“معجم السّرديات” للناقدة المغربية سعاد مسكين: مشروع سعيد يقطين في ضبط المفاهيم السردية

0

 

استهلت سعاد مسكين إصدارها الجديد الموسوم”معجم السرديات” بكلمة حاولت فيها تذكيرنا بما كانت قد طرحته من أفكار حول هاجس التنظير الجنسي والنوعي التي صاحبت مقاربات نقدية اشتغلت عليها في مؤلفات سابقة، كما أكدت في تقديمها على أنها قد عمدت في هذا المشروع إلى التفكير في السرد من منطلق آخر ركزت فيه على المصطلح باعتباره كل لفظ يتبين من قرائن استعماله أنه أوتي من المجال اللغوي العام ليعبر به عن معنى ما في سياق لغوي خاص هو مجال الدراسة الأدبية، لذلك ستشكل المصطلحات السردية مجالا للبحث في عينة ثابتة من النصوص تنتمي إلى الحقل النقدي العربي وذلك بالتركيز على مشروع الناقد المغربي سعيد يقطين، لكونه وحسب ما ترى قد راكم عديد الأبحاث والدراسات التي اهتمت بالسرد العربي قديمه وحديثه، ولأنه تعامل مع الجهاز المفهومي للسرد عبر مستويين اثنين: مستوى التحديد النظري، ومستوى الممارسة التطبيقية.

وفي بحثها داخل مشروع الناقد يقطين تؤكد على انها لم تشتغل في إطار “علم المعجم” الذي يهتم بدراسة الألفاظ من حيث اشتقاقاتها وأبنيتها ودلالاتها وكذلك بالمترادفات والمشتركات اللفظية والتعابير الاصطلاحية والسياقية، ليشكل بالتالي دراسة علمية تدرس الوحدات المعجمية للكلمات وتهتم بالعلامات اللسانية والعلاقة بين شكل الألفاظ ومعانيها والعلاقات بين المعجم والتركيب، إنما تحاول هي أن تدرج عملها ضمن عملية صناعة المعجم باعتبارها تتجاوز الجانبين التنظيري والعلمي اللذين تميز بهما “علم المعجم”، لنكون أمام ممارسة تقنية وتطبيقية تشتمل على خمس خطوات رئيسة تدرجها على هذا النحو: جمع المعلومات والحقائق، اختيار المداخل وترتيبها طبقا لنظام معين، كتابة المواد، نشر النتاج النهائي. وتضيف أيضا أنها قد ركزت في مشروعها المتعلق بمسألة صناعة المعجم السردي على وصف المصطلحات السردية في سياق إنتاجها وتداولها لدى الناقد يقطين، لأن هاجسها العلمي كما تشير إلى ذلك يتمثل في التفكير بصناعة معجم متخصص يتكفل بالتعريف الوظيفي للمصطلح أثناء استخدامه، وبمراعاة الوظيفة التي يؤديها داخل المنتج النقدي.

لماذا سعيد يقطين؟

لأجل ان تؤطر عملها في هذا المشروع تطرح سعاد مسكين على نفسها سؤالا بغاية الأهمية: لماذا اختارت تجربة الناقد سعيد يقطين؟ ثم تعقبه بسؤال ثاني: ما جدوى هذا المعجم؟ فتجيب على ذلك بان هناك مجموعة اعتبارات كانت وراء هذا الاختيار، أولها عمله الدؤوب على دراسة النص السردي بعيدا عما هو خارج النص، وبعيدا عن المسبقات الايديولوجية، لأنه حسب ما تؤكد بهذا الخصوص قد عمد إلى اعطاء الأولوية لجمالية النص، ومقاربته في دواخله من حيث البناء والأسلوب والدلالة. وتضيف بهذا السياق ان اتخاذ سعيد يقطين للسرديات علما يستنطق به خبايا النصوص السردية العربية، جاء عبر مستوياتها الثلاثة: الخطاب / القصة / النص. كما تجد اهتمامه بالسرد العربي قد دفعه إلى عدم النظر إلى النص باعتباره بنية مغلقة، انما عالجه من مختلف مستوياته، واستعان لأجل ذلك بصنفين من السرديات: 1- “سرديات حصرية” درست السرد باعتباره خطابا، فقاربته بمفاهيم من قبيل الصيغة والزمن والتبئير، وباعتباره قصة عبر الوقوف على مكونات المقولات الحكائية مثل الحدث والشخصية والمكان والزمان. 2- “سرديات توسيعية” فتحت النص على علوم أخرى مثل الانثروبولوجيا والسوسيولوجيا والمعلوماتية.

