرج ضمن أنساق متنوعة وقابلة للقراءة وفق أسنن متعددة، فإن التأويل لا يأتي إلى هذه الوقائع من خارجها، إنه يتخللها ويتعقب أنماط وجودها ويطاردها ليمسك بالبؤر التي تلوذ بها. إن كل تأويل هو استحضار لسياق، وكل سياق هو ذاكرة خاصة “للواقعة”و”للملفوظ” و”للوحدات المعجمية”.

وليس الهدف من هذه القراءة إعادة وصف للكون الممثل سردا ووصفا في النص الروائي، ولن تكون غايتنا هي الكشف عن معنى جاهز كوجه تجريدي لعالم مشخص. إننا نطمح فقط إلى تتبع الآثار التي تتركها الذات (أوالمحافل المتحكمة في السرد) التي يفيض عنها النص في الفعل السردي وفي الفعل الوصفي : تركيبا ودلالة وصياغات للأوضاع التي تشكل معقولية هذا الكون ومقبوليته.

في ضوء هذه المبادئ العامة، نحاول قراءة هذا النص الضوء الهارب. وسنحاول قراءته باعتباره سردا للجسد الإنساني في أوضاعه وحالاته المتنوعة : لحظة “استرخائه” ولحظة “توهجه” ولحظة “انصهاره” في فعل يمتص مجموع “انفعالاته”.

1- الجسد أفق سردي

إن الجسد في بعده الإيروسي هو البؤرة التي تتجلى فيها وعبرها الذوات والأشياء التي تكون عالم النص الروائي. إنه الشكل الذي تنطلق منه وتلتقي عنده كل الأشكال، وهو أيضا وأساسا الشكل القار القابل لاستيعاب سلسلة من الأفعال والأوصاف التي تحيل، بهذا الشكل أو ذاك، على قيمة (قيم) هي الأساس الذي تقوم عليه ممكنات الكون الدلالي وسبل تحققه.

إن الجسد حاضر في كل شيء : إنه حاضر في الرسوم وفي الكلمات وفي الصور(الموديلات التي أنجزها العيشوني لنساء كثيرات) وفي الأحلام والسياسة والأخلاق والسلطة. كل شيء يدور حول الجسد، ولا شيء يوجد خارج ما تثيره الكلمات والأوضاع، أوترسمه الأفعال من صور “للذة ” لا تنتهي عند نقطة بعينها.

إنها لا تنتهي عند نقطة بعينها، لأن الرواية تستعصي على الضبط المسبق، فهي لا تبني نفسها انطلاقا من “تراكمات نصية” قد لا تقود -بشكل آلي- إلى نهاية بعينها، إلا أنها، على الأقل، ترسم خطوط مسار سردي (ودلالي أيضا) قابل لأن يُستوعب وينصهر في نقطة ما يمكن اعتبارها نهاية. إن وقائع الرواية، على العكس من ذلك، تخرج من دائرة السرد الكرونولوجي العادي لتضمحل في “أوراق” يكتبها العيشوني بعد أن غابت غيلانة وفاطمة وكنزة والأخريات. وهكذا، فكل “ورقة” قد تشكل منطلقا لرواية جديدة. إن الأوراق هي “خريف” في الحكي وخريف في العمر وخريف في السرد أيضا؛ إنها انتكاسة للسرد وجنوحه إلى الخروج من دائرة الحاضر (تحتوي الأوراق على مجموعة من الوقائع التي تم سردها في الفصول السابقة).

إن “التلاقي” و”الانفصال” و”الاتصال” و”الحدود” و”المسافات” و”البعد” و”القرب”، كل مواقع القياس هاته، التي تحدد حجم ما يفصل بين الشخصيات بعضها عن بعض، وما يفصل بين الشخصيات وبين الكون الذي يحتوي الأشياء، تنطلق من جسد يشكل نقطة البدء ونقطة النهاية لمسار سردي ما، أو مرتكزا للحظات تأمل وصفي. فمن الجسد تنبثق حركة الحدث وتنمو الدلالات وتتناسل الإمكانات السردية. ومن الجسد أيضا يمتح السرد موضوعاته ويحدد اتجاهات انتشاره، وفي الجسد أيضا تُصب كل التوترات المصاحبة للوصف والسرد والتعليق والاستبطان.

وينتج عن غياب الجسد غياب الرواية لسببين اثنين : يكمن الأول في أنه إذا كان بالإمكان التخلص من بعض الشخصيات الرجالية دون الإخلال ببناء النص، فإنه يستحيل فعل ذلك مع شخصية نسائية واحدة دون أن تنهار الرواية. ويعود الثاني إلى أن الخطاب في كليته مؤسس على “دورة كلامية” تقود من “أنا” مذكرة تؤسس عالمها انطلاقا من “أنتِ” مؤنثة. إن أي إخلال بهذا “النظام التلفظي” هو إخلال بنظام القيم المبثوثة في النص.

من هنا كان الجسد موضوعا للسرد، وموضوعا للوصف وموضوعا للاستذكار والاستباق والاستيهام، وموضوعا للغة أيضا، فمنه تخلق لنفسها تركيبا جديدا لا يدرك إلا في علاقته بما يتولد عن هذا الجسد من “هزات” و”إيماءات” و”آهات” حيث يصبح للكلمات قضيب وفروج. وهذا ما نعاينه في بعض المشاهد التي تقدمها الرواية حيث تتخلى اللغة عن تركيبها العادي لكي تتزيى بتركيب يخلط بين اللفظي والبدني، ليُقرأ اللفظي انطلاقا من التركيب الذي يقدمه البدني.

وبما أن كل سرد هو تداول للمعنى، فإن كل تداول يترك في المعنى شيئا نسميه الوقع الإيديولوجي (لا تشكل الإيديولوجيا مضمونا قارا، إنها طريقة في تداول المضامين وتوزيعها وطريقة في إنتاجها وتصورها أيضا)، فالوقائع لا تدل من خلال خصائصها فحسب، بل تدل أيضا من خلال طريقة عرضها ومن خلال علاقاتها ومن خلال فضائها وزمانها. إن هذا “الفائض” في المعنى هو ما يشكل بالنسبة لنا نقطة البداية وغاية التحليل : البحث في هذه “الأنماط الوجودية” للجسد وأوضاعه عن “الشظايا ” التي يتركها التمثيل التشخيصي (العرض السردي) للكون المجرد وإحالته على نفسه من خلال عناصر لا توجد في التمثيل المباشر، أي غائبة في التمثيل “الموضوعي”. فلنترك جانبا مضامين “الوقائع”، ولنركز على السَّنن الذي تُبنى وفقه هاته المضامين.

إن أساس البناء الرمزي للعالم القصصي الذي تقدمه الضوء الهارب يقوم -كباقي النصوص التخييلية- على تسريد قيمة أو قيم دلالية من خلال سنن خاص : إن حركة السرد تبني نفسها انطلاقا من “عالم العيشوني”، الرسام الذي يعيش على وقع أجساد اللوحات وأجساد النساء. ويتعلق الأمر هنا بالسنن الذي يحكم المخيال الذكوري ويحدد طريقة إنتاجه للمعنى. فمن خلال هذا السنن يبدو الجسد عنصرا ضمن نسق رمزي تُكثف داخله مجموع الاستيهامات التي ولدتها ذكورة قدمت -ولازالت تقدم نفسها- على أنها منبع التاريخ ومنتهاه. فكل شيء يمر عبر وعي مركزي يشتغل كمصفاة ثقافية تتحكم في كل المعطيات التي ستوصف في النص وتحدد آفاقها. إن السرد والوصف والتعليق، أوبعبارة دقيقة وشاملة، إن الوعي المعرفي الكلي الذي يتحكم في النص ينساب من عين ذكورية تقيس الأشياء والأوضاع انطلاقا من قوانين عالمها الخاص.