ان المشروع الذي عمل عليه سعيد يقطين في تأسيس “عِلم للأدب” تجده سعاد مسكين يرقى بالدراسات الأدبية والنقد الأدبي نحو العلمية وذلك عبر تأكيده على ضرورة تحديد المجال وموضوعه وأدوات مقاربته ومقاصده مع ادراج مختلف الإشكالات التي تخصه في إطار أوسع يتعلق بالفكر الأدبي. وبناء على هذا التحديد الذي وضعته حول كتاباته وجدت مشروعه متكاملا، وينطلق من النص السردي باعتباره خطابا، وينتهي إلى كونه نصا ثقافيا، مرورا بكونه قصة، كما وجدته يقترح في كل مرحلة مداخل أولية ونظرية تراعي شكل المقاربة النقدية ومراحلها وأهدافها. ومن هنا تشير إلى انها في كتابها قد وقفت بتفصيل عند تجربته وحاولت إعادة قراءته وفق مجالات اشتغاله في ظل سيرورة تاريخية ودينامية تصورية تطبيقية.

ولأجل توضيح الخلفيات والمقاصد التي كانت وراء قراءتها مشروع الناقد سعيد يقطين، ترى مسكين أن الذي دفعها إلى هذا التتبع النظري والتحليلي لتجربته يتمثل في وعيه المسؤول تجاه البحث/ الأكاديمي الذي اشتغل فيه باعتباره ناقدا تارة وباعتباره منظرا تارة أخرى، لانه من وجهة نظرها وهو يعمل في إطار الحقل السردي نظر إليه من جانبين: الأول بنيوي صرف، لكونه خطابا وقصة، والثاني إنتاجي، لكونه بنية نصية قادرة على الانفتاح ناحية علوم أخرى مجاورة أو بعيدة.

توليد معرفي

أما في إطار رؤيتها للعوامل التي شكلت شخصية سعيد يقطين الأكاديمي والناقد والمنظر، فهي تجده قد نهل من حقول معرفية متعددة، انطلاقا من اجتهادات الشكلانيين الروس واشتغالهم بأدبية النص في إطار البويطيقا الجديدة، كما تجده قد تأثر بالسرديات الفرنسية لكل من تودوروف وجيرار جينت، وامتح من سيميوطيقا السرد مع غريماس والنظريات النصية لدى جوليا كريستيفا وجنيت فاولر وفان ديك وغيرهم، كذلك سوسيولوجيا النص الأدبي لدى بيير زيما، وجوليا كريستيفا، وآخرون. وهنا تشير إلى مسألة جوهرية أكدت فيها على ان نقل الناقد يقطين لتصورات هؤلاء الباحثين لا يعني التقليد والمحاكاة، بقدر ما كان توظيفه المصطلحات والمفاهيم يتخذ طابع المرونة أو ما أسماه “روح الممارسة العلمية” بما ينسجم مع النصوص السردية التي استثمرها.

ان تراكم الخلفيات المعرفية والمرجعيات النظرية وتآلفها مع الإيمان بالتخصص يأتي بالتوليد المعرفي، هذا ما تصف به تجربة سعيد يقطين، لتضيف بهذا المنحى ان مشروعه مرتبط بإنتاج جديد يطور نظرية الأدب العربي ويتعلق الأمر أيضا بالأجناس الأدبية، كما أعاد التفكير في الممارسة النقدية باقتراحه الفكر الأدبي وباقتراحه سيميوطيقا السرد مقابل السردية.

يمثل جهد الباحثة سعاد مسكين في هذا الإصدار حسب ما أشارت إلى ذلك، محاولة منها قراءة مشروع الناقد سعيد يقطين، باعتباره مفكرا عربيا ومغربيا آمن بالتخصص، وحرص على تكريس علمية البحث الأدبي سواء في دراساته الأكاديمية أو في محاضراته الجامعية، وذلك بربط النظرية الأدبية والنقد الأدبي بسياقاتهما الثقافية وبمرجعياتهما الايديولوجية بغاية الاستيعاب الصحيح للمفاهيم والتصورات ومحاولة تطبيقها على النصوص السردية القديمة والحديثة، وللخروج بنتائج علمية دقيقة، وتوليد مفاهيم ومصطلحات من قلب ممارسته النقدية والتنظيرية.

نقد متخصص

ان معجم السردية من خلال كتابات الناقد سعيد يقطين يرمي حسب ما تؤكد مؤلفة الكتاب إلى تحقيق أهداف ومساع تعكس الرغبة في تخصيص معجم للمصطلح السردي العربي من جهة، والسعي في تحقيق المعرفة العلمية على اعتبار ان تحديد مدلول الاصطلاحات العلمية يكون جانبا من بناء العلم، كما يسعى هذا الجهد المعجمي إلى توحيد المصطلحات والمفاهيم المتعلقة بالنقد السردي حتى لا تظل هناك اضطرابات في تحديدها وتوظيفها.

كما ان استنبات هذه المصطلحات داخل الفكر الأدبي العربي يسمح بتجديد طرق وآليات الدرس الأدبي، إضافة إلى ان إحصاء هذه المصطلحات وتقديمها إلى القارئ بشكل تراكمي يفضي إلى غاية تتجلى في محاولة استقصاء أبعادها التصورية وأهدافها التنظيرية من منظور الناقد. ويضع بالتالي دليلا للقارئ يسعفه في الحصول على أدوات وآليات تساعده على العمل بالسرديات بطريقة ميسرة ودقيقة، يكفيه فقط ان يبحث عن المفهوم السردي مراعيا ترتيبه الالفبائي كي يجد تصور الناقد حوله. وتأمل مسكين ان يكون كتابها هذا إضافة نوعية في حقل النقد السرد المغربي ويغني الخزانة المعجمية العربية والمغربية بما يسمح بتطور الفكر النقدي وتجدده، وبما يسعف في تأسيس نقد متخصص، مضبوط المفاهيم والآليات، وواضح الأهداف والمرامي.

تحيلنا المؤلفة إلى مقطع اجتزأته من دعوة سبق ان طرحها الناقد سعيد يقطين في كتابه “النص المترابط ومستقبل الثقافة العربية، نحو كتابة رقمية عربية” كانت هذه الدعوة منطلقا لها للبدء في هذا المشروع/ المعجم، وقد جاء في كلمته ان “كل المفاهيم والمصطلحات التي كنا نوظفها في الكتابة والثقافة والفكر قد تغيرت، وهي جميعا في تطور دائم ومتواصل، وكلما أخطأنا التعامل معها بحمولاتها الجديدة والمتجددة، سنظل بمنأى عن دخول العصر على الوجه المقبول، وعن التلاؤم معه بالصورة المثلى، وعلى الأدباء، مهندسي العقول والخيال كما يقال، وعلى المثقفين في مختلف أصناف العمل الثقافي والعلمي الذي يشتغلون به، أن يأخذوا زمام المبادرة ليكونوا المهندسين فعلا، ليجددوا مظاهر إنتاج الإبداع وتلقيه، وفي ذلك فليجتهد وليتنافس وليبدع المجتهدون والمتنافسون والمبدعون”.

ركزت سعاد مسكين في عملية إعداد المعجم على الكتب التي أصدرها الناقد بشكل مستقل، حيث أشارت موضحة إلى انها قد تجاوزت المقالات النقدية والأعمال المشتركة، مبررة ذلك لأجل ان تتمكن من تتبع مشروعه الخاص بغض النظر عن المقالات ذات مناسبات خاصة أو الكتب المشتركة ذات أبعاد تربوية وتعليمية أكثر مما هي نقدية. كما ثبتت ملاحظات أخرى جاء فيها أن هذا المعجم قابل للتحيين بتتالي إصدارات الناقد سعيد يقطين، بمعنى انه ليس معجما نهائيا وتاما، وعملت على ان يكون ترتيبه حسب الحروف الأبجدية، ولأنها تجد في المصطلحات النقدية اسهاما في تطور المصطلح السردي ارتأت ان تضعها إلى جانبها.


سعاد مسكين: “معجم السرديات”

دار الحوار، اللاذقية 2019

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.