من زاوية النظر هاته، تتبدى معالم الوقع الإيديولوجي، ومن خلال فعل السرد وفعل الوصف، وكذا من خلال التركيب الخاص بالأحداث والشخصيات يمكن الكشف عن لاشعور نصي يختفي في “القصصي” و”الحدثي” و”الأماري” (من الأمارة)، وكل طموحنا هو الوصول، عبر هذا المنظورإلى تحديد الصـورة الـكـلية التي يظهر من خـلالها الجسـد، والجســد النســائي في المقـام الأول. فمـن أيـــــن ستكون البدايات؟

2- الاسترخاء : حالة الجسد قبل تسريده

الاسترخاء لحظة بين النوم والصحو

الغروب لحظة بين النهار والليل

والمدينة تودع يومها لتحلق في سماء المتع.

تلك هي البدايات الأولى للفصل الأول من الرواية :

مسترخيا، كان على اللحاف العريض داخل الشرفة الفسيحة المواجهة للبحر … صوت المؤذن ما يزال يعلن غروب شمس هذا اليوم وهو منجذب لفكرة… (ص11).**

وينتهي هذا الفصل بفقرة تقدم الوجه النقيض للحالة الاولى (حالة الاسترخاء):

ديالي ..اعطني ديالي …ألعزيز … ديالي … كله ألعزيز ديالي أنا .. آه .. ياك ؟ ديالك.. ديا … عبر الهذيان والعيون الغائمة والحركات المتناغمة والجسدين المتشابكين كانا يبدوان لمن يطل من الشرفة البحرية لزائر يأتي مثلا من مملكة الماء الغائصة في أعماق المحيط الاطلسي أنهما في لحظة صلاة، منفصلان عن الزمان والمكان راحلان نحو أصقاع ضياؤها لا يخفت لا يغيب (ص 44).

إنه السكون المؤسس للكلام والإيماءات والفعل ولمشروعية الحكي. فكما كان السكون نقطة انطلاق لسيرورة سردية (سكون في الجسد تقابله وضعية بدئية لا تحيل إلا على سكون في السرد)، تشتغل توترات الجسد وصراخه وهذيانه كنقطة إشباع لدورة سردية استكملت حلقتها الأولى من خلال تجسيد حركة الفعل السردي في لحظة تشكل موته وذوبانه عبر “استغاثة” و”تأوهات” الجسد كما يتم وصف ذلك وعرضه في النص الروائي (ص 44).

إنها لحظة استرخاء في جسد النهار وفي جسد المدينة وفي جسد البطل. ومن الاسترخاء، أي لحظة الخروج من الوظيفي واللوذ بالمُتَعي، ولحظة التخلص من قيود النفعية والبحث عن متعة في النوم أو الجنس أوالخمر، تتحدد النقطة الأولى للسرد، وعلى أساسها يجب أن نقيس حركة السرد وأشكال انتشاره.

وبما أن السرد هو دائما انزياح عن زمنية عادية من أجل تأسيس زمنية جديدة تهيئ للتجربة التي ستروى بؤرتها وإطار وجودها، فإن لحظة الاسترخاء هي عودة بالجسد إلى سكون واعد بحركات آتية، أو مُنهيا لحركات سابقة. ذلك أن السكون هو الأصل المولد لكل الأفعال السابقة منها واللاحقة. وكما سيتضح ذلك فيما بعد، فإن العودة بالجسد إلى لحظة سكونه معناه تحديد الحالة التي سيكون عليها الفعل الصادر عنه استقبالا. إن أجزاء هذا الفعل ستحدد من خلال توجيه أوَّلي عبراستكناه لطبيعة السرد والوصف؛ وسيقود هذا التوجيه إلى وضع الجسد داخل النص باعتباره الشخصية الرئيسية التي تتحدد عبرها وفيها كل الشخصيات القاطنة للعالم الروائي.

في البداية يعلن السرد نواياه ويقوم بعملية فصل بين أبعاد الجسد ووظائفه ويلوح بإمكانية واحدة ووحيدة للتحيين والتشخيص : إنها إلغاء البعد الوظيفي وتحديد الجسد كماهية في ذاتها أولا (مسترخيا) وكوعاء لتجارب جنسية لا تنتهي ثانيا. تتحدد فحوى “حالة الاسترخاء” الأولى من خلال الخطاب اللاحق للسارد، ويتحدد، في الوقت نفسه، موقعها ضمن مجموع حالات الاسترخاء التي يصفها ويسردها النص. إن العودة بالجسد إلى حالة سكون حبلى بالرغبات وأوهام اللذات هي التي تفسر الصياغات الحبلى بالالتباسات الدلالية والمرجعية.

وهكذا إذا كان هناك من تناظر يجمع بين أجزاء الأشياء والكلمات (الفرشاة والقلم والقضيب والفراش والكوب والماء والبحيرة والاسترخاء والتمدد …) ضمن أوضاع متعددة الدلالات، فإنه يعود إلى الجسد وإلى الأفعال الصادرة عنه:

… أقلام الرصاص وفرشاة مغطوسة داخل كوب ممتلئ إلى منتصفه. منذ أيام وهو يحاول أن يفتض بياض القماش المشدود. كل التفاصيل واضحة في مخيلته لكن أنامله لا تقوى على الانطلاق … (12).

عبر هذه الصياغات تنبثق كل المضامين التي تم تخزينها -لاشعوريا- لتبدو كإمكانات لا حد لها للفعل. إنها تُنشط لتدخل في علاقات مع الوحدات الخاصة بالتجربة الموصوفة مباشرة. وعلى هذا الأساس، فإن التدليل لا يقف عند حد بعينه يمكن تصوره كـ “وضع دال في مقابل مدلول” ضمن بناء يقود إلى دلالة نقول عنها إنها المعادل التّصَوري لوضعية غير لغوية. إن أساس بناء الدلالة في النص يقوم على “إخفاء” مدلول معين (ما يحيل على الجسد الجنسي) وراء سلسلة من الدوال التي لا تنتمي إلى نفس البنية التي يحددها المدلول الجنسي. فكل الدوال قابلة، ضمن وضعية سردية تتسم بالغموض والإبهام، لأن تحيل على وضع يمكن أن يؤول كفعل جنسي أو كأداة تشير إلى الجنس.

وقد يفسر هذا الالتباس بطبيعة الظاهرة التي تحيل عليها مجموعة التجارب المعروضة في النص. فالظاهرة -وكذلك الأشياء والحركات والإيماءات- عندما تقع ضمن دائرة المحظور والممنوع والمحرم والذي “يخدش الحياء” تتحول إلى شكل رمزي ينتعش ضمن الوضعيات المبهمة والفاقدة لأية هوية؛ وهي لهذا عرضة لاستعمالات استعارية متنوعة (انظر الأمثلة المتعددة التي يقدمها النص : البحيرة والأنهار والبراري والكوب والأنامل والفرشاة). إلا أن النص -وهذه إحدى مزاياه- يخلق الإبهام من خلال عملية الوصف، ليتحول هذا الوصف إلى طاقة سيكشف السرد عن وظيفيتها داخل البناء الروائي من خلال الزج بها داخل سيرورة سردية تقود إلى فعل ينزع عنها بعدها الرمزي ليجعل منها عنصرا يدرك باعتبار حقيقته لا باعتبار مجازه.

وهكذا، فإن الحالة الجنسية المسقطة كحلم عبر سلسلة من الأشياء والكلمات والأوضاع ستكون هي الممر المباشر نحو نقل الوضعيات من حالتها البسيطة (الوصف المجزء والمبهم لمعطياتها) إلى حالتها المركبة (إنتاج دلالات قابلة لاستيعاب مجموع ما هو موصوف بشكل جزئي ومبهم ضمن بنية “حقيقية”واحدة)، أي نقل القارئ من حالة الاستيهام اللفظي أو “الشيئي” إلى حالة “الفعل الحقيقي”.

إن هذا النسيج الرمزي للأشياء والكلمات والتراكيب وصياغة الوقائع هو الذي يدفع بالمتلقي إلى استحضار سلسلة من الصور الجنسية (صور لأوضاع جنسية ) قائمة على نوع من التماهي أو التناظر بين الفعل الجنسي ومجموع الأفعال الأخرى من جهة، وبين ” أدوات” الجنس و”أماكنه” وبين الأشياء من جهة ثانية. إن ما تقدمه الرواية هو سلسلة من التناظرات الناتجة عن وصف مبهم لواقعة أو لفعل يحيل حتما على فعل غائب هو الفعل الجنسي.

3- الجسد /المحفل الأسمى للفعل

بنفس المنطق ووفق نفس التصور يؤثث الكون الروائي، وتلج الشخصيات مسرح الأحداث. إن تقديم الشخصيات (الشخصيات النسائية أساسا) عبر التركيز على جوانب بعينها معناه توجيه النص (والقراءة أيضا) وجهة خاصة لن تحتفظ من هذه الكائنات إلا بالجانب الذي سيشكل محورا مركزيا للأحداث، ونعني به الجسد :

– العيشوني : مسترخيا كان ( ص11)

-فاطمة قريطس : … كان وجهها يكتسي غلالة ناعمة ومثيرة، العينان عسليتان مضيئتان بالتماعة ملتبسة وقصة شعرها الكستنائي على طريقة الغلمان، والجلباب منسدل على جسد تبدو ملامح رشاقته عبر نتوءات الصدر والخصر …. ( ص 13).

– غيلانة : نظراتها لا تخلو من تحرش ، وشقرتها ممتزجة بصهبة خفيفة …فضلا عن جرأة في الحركة يسندها دلال تلقائي (ص.55). هذا بالإضافة إلى أن غيلانة ستكون موديلا عاريا للعيشوني.

– كنزة : أخذت تحكي بانطلاق عن انطباعاتها وإعجابها بالموديلات العارية “لأنها تبرز جمال المرأة المغربية المبخوسة الحق” وأضافت كلاما آخر على عواهنه (ص 69).

إن المرأة الوحيدة التي سيذكرها النص خارج إطار الجنس والوصف الغرائزي المثير هي الأم (سيذكرها النص مرتين فقط وبشكل عابر جدا)، حيث تتحرك آلة الأخلاق والقيم لتجعل من “الأم” كائنا يتحرك داخل خطاب الحشمة والنفعية والوظيفية :

كانت أمي قوية الجسد ذات طبيعة صلبة لا تجد راحتها إلا في العمل. كانت تأخذني معها إلى “سوق برّة ” … تنهمك في بيع الجبن والبيض والعسل والزيتون … ولا تتعب من “مهاودة” المشترين وإبراز جودة بضاعتها (ص 49)

إننا أمام اللحظات الأولى لفعل السرد وفعل الإغراء، والإغراء سيرورة بالغة التنوع في التحققات وأنماط الوجود، إنها فعل سردي، وككل الأفعال فإنها تستدعي تداخلا في مستويات الوجود : تلعب اللغة دورا هاما في إنجاز فعل الإغراء (وليس غريبا أن تطلق العامة على الممارسة الجنسية ” لْكْلامْ “).

ولقد ضحى السارد في أحيان كثيرة بالسَّنن المؤسس للمظلة الثقافية التي تُدرك وتُقرأ وتُؤول عبرها التجربة الفنية وذلك في سبيل خلق عالم ينزاح كثيرا عن قوانين التجربة الواقعية وكذا عن الأشكال الرمزية التي تحكمها. فلن يتقبل القارئ بسهولة ما نقرأه في الصفحة 13 : >وجهها أليف وكلامها ينساب في تلقائية ومودة. تتحدث في الرسم والأدب وتنتقل إلى ما شاهدته في الشوارع وتستشهد بما حكته لها صديقتها عن أبيها الذي يعلو خواره كلما ضاجع أمها وتسأله في عفوية : هل هناك تفسير علمي أوطبي لهذه الظاهرة<. فاطمة تتحدث بهذه الطريقة ولم يمض على لقائها بالعيشوني الذي لم يسبق لها أن رأته، إلا بضع دقائق. إن الأمر يتعلق بقراءة خاصة للشخصية. فالسرد، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، لا يعرض لأفعال شخصية ما إلا إذا كانت تدخل إلى الأحداث بجسدها. فمن خلال هذا الجسد ستتحدد ممكنات السرد والوجهة التي سيسلكها وطبيعة الفعل الذي سيتم تمثيله. إن هذه العناصر هي التي تفسر نمط البدايات الأولى للنص. يفتتح السارد عالمه بصيغة تعبر عن “الحال” : >مسترخيا كان …<. إن”الاسترخاء ” حالة للجسد الإنساني بعد “لحظة تعب” أو “لحظة انتشاء” أو “لحظة تأمل”. إن حالته هاته تعد تعطيلا لبعده الوظيفي، والعودة به إلى ذاته، أي منظورا إليه في نفسه خارج حدود النفعية والامتداد في شيء آخر غير “أشيائه”؛ إن النص يقدم الجسد باعتباره خزانا للمتعة واللذة ولحظة للتخلص من إرغامات “المتعدي” والنفعي. وعلى هذا الأساس، فإن الجسد لا يقدم في النص إلا عبر ما يثير الشهوة، إنه مجزأ : إنه نهد وصدر وخصر وساق وتفاصيل أخرى لا يكف النص عن التلميح إليها. إنه الأجزاء التي تحتضن الشهوات وتثير اللذة وتوقدها. إن الوظيفية تُلغى لأنها تعد، في جميع التعاريف، فعلا متجاوزا لنفسه؛ إنها فعل لا يدرك من خلال أدوات تمظهره، بل يدرك من خلال منتوجه؛ إن الوظيفية تشير إلى ما يُنجز لا إلى الأداة المُنجزة، إنها تمجد المنتوج لا المنتج. وبعيدا عن الوظيفية في الجسد تكون بدايتا الفصل الثاني والثالث أيضا : لعلك تستغربين كيف أظل الساعات الطوال هنا في الشرفة أمام البحر، بدون أن أمَلَّ … تخرجين إلى المدينة وتعودين وتجدينني في نفس الوضعة (ص 47). وستبدو الأمور أكثر وضوحا في الفصل الثالث حيث يدخل العيشوني هذه المرة إلى الأحداث مسترخيا ومستلقيا على ظهره وعاريا أيضا : العيشوني مستلق على ظهره فوق لحاف من البونج، عار تماما تحت شمس لافحة تغمر الشرفة، الساعة تقترب من الخامسة وهو لم يتغذ بعد ( ص 83). فكيف يتحدد مسارالعرض والوصف والسرد لهذه الأوضاع؟ ومن أي منبع تُستقى المبادئ المنظمة لتوزيع المادة القصصية من جهة، وكيف تتحدد طبيعة المضامين الدلالية المتولدة عن هذه المادة من جهة ثانية؟. إن بداية كل فصل من فصول الرواية (أو أغلبها)، تحدد لفعل القراءة سبل وأنماط التحيين الخاصة بالنواة السردية. فهذه النواة يُنظر إليها في علاقتها بمجموع النوى الأخرى من خلال موقع الجسد داخلها. فانطلاقا من هذا الجسد ستُبنى كل الأفعال الموصوفة في كل نواة، وعلى أساس نوعية المعرفة التي تُنتج حوله وحول”حامله” يتحدد الموقع الفكري الذي تنتج عنه هذه المعرفة (الأمر يتعلق بوقع إيديولوجي)، ويتأسس المركز الدلالي المولد والمتولد عما يحيط به. إن كل نواة هي في نفس الوقت مُكَون لوضع إنساني ونتاج له، وذلك وفق النظرة التي يتم تبنيها من أجل “فهم ما يجري” : تحتاج كل وضعية، لكي تدرك، إلى أن تصب في قالب تجريدي يعمم ماهيتها ويجعلها قابلة لأن تستوعب من طرف متلقي قادر -بحكم الانتماء أوالتعرف- على تحيين وحداتها وتأويلها. إن هذا الموقع هو الذي يحدد الطريقة التي يتم بها تسريد أفعال النص وعرضها والإحالة على “بقاياها” في أجزاء سردية صغرى. وتحيل كل وضعية من هذه الوضعيات على “حد أدنى دلالي” يدرك من خلال عنصرين على الأقل : ما يتم العرض له كمادة للسرد أولا، والطريقة التي تتم عبرها عملية العرض ثانيا. ومن جهة ثانية، فبما أن كل نواة سردية تبنى انطلاقا من “حد أدنى من الشخصيات” يتمثل في وجود شخصية واحدة على الأقل (دون اعتبار لطبيعة هذه الشخصية : إنسان أو غير إنسان)، فإن النواة في هذا النص الضوء الهارب تُبنى انطلاقا من بنية تتكون من شخصيتين تحددان في كل مرحلة من مراحل النص لحظة سردية لها خصوصيتها وموقعها. وبطبيعة الحال، فإن هذه البنية خاضعة للامتداد في وحدات كبرى، إلا أن الأمر لا يعدو كونه محاولة لتنويع الوضعيات الإنسانية وضمان توزيع أكبر “للكلام” السردي. وقد تضاف إلى هذه النواة الدائمة شخصية ثالثة (ليست فردا بالضرورة، فهي قد تكون رواد مقهى أو مدعوين لسهرة أو سكارى في حانة ما) تغني المشهد. وهكذا، رغم حديث السارد عن سهرات جماعية في أماكن عمومية أو بارات أو فيلات، فإن المحور الثابت المحدد “للحد الأدنى الحدثي” يتمثل في وجود ثنائية قارة “امرأة / رجل” تعد أصل ومنطلق كل بناء. فلا يمكن تصور مشهد سردي أوحدث أو واقعة خارج إطار ما تقدمه هذه الثنائية. وانطلاقا منها يمكن الحديث عن “التخصيص” السردي الذي يقلص من إمكانات التأليف ويحدد الدائرة في عنصر ثابت في هذه الثنائية : العيشوني، ويجعل من كل النساء العنصر الذي يغير من الوضعيات وينوعها : – العيشوني/فاطمة يضاف اليهما الدحماني – العيشوني/فاطمة المدعوون (حلم فاطمة) – العيشوني/غيلانة يضاف اليهما الزلالي – العيشوني/فاطمة يضاف اليهما ماتياس أو الياباني أو الخليجي وكل الرجال الذين عرفتهم في فرنسا (فاطمة تحدث العيشوني) – العيشوني/فاطمة فاطمة تحدث العيشوني عن الياباني – العيشوني/فاطمة العيشوني يحدث فاطمة عن كنزة العيشوني/فاطمة فاطمة تحدث العيشوني عن الداودي ضمن هذه الوضعيات إذن، يتم وصف الجسد وسرد أفعاله وتحديد الحالات الناتجة عن التحام جسدين في أفق “توحيد الفعل” انطلاقا من عين مذكرة لا ترى في الأفعال إلا صورتها. فهذه العين هي التي “ترى” وهي التي “تحس ” وهي التي “تستبطن” وهي التي “تستبق” الأحداث وتسترجعها. وسواء تعلق الأمر بعين السارد أو بعين العيشوني (الأمر سيان، فمن الصعب الفصل بينهما، فكثيرا ما يتحول العيشوني إلى سارد، وكثيرا ما يندمج السارد في خطاب انفعالي يجسد التحامه بملفوظه)، فإن الأمر لا يخرج عن نطاق تقديم المشهد السردي (أوالوصفي) انطلاقا من أحاسيس ذكورية. وسنورد مجموعة من الفقرات التي توضح ما ذهبنا إليه (وهذه الأمثلة لا تشكل إلا عينة فقط): – … وداخل سرير العيشوني ارتعش جسدها بقوة، بحرية، كأنما استرجع نوابضه المعطلة منذ أشهر، كانت تغرس أصابعها في ظهره تستحثه أن يغوص في بحيرتها الدافئة… وكانت أطياف غائمة الملامح تلوح لها كأنها قدود مياسة في مهرجان الشهوة وقد تألق، مهيمنا، وجه أمها المهللة لما جرى (ص 27) – تستيقظ بأعماق العيشوني تلك الرغبة الشرهة تجاه الحياة على إيقاع حضور فاطمة إلى جانبه ودغدغتها لجسده وأحلامه. (ص 35) – ينظر إليها ويتيه، يتذكر ويستعيد، راكبا مهرة الرغبة الجموح التي تقوده عبر براري القرى ومسالك الأودية فيبدأ يشيد المدائن (ص 36) – كانت قد تجردت من ثيابها دون أن يلحظ هو ذلك، مدت نحوه يديها في نداء صارخ لا ترافقه كلمات، عيناها ملتمعتان ببريق خاص وضوء الصباح الناعم يسربل الجسد الفتي الفوار بغلالة لها ألوان الحلم (ص 43) – إيه معاك الحق ألالة رقية احنا جبناهم باش يعملو سطاج عندكم، وهما مطيحات على وذنين الغياط (ص 119) – الكؤوس تملأ وتفرغ والضحكات تتوالى وفاطمة مستأنسة بالحكايات والنكت، تتبادل نظرات دافئة مع العيشوني (ص27). – تقول فاطمة عن الداودي : كلماته ولمسات يديه الحاذقتين، وجسدي الملتهب الفوار المشدود إلى الانعتاق من محرمات وهمية (ص 118) – نساء جميلات لهن حلاوة اللسان وذكاء الفؤاد (ص 36) – الجو الذي تستأنس إليه : النكت والحكايات – لم يرتح لذلك الجانب من شخصيتها الذي يعرف كيف يمضي بتصميم واطمئنان إلى هدفه (ص35) – فاطمة الملهمة (ص 35) – هي تنزع عنه منامته وهو يغوص في التيه عبر عينيها المثقلتين بحنان وشبق يطابقان ما كانت مخيلته تنسجه في لحظات الوحدة والملالة. أخذت شفتاها تجوسان بإيقاع دافئ عبر الجبهة والصدغ والوجنتين والعنق والصدر … تطوف بجميع مناطق الجسد ويداها تسعفان في فك الحصار عن الشهوة المتوارية خلف هموم التفكير والخلق وفهم العالم للآخرين، وخلف الوساوس والهواجس (ص 43) – يقول الداودي لفاطمة العارية في الفراش : لقد حررنا الجسد وعلينا الآن أن نعمل لتحرير الشعب (ص 120) إنها لحظات مثيرة حقا حيث نجد أنفسنا أمام تناظرات تجمع بين الجنس والفن ، بين الجنس والفكر، بين الجنس والترويح عن النفس، بين الجنس واللذة الأصلية حيث ينتفي الزمان/المكان وتغيب الفصول في الجنس والانتشاء بالنفس التي تخلصت من إرغامات الحياة اليومية. ضمن هذه التناظرات -وهي تناظرات ممتعة في ذاتها ولذاتها- ينتصب المذكر كنقطة ارتكاز أساسية في بلورة وتحيين ونشر القيم التي تشكل عالم النص الدلالي وسبل قراءتها. ويبدو، عبر نقطة الارتكاز هذه، وريثا شرعيا لمتاع البشرية المادي والمعنوي حيث تقوم النساء بـ”حلاوة اللسان وذكاء الفؤاد ” بـ “فك الحصار عن الشهوة المتوارية خلف هموم التفكير والخلق وفهم العالم للآخرين”. بناء على هذه المعرفة تتحدد زاوية النظر : في كل لقاء ترمي الحركة السردية خيوطها في اتجاه إلغاء نفسها في فعل جنسي يكون خاتمة لجزء سردي ما. وداخل هذا الجزء السردي يتحدد الطرف “المستفيد” الذي “يفهم” و”يعي” ما يدور ويجري، إنه المذكر، العنصر الفاعل الذي يتحرك الآخر من أجله. ويتحدد الطرف “المانح” و”المستكين”، إنه الطرف الذي لا ندرك عنه إلا ما يحدث تأثيرا عند المذكر. وهكذا يمكن أن نقرأ هذه المقاطع السردية التي تعرض في أغلبها لمشاهد جنسية صريحة (أي وجود “تغطية لغوية” لأفعال جسدية تؤول عبر فك رموز الوحدات اللسانية في شكلها الطباعي كفعل جنسي يثير عند المتلقي رد فعل ما) من زاويتين : الأولى خاصة بنمط عرض هذه المشاهد، أي خاصة بالزاوية التي تتم انطلاقا منها عملية تسريب وتحيين وإدراك الأحداث، والزاوية الثانية خاصة بالصياغة المضمونية للقيم التي يشتمل عليها النص والخاصة بكل ما يعود إلى العلاقة رجل/امرأة . 4- عين المذكر تروي جسد الأنثى إن العين التي ترى تقدم ما ترى عبر الطريقة التي بها رأت ما رأت، وليس انطلاقا مما رأت. إنها قاعدة ذهبية في الإدراك. إن المسألة تتعلق بمشكلة التمثيل الرمزي في مفهومه الواسع : تحديد ماهية كل التصورات التي نخلقها ونغذيها ونحتكم إليها في فهمنا لأنفسنا وللآخرين انطلاقا من زاوية نظر معينة. فأن تنطلق حركة السرد من العيشوني أو من فاطمة لعرض العالم القصصي، فإن هذا لا يشكل في هذه الحالة أو تلك خرقا لقوانين الكون وأحكامه. ولكن أن يقدم العالم القصصي ويعرض من خلال خصوصية هذه العين أو تلك، أي أن تسمى الأشياء وتوصف انطلاقا من جهة نظر العيشوني (العين المذكرة) أو من جهة نظر فاطمة (العين المؤنثة )، فإن الأمر سيكون مختلفا. إن الانتقال من هذه العين إلى تلك هو رصد للهوة الثقافية التي تفصل بينهما. وهذا ما يشكل عمق المشكلة وأصلها. إن العرض تعيين وتسمية وتصنيف وتأويل؛ ولقد كانت التسمية (التعيين) هي دائما الوجه الآخر للامتلاك والتملك (لويس – جان كالفي). إن الحق في التسمية يشير إلى وضع حضاري يتحدد داخله موقع الأفراد وسلوكهم وقيمتهم. >إنه موضوع النقاش الدائم : كيف نسمي أنفسنا وكيف نسمي الآخرين< (مارينا ياغيلو: Les Mots et les femmesص 70). فالتسمية في هذه الحالةوفي جميع الحالات أيضا، (والسرد تسمية للأشياء)، هي وصف لحالات التنويع الثقافي.

وبناء عليه، فإن أي تمثيل إنما يمتح عناصره من سجل خاص ينتمي إما إلى “الذكورية” (إن الأمر يتعلق بإديولوجيا وليس بتعيين نوعي كما قد يتبادر إلى الذهن )، وحينها يصبح العالم “مذكرا”، فالعين التي تقدمه محكومة بقوانين وأسنن السجل الذكوري؛ وإما إلى “الأنوثية”، وسنكون أمام صورة مؤنثة للعالم، أي أمام عالم ينضح بكل الخصوصيات المؤسسة للأنوثة. وفي الحالة الأولى كما في الحالة الثانية، سنكون أمام خطاب تخترقه وتتخلله “إيديولوجيا جنساوية” ( idéologie sexiste ) لاواعية أو واعية، وسيكون هذا الخطاب هو الممر الضروري لإدراك واستيعاب خصوصيات وأنماط التجليات الخاصة بالعالم المعروض.

إن خصوصيات هذا الوضع تكمن في أن العالم المشيد سرديا داخل النص الروائي لا ينزاح كثيرا عما تقدمه التجربة الواقعية بحكم انحيازها إلى لغة المذكر وأحاسيسه وإسقاطاته الثقافية. فعين السارد التي تختفي وراء “هو” من أجل عرض عالم قصصي تخييلي تمتلك في وجداننا وذاكرتنا صورة “مذكرة” تتعايش مع كل الصور التي كوناها عن العالم وعن موقعنا داخله. ولهذا، فإن ما يقدم في النص الروائي قد لا يثير أي رد فعل سلبي (أو إيجابي) عند المتلقي بخصوص نمط العرض هذا، في حدود أنه لا يخرق أي قانون ولا يزعزع دعائم أية ” أيديولوجية” (هكذا ).

ليس بريئا أن تأتي “غيلانة” و”فاطمة” و” كنزة” والأخريات إلى النص الروائي عبر وجدان العيشوني وأحاسيسه. وليس بريئا أيضا أن “نحس” بالعيشوني وندرك “ذوبانه” الوجودي والنفسي والإبداعي لحظة امتلاكه للجسد الأنثوي، في حين نجهل كل أحاسيس فاطمــة مثلا. فــــــهي لا تـــأتي (و كذلك الأخريات ) إلى النص إلا كـ “مثيرات فيزيقية” توقد الشهوة في نفوس الآخرين، ولا نعرف عن النار التي تشتعل في داخلها أي شيء. إن كل المشاهد التي نعاين، وكل الأفعال التي ندرك وكل الصياغات المصاحبة لهذه الوقائع تتبلور انطلاقا من وعي وعين ذكوريين.

وبعبارة أخرى، ليس بريئا أن يكون العيشوني نقطة انتشار كل الممكنات السردية ويكون هو أيضا نقطة إرساء لكل الأفعال المنجزة. إن صوت السارد لا يستطيع أن يخفي أن قراءتنا للأحداث تتم انطلاقا مما يتصوره العيشوني كواقع أوحلم، كماضي أو حاضر، كوهم أو حقيقة. فكل فعل يدرك انطلاقا من “وضع ما” يتم فيه وعبره تصور جزئيات أخرى ستشكل حلقة سردية متكاملة، وضمن هذه الحلقة يدخل العيشوني مسرح الأحداث محددا من خلال مجموعة من القيم والصفات، وأيضا من خلال “إمكانات الفعل وطبيعته”. انطلاقا من هذا نلاحظ وجود تفاوت في وعي التجربة الحياتية كما تصاغ سرديا وكما ترسم وصفيا وكما تدرك تأويليا.

ويتضح هذا التفاوت في الصوت والرؤية بين ما ينتمي إلى تجربة “المذكر” وما ينتمي إلى تجربة “المؤنث” من خلال استعادة الفصلين الثاني والرابع من الرواية. ففي هذين الفصلين سيتخلص السارد من عبء السرد ليوكل أمره إلى العيشوني (الفصل الثاني) وإلى فاطمة (الفصل الرابع ). سيحكي العيشوني لفاطمة جزءا من حياته (مغامراته النسائية )، سيحدثها عن البولونيات والإسبانيات وعن غيلانة وكنزة وأخريات. وستقوم فاطمة بنفس الشيء، حيث ستروي له عن “حياتها” التي لم تبدأ إلا عندما تعرفت على الداودي في فاس. وعن جزء من حياتها في فرنسا.وبما أننا لسنا بصدد مناقشة طبيعة المضامين المودعة في هذين الفصلين، فإننا سنتوقف قليلا عند الطريقة التي تصاغ بها التجربتان : تجربة العيشوني وتجربة فاطمة.

إن الارتقاء بفاطمة من وضع شخصية تُدرَك ولا تُدرٍك إلى وضع شخصية تحكي بصوتها عن تجربتها دون وسيط، لن يغير من وضعها “الأنثوي الدوني” شيئا. وفي هذا الصدد يمكن استعادة مجموعة من الوقائع النصية ومحاولة تأويلها وفق التقسيم الثنائي السابق : المذكر/والمؤنث.

– العيشوني يقص في الحضور وتقص فاطمة عبر الكتابة : يصرح العيشوني في بداية الفصل الرابع (وسيعيد كتابة هذه الفقرة في أوراقه) :

– أثناء إقامة فاطمة معي، كنت متحيرا من أمرها : تقتحم علي حياتي… وتذيقني من شهوات الجسد ألوانا ثم ترفض أن تحدثني عن حياتها، رسالتها إلي، بعد رحيلها، هي التي أضاءت ملامح من ذلك الوجه الهروب< (ص 107). فحتى في الحالة التي تكون فيها فاطمة في موقع الذي يصوغ قصة، فإن عملية إدراك هذه القصة تمر عبر عين العيشوني، فهو الباعث على الكتابة أولا، وهو الذي تقاس عبره كل التجارب التي ستحكي عنها فاطمة ثانيا. – إن حكاية فاطمة هي مزيج من التآمر والتحايل والزيف. إنها لا تستطيع مواجهة الحياة انطلاقا من إمكاناتها الخاصة، فهي دائما في حاجة إلى سند : كانت في حاجة إلى الداودي وهي في المغرب، وعندما انهار الداودي سياسيا انهارت هي أيضا، وفي فرنسا كان عليها، لكي تعيش، أن تستعير تجربة امرأة أخرى (الطريف أنها ستستعين بتجربة امرأة تنتمي إلى عالم تخييلي مدوموزيل بونون). إن وسائل عيشها ظلت في جميع الحالات مرتبطة بالجسد : في المغرب منحت جسدها للداودي لأنه مناضل “صلب” ومنحت جسدها للعيشوني لأنه “فنان”، وسيكون جسدها وسيلة عيشها في فرنسا (حتى مشروع تخليص شوارع باريس من براز الكلاب مرتبط بشكل ما بالجسد). وعلى العكس من ذلك، فإن العيشوني يستعيد، عبر رؤية “صاحية ” و”واعية ” سلسلة من الوقائع يحتل الجسد داخلها موقعا هاما. إنه ثابت في الفضاء، لا يتحرك وإليه تأتي النساء (تعرف على كنزة في طنجة قبل أن يذهب إلى مراكش). إن الوقائع لا تأسره، إنه يمتص منها خلاصات للتأمل. – إن حكاية فاطمة (كما يتضح من الرواية) هي أيضا حكاية غيلانة وكنزة ومدوموازيل بونون وأخريات (ستتزوج غيلانة وتلد فاطمة لتتركها وتحترف الدعارة، وستكبر فاطمة وتتزوج وتلد “نادية” لتتركها وتحترف الدعارة). أما حكاية العيشوني فهي فريدة لا امتداد لها في حياة شخصية أخرى. فكل الرجال الذين يذكرهم النص هم على النقيض من العيشوني (الدحماني، الزلالي، الصديق الآتي من مراكش) – يحكي العيشوني أمام فاطمة عن جزئيات الفعل الجنسي: أبدا لم أعرف جسدي مشتعلا كذلك المساء. كنت أحسني سمفونية استيقظت أوتار عازفها حد الجنون (ص 78 ). وتتحدث فاطمة عن وقائع جنسية غامضة ومبهمة لا حميمية فيها. إنها وقائع تثير التقزز عند المتلقي (أغلب هذه الوقائع يعود إلى ممارستها للدعارة في باريس )، وقد تصف أحيانا مشاهد كفيلة بإثارة الاشمئزاز عند المتلقي : – بدا لي جلده (جلد الياباني) الأملس بصفرته المحايدة ولصوقه المفرط على العظم خاليا من الجاذبية، أمرر يدي من فوق لتحت فلا أحس حروشة تستثيرني … لكن عري تماثيل رودان وطيف الآنسة بونون يستحثاني على الانطلاق (ص 155) . ويلاحظ هنا أيضا الحضور الشخصي للعيشوني وكذا الإطارالثقافي الذي يتحرك داخله، وذلك من خلال الواقعتين التاليتين : + لا تستقيم ” اللذة” لفاطمة إلا باستحضار “الموديلات العارية”. لقد كان العيشوني متخصصا في الموديلات العارية. + وتخبو جذوة نارها عندما يغيب الجسد الذي تسكنه الحروشة (رؤية “غيبية” عن الجنس تحتقر الجسد غير العربي، أو هي الفحولة العربية بصيغة أخرى). إن أهمية “الأنا” التي تخبر عن “عالم ما” تكمن في الموقع الذي تحتله ضمن ما تعرض له. فالتواجد في مركز القصة وليس في محيطها يعد تحديدا مسبقا لطبيعة ما سيروى. ولقد كانت فاطمة -من خلال سردها- جزءا من قصة تتجاوزها، لهذا فهي تحكي عن الآخرين وليس عن نفسها : بدأت حكايتها، على عكس حكاية العيشوني التي تبدأ من الطفولة كنقطة صفر ضمن مسار حياتي طويل، من يوم تعرفها على الداودي . إن الدخول “النسائي” إلى التاريخ يمر عبر الجسد وليس عبر تجربة حياتية متكاملة. من هنا لم تستطع أبدا أن تُكون قصة “يأتي إليها الآخرون ثم يذهبون وتظل هي ممسكة بعالمها” : كانت الأم وسافرت، وجاء الداودي ولم تستقم معه دعائم القصة، وكان الخليجي وابتعد عنها. ولم تبدأ في سرد هذه الأحداث إلا حين قايضت جسدها مقابل ” قصة” (لقد بنيت كل القصص داخل النص انطلاقا من الجسد). ستصبح زوجة لماتياس ولحظتها فقط فكرت في الكتابة إلى العيشوني. إن قصتها لم تبدأ في الرواية، إنها بدأت عندما انتهت الرواية. وبطبيعة الحال، فإن الأمر مختلف مع العيشوني. إنه يروي قصته ويشير إلى موقع الآخرين داخل هذه القصة. إنه يمتلك الأجساد ولا تمتلكه أية امرأة. إنه ثابت في الفضاء والآخرون متحركون. إن منزله قار والآخرون ضيوف. لا نهاية لقصته. إنها بدأت، وعندما “كَلَّ” السارد انتشرت في أوراق لا تحكمها خطية ما. حيث تنشر اللغة المليئة بالصور الشعرية “معرفة سردية” تسير في الاتجاه العمودي، في الاتجاهات المتناقضة لينهار التسلسل الهادئ للحدث وتقرأ عبرها كل القصص السابقة. وبموازاة ذلك، هناك أحداث لا يمكن فهمها في إطار التسلسل الذي يخلقه النص الروائي. ويعود هذا، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، إلى وجود قطيعة بين الجسد ودلالاته النفعية. فالسرد لا يتعامل مع هذا الجسد من خلال كامل إمكاناته، إنه لا يتوقف إلا عند حالة بعينها. إن الحل الوحيد لاستعادة هذه الأحداث هو إدراجها ضمن خطاب الإثارة. لحظتها تصبح مجموعة الأحداث المتشابهة جزءا من استراتيجية “الغريب” و”المثير” و”المدهش” . ولعل هذا ما يجعل من الفعل الجنسي “الحدث” الوحيد، بالمفهوم اللوتماني للكلمة، الذي يمكن الارتكاز عليه من أجل استعادة البناء العام للنص الروائي. 5- السرد ومقتضيات “المشهد الجنسي” إن “الكلام” و” الهذيان” و”الخطابات المنظمة” و”المناجاة” و”الصراخ” وكل أشكال الخروج من الذات والالتحام بالآخر تخفي -بشكل واع أو لاواع، إرادي أو لاإرادي- استراتيجية خطابية منظمة لأنماط الظهور اللفظي للمضامين التي نطلق عليها عادة الإيديولوجيا، أي القيم كما يتم تجسيدها في وحدات أو وقائع سلوكية يحكمها نسق ما. إن هذا التنظيم الخفي للوحدات المرئية، أي الوحدات المدركة عبر الخطية اللسانية، يقودنا من جديد إلى التساؤل عن تجليات موقع كل طرف من أطراف “العملية الجنسية” داخل المشاهد التي تزخر بها الرواية، سواء أتعلق الأمر بوصف “مباشر” للفعل الجنسي أم باستبطان يحيل على أفعال سابقة أو أفعال مسقطة أو قابلة للإسقاط. إن الرغبة في قراءة الفعل الإنساني عبر “مقتضيات الجسد” الحسية هي التي أدت بهذا الجسد، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، إلى أن يكون هو مادة السرد الأولى والأخيرة. إنه النقطة التي تتولد انطلاقا منها الموضوعات، تماما كما تتولد الآهات والأنات المريضة والصحيحة على حد سواء. إن التعامل مع الجسد من هذا الموقع، معناه أننا نسير في اتجاه التعامل مع الوحدات النصية باعتبارها وحدات تندرج ضمن خطاب الإغراء (بمفهومه الإيروسي ). فاللغة التي تصوغ لفظا ما ينتجه الجسد إيماء (حركية) لا تقف عند حدود نقل “ما يجري “؛ إنها تتخلص من “تركيبها” و”حرفيتها” و”مباشرتها” لكي تقود المتلقي إلى الارتكاز على شعرية “ما يجري” من أجل تأسيس “استيهامات الفعل المقبل”. ولعل هذا النمط في الصياغة هوالذي يفسر الطريقة التي يبنى من خلالها “المشهد الجنسي” (تؤدي الصياغة الشعرية للوقائع إلى تنويع في قراءتها). إن هذا المشهد يشتغل خارج الخطية السردية التي تبني أفقها انطلاقا من وقائع صغرى ينضاف بعضها إلى البعض الآخر لبناء قصة ما. إنه لحظة تَوَقف داخل الحركة الكبرى للسرد من أجل بناء حركة سردية أخرى تمتح “وقائعها” من استيهامات الكلمات والتراكيب التي تنضح جنسا ولذة. فعندما يتوقف السرد تتحرك الآلة الوصفية لتنزاح عن الخطية السردية لتقدم هذه الوقائع وصفا. إن الوصف في هذه الحالة يتحول إلى عنصر سردي، وفي الآن نفسه يخرج السرد عن مساره الأصلي ليلتحم بحركة الوصف. فمن خلال وصف العملية الجنسية، يتسلل إلى النص عالم جديد لا تربطه بالعالم الذي تقدمه الحركة السردية، من خلال منطلقاتها الأصلية، أية صلة. إنه عالم آخر لا يمكن أن يدرك إلا من خلال قوانين التجربة الجنسية ذاتها. إن السرد هو تلبية حاجة أواستعادة نظام، أو جواب عن سؤال. أما اللذة فتحمل غايتها في ذاتها، لهذا فهي نقيض الفعل. ومن هنا فإن السرد يتوقف لحظة بروز اللذة؛ لأن اللذة توقف الحركة وتشلها، ولحظتها لا يمكن تصور أي فعل عدا فعل اللذة. ولهذا أيضا لا ينطلق السرد من لحظة إشباع الفعل الجنسي. إن استعادة الخيط السردي من جديد تتم دائما خارج حدود الفعل الجنسي: إنه إسقاط حلم يتمم الفعل السابق (حلم فاطمة في الفصل الأول) أو إنهاء فصل بحيث يتم التنصيص على استمرارية زمن الجنس وزمن اللذة، وتقطع زمن السرد، وهنا أيضا تبرز الجمالية التي يتمتع بها هذا النص. وهكذا، فإن “الفعل الجنسي” الذي يعد محطة ضمن محطات متعددة للمسار السردي، يشكل نقطة انزياح دائمة عن الخطية السردية التي تتحكم في مجمل السرد (ولعل هذا ما جعل من الرواية نصا غير قابل للتوجيه انطلاقا من نقطة بعينها، حيث لا وجود لـ “تراكمات نصية” تقود إلى “إشباع” بعينه)، من أجل استشراف آفاق حركة سردية أخرى مبعثها ومصدرها الآثار التي يتركها الجنس كلذة قصوى تقود إلى التخلص من مقتضيات السرد العادي والبحث عن مسار سردي مغاير. إن الأمر يتعلق بإسقاط صورة حياتية تعد نقيضا للصورة التي يرسمها السرد للتجربة الواقعية. وهنا تتدخل من جديد عين المذكر لتصوغ هذا العالم المسقط انطلاقا من مخيال المذكر وأحلامه وكذا من المظلة الثقافية التي تفسر سلوكه وكذا سلوك المؤنث، أي الاحتكام إلى الصورة التي نملكها عن المذكر من جهة، والصورة التي نملكها عن المؤنث من جهة ثانية. فكيف تتحد سيرورة الإغراء وكيف يتحدد الخطاب الذي يصوغها ؟. يقدم النص الروائي لقطات متعددة للفعل الجنسي، تسبقه وتليه لحظات مبهمة لغة وفعلا. وعبر هذه اللحظات ينفذ القارئ إلى عالم الفعل الجنسي. وعبر كل الفصول تُوَحِد الحركة السردية بين أجزائها في فعل جنسي (الاستعمالات الغامضة والمبهمة للكلمات والأشياء التي أشرنا إليها سابقا). إلا أن الإغراء، من خلال مجموع هذه الوحدات، لا يكون إلا أنثويا. إن الرجل الذي “يفكر” لا يستطيع أن يغري، إنه المستمتع بالإغراء، أو الذي لا يستطيع أن يغري إلا من خلال سلطته؛ ففاطمة تستهويها : – سلطة الفـــــــــــــــــن العيشوني – سلطة صورة المناضل الداودي – وتأسرها سلطة المال مجموع الذين عرفتهم في فرنسا في حين لا تغري المرأة إلا بجسدها. ففي مقابل “الحياد” الذي يظهر به جسد الرجل، وربما أجساد جميع الرجال (لا تشير الرواية مثلا إلى فزيولوجيا معينة للعيشوني، بل لا نعرف عنه أي شيء: هل هو طويل أم قصير، أسمر أم أشقر، الخ )، يبدو جسد المرأة مغرقا في الشهوانية والإغراء والإغواء. ولإبراز هذه الطاقة الإغرائية، تسلك اللغة سبيلا يقود إلى تجزيء الجسد وتقديمه على شكل مناطق، كل منطقة لها موقع داخل السيرورة المؤدية إلى “اللذة القصوى”. وهكذا في مقابل ” كلية” الجسد الرجولي، يركز السرد على “جزئية” الجسد النسائي : إن المرأة “نهد” و”ساق” و”عينان فيهما شبق وحنان” و”نتوءات صدر وخصر تبرز رشاقة الجسد”. في حين لا شيء يغري في الرجل سوى “فحولته”. ومن جهة ثانية، فإن نفس اللغة لا تصل إلى حد منح الجسد صوتا “يقول” ما يثيره الآخر فيه. إن الأمر على العكس من ذلك. ففي الوقت الذي “يصيح فيه صوت” المذكر معلنا عن شهوته ولذته “لغة وحلما”، لا يرى السرد في جسد المرأة إلا اهتزازات وإيماءات. إن امتلاك هذا الصوت هو الذي يجعل من العيشوني قادرا على وصف مباشر للفعل الجنسي مبرزا “مراحله” وسيرورته، في حين لا تفعل ذلك نساء الرواية. في (ص 96) يسأل العيشوني غيلانة : >ألم تحققي ذروة الشهوة بدون حب؟<، وتجيب غيلانة بالإيجاب، وكان من المتوقع أن تصف هذه الذروة، إلا أنها تدع للقارئ حرية استحضار ما يشاء :

– …كان يجلس إلى جانبي رجل أسود … أحسست أنني لو ضاجعته لأدركت ذروة المتعة التي افتقدتها من زمان، فأسرعت أمسك يده ضاغطة عليها في حنان وقد اشتعلت عيناي بذلك البريق الفاضح، بدوره أخذ ينظر إلي بعينين متجاوبتين، فأشرت إليه أنني أدعوه إلى شقتي القريبة من المقهى … وكان ما توقعه حدسي.

في مقابل فوضى الحواس وعفويتها ولامنطقيتها أيضا، يأتي التفكير كفعل يعي نفسه ويعي موضوعه في نفس الآن. يحس ويعي أحاسيسه، يحس ويتلذذ بأحاسيسه دون “خجل” ، في مقابل “الإحساس الفاضح ” و”الحدس ” و”الفعل الذي لا يوصف”. إن الاغراء الأنثوي لا يعي نفسه إلا في حدود وجود الآخر الذي يحول ما يحتويه هذا الإغراء من طاقة إلى إبداع (كلما كانت هناك عملية وصف للجنس كان هناك خروج من دائرة فضاء الجنس إلى عالم لا تحكمه قوانين فضاء التجربة الواقعية).

وفي هذا الاتجاه يمكن تناول عملية الإغراء والأفعال التي تليها من خلال مجموعة من الوقائع النصية التي تحيل على عالم الذكورة كسجل له موقع خاص ضمن الهرم الثقافي الذي يحكم مرحلة ما، وتحيل من جهة ثانية على تصور معين للأنوثة من خلال الإحالة، عبرالتصوير الذي يعطى للنساء في النص الروائي، على سلسلة من الخصائص والحالات التي تحدد نموذجا أنوثيا خاصا:

1- أ) مؤ : هي تنزع عنه منامته

ب) مذ : وهو يغوص في التيه (ص 43)

2- أ) مؤ : عيناها مثقلتان بحنان وشوق

ب) مذ : تفك الحصار عن رغبته “تتوارى خلف هموم التفكير وفهم العالم للآخرين” (ص 43)

3- أ) مؤ : حلاوة اللسان وذكاء الفؤاد

ب) مذ : مدائن يصهل في جنباتها الرجال بأصوات آمرة مضحكة، وتضبط إيقاع شهوتها الخفي نساء جميلات لهن حلاوة اللسان وذكاء الفؤاد (ص 36)

4- أ) مؤ : وجسدي الملتهب الفوار

ب) مذ : وكلماته ولمسات يديه الحاذقتين (ص 118)

5 – أ) مؤ : (النساء) مجال العبث والترويح عن النفس

ب) مذ : لا حوار يرضيني إلا مع ما أقرؤه عن تجارب الرسامين والكتاب (ص 65)

6 – أ) مؤ : صوت المرأة العارية

ب) مذ : جسد الرجل العاري الذي لا يفهم ما تقوله تلك الجائعة (ص 96)

7- أ) مؤ :يصفع بلطف مؤخرتي العارية

ب) مذ : يقول الداودي : لقد حررنا الجسد وعلينا أن نعمل لتحرير الشعب (ص 120)

( أ و ب يشكلان لحظة سردية واحدة موزعة على حيزين : “حيز نسائي” و”حيز رجالي”، وعادة ما تشكل هذه اللحظة، لحظة ممارسة جنسية).

يتضح من خلال هذه المجموعة من اللقطات السردية، أن هناك موقعين في التعامل مع التجربة الجنسية من حيث وصف جزئياتها وآثارها والوقع الذي تخلفه عند كل طرف من طرفيها.

فداخل كل مشهد (أو نواة سردية صغيرة) هناك ثنائية تقود من المذكر إلى المؤنث عبر عين تقيس القيم والأحاسيس على مقاس الذكورة. فالمرأة “تئن” و”تحن” و”تشتاق” و”تتأوه” و”تنادي وتستغيث”، والرجل يتأمل و”يتيه في البراري” و”يشيد المدائن” و”يركب مهرة الرغبة” . إنه يدخل إلى مسرح الأحداث مدججا بجميع أسلحة الفرد المذكر: “الفحولة” و”القوة” و”الفكر “و”الفن” و”الانتصاب الدائم “.وفي المقابل، فإن المرأة حبيسة الجسد المعذب، وحبيسة الشهوة المحجوزة التي تريد أن تنطق في عينيها.

تلك هي الصورة التي يقدمها المشهد الجنسي عبر صوت السارد أو صوت العيشوني. صورة تتحدث المرأة من خلالها كجسد لا صوت له، إنها “مثيرات فيزيقية”، والجسد ضمن هذه الصورة أسير سرد لا يسمح للغة أن “تقول” ما يصنعه حضور الرجل في أحاسيس المرأة إلا من خلال صوت السارد. فالقارئ لا يستطيع الولوج مباشرة إلى عالم المرأة وجسدها ونفسها إلا من خلال ما يريده السارد.

إن الجنس عند العيشوني لحظة إبداعية تقود إلى التخلص من “الأنا” المباشرة (الأنا التي تعيش التجربة القصصية)، ومعانقة “أنا” مبدعة لا تعترف إلا بما فوق التجربة المباشرة، “أنا” تتخلص من الفضاء حيث يتداخل فضاء الجسد المسجى بالشهوات التي لا تنتهي مع فضاءات تخلقها هذه “الأنا” (البراري، البحيرة، المدائن، الأنهار، البحار…)، وتتخلص من الزمان (عادة ما ينتهي المشهد الجنسي دون إشارة إلى وقت انتهائه بحيث يظل زمنها عند المتلقي زمنا مفتوحا).

لقد كانت محاولتنا مقتصرة على تلمس بعض مظاهر التدليل وتجلياته في النص الروائي. وكانت نقطة انطلاقنا هي الجسد : كما يتم وصفه وكما يتم سرده وكما تصوغه اللغة لذة وشهوة لا تنقطعان. وكانت غايتنا هي البحث في مظاهر التدليل هذه عن “الوقع الإيديولوجي” الذي تتركه عملية التمثيل التشخيصي، أي استعادة العناصر التي تحجبها عن القارئ “الوضعيات الكبيرة”. ففي هذه “الجزئيات” كنا نحاول البحث عن موقع المذكر وعن موقع المؤنث من اللذة التي يولدها جسد يشتغل وفق ما يشتهيه ويرسمه خيال المذكر. إن متعة القراءة لا يمكن أن يولدها إلا نص ممتع وكانت رواية الضوء الهارب نصا ممتعا حقا.


هذه المقالة هي جزء من دراسة ستصدر قريبا . وتتناول السـرد والايـــديولوجيا وعـــــالم الممكنات

– محمد برادة : الضوء الهارب، نشر الفنك ، 1995 ، الطبعة الثانية

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: يستحسن طباعة المقال !!